«قتلة زهرة القمر»... ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية

قراءة في فيلم يكشف القتل الممنهج بحق الأميركيين الأصليين في ولاية أوكلاهوما

«قتلة زهرة القمر»... ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية
TT

«قتلة زهرة القمر»... ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية

«قتلة زهرة القمر»... ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية

إلى أي حد يمكن لشعب أو مجتمع أن يواجه ما قد يتضمنه تاريخه من أحداث مخجلة، من عارٍ يتمثل في جرائم ارتكبت بحق أبرياء وجرى التكتم عليها أو سعت الأكثرية إلى إخفائها وتجاهلها، بل وربما أصدرت قانوناً يحرم الحديث عنها؟ إن من المستحيل لأي شعب أو أمة أو مجتمع أن يدعي طهارة تاريخه أو خلوه مما يود إخفاءه وتمني زواله من السجلات ورفضه أن يسعى أحدٌ إلى التنقيب عنه وإظهاره. وإذا كانت المجتمعات التي تحكمها معتقدات أو أعراف أو ربما قوانين وضعية تنجح في كبت الكثير، فإن من المجتمعات المعاصرة اليوم ما استن من القوانين ما يحول دون ذلك المنع الصارم، أو ما يحول دونها بصورة جزئية أو مؤقتة. وحتى تلك التي تسن القوانين الصارمة لمنع كل ما يمكن أن يشير إلى الماضي المخزي، فإن الوقت سيأتي حين يتمكن مؤرخ أو كاتب أو محقق أو باحث من أن يكشف النقاب عما أسدل عليه النقاب وغلّقت دونه الأبواب.

الفيلم الأميركي «قتلة القمر الزهرة» (أو زهرة القمر) (Killers of the Flower Moon) الذي أطلق مؤخراً يتمحور حول تلك القضية، وإن لم تظهر بصورة جلية لمن ذهب للفيلم للاستمتاع بقوة العرض والأداء. الفيلم الذي أخرجه مارتن سكورسيزي وظهر في بطولته نجمان كبيران هما روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو يواجه تلك القضية مباشرة ويطرح بذلك على الضمير الأميركي أنموذجاً من بين مئات النماذج للجرائم المدفوعة بالجشع والاحتقار العرقي والعنف التي يزخر بها التاريخ الأميركي. وإذا كان ذلك هو الشأن في تواريخ أمم أخرى، فإن حداثة التاريخ الأمريكي وكثافة ما كتب عنه تجعلانه أوضح مع قرب المتناول وسهولة التحليل. فمنذ بدء الاستيطان الأوروبي والقادمون إلى القارة الجديدة يسجلون الحادثة تلو الأخرى مما يندى له جبين التاريخ والحضارة المدعاة من اضطهاد وقع على السكان الأصليين، أو الذين جلبوا من القارة الأفريقية واستعبدوا. وإذا كان تاريخ العبودية في أنموذجه الأميركي قد وجد الكثير من الضوء على مختلف مستويات الإنتاج الثقافي والإبداعي فإن مقابله على مستوى الاضطهاد العرقي الذي تعرض له من أطلق عليهم الهنود الحمر، في ممارسة مبكرة في عنف التسمية وإلغاء الهوية، ما زال بحاجة فيما يبدو إلى المزيد من الحفر والكشف، على الرغم من كل الأفلام والروايات والتواريخ التي دُوّنت.

في مطلع القرن العشرين تعرضت قبيلة الأوساج من الأميركيين الأصليين في ولاية أوكلاهوما للقتل الممنهج من قبل عدد من المستوطنين البيض الذين تدفقوا على المنطقة التي كانوا يقطنها أولئك الأصليون بعد اكتشاف كميات ضخمة من النفط في أرضهم. أدى الاكتشاف إلى إثراء عدد من أفراد القبيلة، فاسترعى ذلك الأميركيين الأوروبيين الباحثين عن الثراء السريع والضانين به على قبائل يعدونها بدائية ولا تستحق من ثم ما حصلت عليه من ثروة.

ذلك كله مثبت تاريخياً.

في عام 2021 أصدرت ولاية أوكلاهوما قانوناً يمنع المعلمين في المدارس العامة أو الحكومية، حسب ما ورد في صحيفة «النيويورك تايمز» في مقالة حول الفيلم، من «تدريس عدد من المفاهيم»، منها أن «يشعر أي فرد بالانزعاج أو الذنب أو الألم أو أي نوع من الانقباض النفسي» لكونه ينتمي إلى عرق أو نوع، ذكر أو أنثى. أدى ذلك إلى تخوف المعلمين من تدريس الرواية التاريخية «قتلة القمر الزهرة» وخشيتهم من فقد تراخيص عملهم وفقدان وظائفهم نتيجة لذلك. رقابة صارمة وتسلط من النوع المألوف لدى القاطنين في كثير من دول العالم. البيض الأميركيون لا يريدون لأحد أن يناقش ما ارتكب بعض أسلافهم أو أمثالهم من جرائم بحق أهل البلاد الأصليين ممن سلبت أراضيهم وانتهكت حقوقهم والآن يرفض المستوطنون أن يجدوا في المناطق الضئيلة من الأرض التي أبقيت لهم شيئاً من الثروة.

يعرض الفيلم المؤسس على الرواية لتلك الأحداث التاريخية بصورة تكشف عنف المستوطنين وجشعهم، قتلهم للسكان الأصليين وسعيهم للاستيلاء على الثروة النفطية. شجاعة النص والمخرج والممثلين، فضلاً عن الأداء الرائع، ليست محل جدال، فنحن أمام عمل ملحمي على مستوى الإنتاج والإخراج والتمثيل. استعادة لغة قبيلة الأوساج بحد ذاتها إنصاف لقبائل استلبت هوياتها وأرضها وثرواتها وأهم من ذلك أرواح الكثير من أبنائها وبناتها. يبدأ الفيلم بوصول الشاب دي كابريو بوصفه ابن أخ لمتنفذ أبيض (روبرت دي نيرو) يتزيا بزي الراعي لمصلحة السكان الأصليين والمستوطنين معاً. وتبدأ الأحداث بالتعليمات التي يتلقاها الشاب بطريقة ملتوية: أن علينا أن ندخل حياة هؤلاء السكان الأصليين ونسلبهم ثروتهم إما بالمصاهرة والمعاشرة المؤدية للاستيلاء أو بالقتل المباشر والتخلص النهائي. ثم يبدأ تنفيذ الخطة التي تصل ذروتها بزواج ابن الأخ من سيدة جميلة من السكان الأصليين، وسعيه، رغم حبه لها، إلى تنفيذ المخطط. فهي المصابة بالسكري تتلقى الأنسولين من زوج يغشها في العلاج نفسه لكي تموت تدريجياً وهي الأم التي أنجبت عدداً من الأطفال، لكنها لا تموت لحسن الحظ وتعيش لترى زوجها سجيناً مع عمه.

يبدأ الفيلم بالانسياب نحو النهاية بوصول مكتب التحقيقات الفيدرالي المؤسس حديثاً للتحقيق في جرائم القتل لينتهي ذلك بالقبض على العم وابن أخيه (دي نيرو ودي كابريو). لكن التاريخ يقول أيضاً إن الـ«إف بي آي»، أو مكتب التحقيقات، بقيادة الشاب المتعين حديثاً ج. إدغار هوفر، أغلق القضية بالطريقة التي يرويها الفيلم، بمعنى أن النهاية كانت بانتصار العدالة التي أتت مع المحقق الأميركي.

منذ بدء الاستيطان الأوروبي والقادمون إلى القارة الجديدة يسجلون الحادثة تلو الأخرى مما يندى له جبين التاريخ والحضارة

مقالة «النيويورك تايمز» التي أشرت إليها كتبها اثنان أحدهما مؤلف الكتاب الذي تأسس عليه الفيلم، ديفيد غران، والآخر جم غري الذي قتل أحد أجداده من السكان الأصليين في تلك الأحداث. يقول الكاتبان: «لم تُمح هذه الأحداث من ذاكرة الأوساج. لكن معظم الأميركيين مسحوا من ضمائرهم حتى الرواية المعقمة التي تبناها مكتب التحقيقات الفيدرالي». ويشير الكاتبان إلى أن تلك الأحداث التي يطلقون عليها «عهد الرعب» تشبه المذبحة المعروفة بمذبحة تلسا العرقية (وتلسا هي ثاني أكبر مدن ولاية أوكلاهوما) في أن كلتا الحادثتين لا تُدرّسان في المدارس، حتى في أوكلاهوما نفسها. عملية تعقيم التاريخ مهمة لضمير يعترف ضمناً بما يثقل كاهله.

لكن الضمير الأوكلاهومي، مثل ضمائر بشرية أخرى كثيرة، لم يستطع أن يحول دون الكشف عن تلك النقاط السوداء في تاريخه أو تاريخ الولاية. الدستور الحامي لحرية التعبير يتعالى على قدرات ولاية من الولايات أن تقرر ما يعرف أو لا يعرف. ذلك الدستور هو الذي يحمي سكورسيزي ومنتجي فيلم «قتلة القمر الزهرة» من غضب ولاية أميركية حين يتجرأون على الخطوط الحمراء لتلك الولاية.

لكن ماذا لو كانت الخطوط الحمراء خطوطاً يكاد يجمع عليها المجتمع الأميركي وإعلامه ونظامه السياسي؟ ماذا لو كانت الخطوط الحمراء تتصل باليهود، بإسرائيل، بالصهيونية؟ من المؤكد عندئذٍ ألا يفيد الدستور لأن مصالح أعلى منه ستحول دون ما يسمح به من حريات. وقبل ذلك لن تقبل شركة إنتاج سينمائي أن تتحمل العبء السياسي، ولن يتحمل المخرج ولا الممثلون سياط النقد التي ستوجه لهم – على افتراض أن أحداً يرغب في تخطي خطوط حمراء كتلك – ولو قبلت الشركة وتحمل الممثلون لن تنشر «النيويورك تايمز» مقالة تحليلية محايدة حول الفيلم. في وسع الجميع أن ينتقد المستوطنين البيض ويكشف سوءات التمييز العرقي والاضطهاد والجرائم، لكن ليس في وسعهم أن يقولوا إن إسرائيل تحتل أرض شعب آخر، وإنها هجّرتهم وتضطهدهم وتقتلهم كل يوم. سيظل قتلة نمو ووفرة آخرين، مستوطنين آخرين غير المستوطنين الأميركيين، عصيين على الكشف والإدانة.


مقالات ذات صلة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً

ميرزا الخويلدي (الدمام)

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.