كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

تناولهم لموضوعاتها جاء مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح
TT

كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح

عند تناول مصطلح الطاقة بمعناه الواسع، يمكننا القول إن الفن أو المنتجات الفنية هي أحد أشكال الطاقة الإبداعية للإنسان، لكن مفهوم الطاقة في الاقتصاد والصناعة يختلف عنه في الفن بطبيعة الحال؛ فالطاقة هي المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان المعاصر لتأمين احتياجاته الرئيسية وزيادة رفاهيته، وتوفُّرُها يُسهم في تأمين احتياجات الإنسان من تدفئة، وغذاء، وتنقل، ووقود، وكهرباء، وغيرها؛ لذلك تعتمد عليها الحكومات والمجتمعات بوصفها وسيلة للنمو والتطور.

(محمد والنفط) مجموعة إذا نسيتك فلا تنساني – منال الضويان

هذا الارتباط الوثيق والاعتماد على الطاقة لدى الإنسان المعاصر، وما يمكن أن تُحدثه من تأثير عليه على المستويات كافة، وما يرتبط بتوفيرها من تكاليف أو تأثيرات اجتماعية وبيئية، يجعل الطاقة من أهم الموضوعات التي تتم دراستها وتحليلها وتداولها عالمياً، في الأخبار السياسية والاقتصادية والبيئية على حدٍّ سواء. كما يتم التعبير عنها أحياناً من خلال أشكال الفنون المختلفة، ومن ذلك الفنون البصرية والتشكيلية.

ولعل تناول الفنان لموضوعات الطاقة يختلف بشكل كلي عن تناول المحلل الاقتصادي والسياسي لها، فالفنان بحساسيته واختلاف نظرته لطبيعة الأشياء يميل للجوانب الإنسانية والثقافية المرتبطة بالطاقة، فكيف عبّر الفنان التشكيلي عن الطاقة؟

ضد النسيان

ولأن المملكة العربية السعودية إحدى الدول الرئيسية الكبرى في إنتاج وتوفير الطاقة عالمياً، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن يعبر الفنانون التشكيليون عن هذا الموضوع فنياً، وأن تبرُز تأثيراته الثقافية والاجتماعية في أعمالهم. ومن بين هؤلاء نذكر الفنانة منال الضويان، التي تناولت في أحد أعمالها الفنية مجموعة من النساء والرجال العاملين في قطاع البترول في المملكة، وتحديداً شركة «أرامكو السعودية»، وذلك لتوثيق جيل كامل من العاملين في هذا القطاع القادمين من خلفيات بيئية مختلفة، من مدن وقرى المملكة، وجمعهم مكان واحد انطلقوا منه للمستقبل.

«تطور الإنسان» لأحمد ماطر

وقد عنونت الضويان هذه المجموعة باسم «إذا نسيتك فلا تنساني»، وتمثل توثيقاً للذاكرة الجماعية لذلك الجيل العامل في البترول، والذي كان منه والدها، فتاريخ الشركة العالمية قد يكون معروفاً وموثقاً، إلا أن تاريخ هؤلاء العاملين في الشركة قد يكون مغيباً، وهو ما حرصت الفنانة على توثيقه، وإظهار الجانب الإنساني والحميم فيه.

ذاكرة البترول في المجتمع السعودي

ومن الفنانين السعوديين الذين أشاروا إلى الطاقة (البترول) تحديداً، بوصفها جزءاً مهماً في تاريخ المجتمع السعودي، الفنان أحمد ماطر، الذي تتبّع تاريخ المجتمع المحلي منذ بدء الدولة السعودية الثالثة عام 1932، مروراً بالستينات والسبعينات الميلادية، التي تمثل سنوات الطفرة البترولية وما أحدثته من تغيير، وانتقال في شكل الحياة والعمران والمباني الخرسانية، وذلك من خلال شرائح من الصور الفوتوغرافية الأرشيفية التي عثر عليها الفنان، وأعاد تركيب صور أخرى عليها، لصنع كولاج فوتوغرافي جديد؛ ليُخرج هذه الصور من طابعها الأرشيفي والتوثيقي، ويضيف تساؤلات جديدة عليها حول العلاقة بين هذه العناصر والمعاني التي تحتملها، في صور فنية كان البترول حاضراً فيها داخل ذاكرة المجتمع المحلي، وأساساً في تغيره.

«حلوى النفط»

ومن الفنانات التشكيليات اللاتي عبّرن عن موضوعات الطاقة الفنانة مها الملوح، حيث تناولت في عملها الفني «حلوى النفط» الدور الذي أحدثه البترول في التغيرات الحضارية في المملكة، واستخدمت في ذلك براميل الزيت الملونة، التي كانت تشكل أحد المشاهد البصرية في المملكة العربية السعودية، في الحاضرة والبادية، في سبعينات القرن العشرين.

هذه البراميل الملونة التي أعادت الفنانة تشكيلها لتكون أشبه بتغليفات الحلوى الملونة، قد تحمل دلالات مختلفة، منها تشبيه النفط بالحلوى وما يرتبط بها من رفاهية وبهجة، فكان التعبير من خلال أحد المدركات الشكلية التي كانت سائدة في المجتمع في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، مع إعادة تشكيله وتقديمه في سياق جديد ومختلف، لإتاحة تأمل هذه العناصر بشكل مختلف، وإدراك ما يرتبط بها من مفاهيم، إضافة لما تبعثه هذه العناصر من تعلق وحنين، وتذكير بحقبة زمنية ماضية.

ويلاحظ في هذه النماذج الفنية المتنوعة للفنانين السعوديين، تركيزها على النفط بشكل مباشر بدلاً من أشكال الطاقة الأخرى، إضافة إلى جانب الحنين إلى الماضي، وما يرتبط بذلك من مشاعر حميمة، من خلال العودة للوراء وتأمل الماضي والصور والعناصر الأولى التي وجدت لها مستقراً في الذاكرة الجماعية.

«لتظل بارداً»

إلا أن التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة، منها تجربة مميزة للفنانة مها الملوح بعنوان «لتظل بارداً»؛ حيث يركز هذا العمل على استهلاك الكهرباء في بيئة صحراوية جافة، وما يترتب على ذلك من مشكلات بيئية تتطلب حلاً. وقد أنشأت الفنانة العمل من خلال إعادة تدوير لأجهزة المكيفات الصحراوية التي سبق استخدامها في موسم الحج، كما يمكن مشاهدتها في البيوت القديمة، وأعادت تركيب هذه الأجهزة على هيئة مكعب الألغاز «روبيك»، في مقاربة بين الموضوعين، فالكهرباء ومشكلاتها تتطلب حلاً كمكعب الألغاز الشهير.

وفي هذه التجربة للفنانة مها الملوح، وتجاربها الأخرى، يُلاحظ إعادة تدويرها لخامات وأدوات مستهلكة، ترتبط بالبيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة، وبعضها يرتبط بحقب زمنية ماضية، وكأنها تؤرخ التغيرات المجتمعية من خلال الأدوات المستخدمة في كل حقبة زمنية. هذه الأدوات التي تتغير وتأخذ أشكالاً جديدة، وبعضها لم نعد نراها حالياً، هي إشارة للتغيرات السريعة جداً في المجتمع. وبذلك تنفتح هذه الأعمال الفنية على عدة تأويلات وتفسيرات، فيمكن إحالتها لدور الطاقة في المجتمع وتأثيرها الكبير عليه، كما يمكن أن تُعد هذه الأعمال رصداً للتغيرات الثقافية والاجتماعية السريعة والكبيرة في البيئة المحلية السعودية. وكذلك تشير هذه الأعمال الفنية إلى النزعة الاستهلاكية التي سادت المجتمع، وتوجّهه نحو استبدال الجديد بالقديم.

«تطور الإنسان»

من الأعمال الفنية الأخرى المميزة التي تناولت موضوع الطاقة في المملكة، ومارس فيها الفنان دوره الاجتماعي، ودوره بوصفه طبيباً يشخص حالة مرضية، عمل فني أنتجه الفنان الطبيب أحمد ماطر بعنوان «تطور الإنسان» عام 2010. في هذا العمل استخدم ماطر الأشعة السينية لتصوير مضخة بنزين تتحول إلى إنسان يوجه السلاح على رأسه، والعكس، في عملية انتحار مستمرة، فكان العمل يشكل هاجساً لتلك المرحلة، من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحتملة للاعتماد الكلي على البترول.

هذا الهاجس تراجع كثيراً إلى حد الانتفاء الآن، بعد رؤية المملكة 2030، وهي رؤية لمستقبل المملكة، واستثمار مكامن قوتها وموقعها الاستراتيجي المتميز، وقوتها الاستثمارية، وعمقها العربيّ والإسلاميّ، لتنويع اقتصادها بدلاً من الاعتماد الكلي على البترول.

التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة.

اختلاف الفنان السعودي

قد يكون تناول الفنان السعودي لمواضيع الطاقة مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى لهذا الموضوع، فالمملكة بوصفها دولة منتجة للطاقة عالمياً، ومن كبار منتجي البترول، جعلت من الطاقة والبترول رمزاً للغنى والرفاهية والحياة الرغيدة، وفي الوقت نفسه رمزاً للتغيير، وهو ما تمت ملاحظته من خلال الأعمال الفنية التي تم استعراضها، فتناول الطاقة جاء غالباً من ناحية تاريخية، يدفعها الحنين للماضي إلى التعبير عن مرحلة مهمة وبارزة، وتمثل نقلة في المجتمع السعودي، وهي مرحلة الطفرة، فكان تناول الطاقة فنياً في أعمال حديثة ومعاصرة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن مرحلة سابقة تتمثل في السبعينات الميلادية.

إن أهمية الطاقة وعلاقتها بالفن لا تقتصر فقط على تعبير الفنان عنها كونها مؤثراً بشكل مباشر على حياته، فالطاقة أدّت لتغير أشكال الفن، وظهور أنواع جديدة، فالفنون البصرية والتشكيلية المعاصرة لا تعتمد فقط على التشكيل من خلال اللوحة المسطحة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال النماذج السابقة، لكن التعبير عن الطاقة وتناولها بوصفها موضوعاً فنياً، يقدم انطباعاً عن تأثيرها الفكري والفلسفي على الإنسان، وحساسيته الفنية تجاهها، وعلاقته بها.

* كاتبة وناقدة سعودية


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.