كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

تناولهم لموضوعاتها جاء مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح
TT

كيف صوّر الفنانون السعوديون الطاقة في أعمالهم؟

«حلوى النفط» لمها الملوح
«حلوى النفط» لمها الملوح

عند تناول مصطلح الطاقة بمعناه الواسع، يمكننا القول إن الفن أو المنتجات الفنية هي أحد أشكال الطاقة الإبداعية للإنسان، لكن مفهوم الطاقة في الاقتصاد والصناعة يختلف عنه في الفن بطبيعة الحال؛ فالطاقة هي المصدر الذي يعتمد عليه الإنسان المعاصر لتأمين احتياجاته الرئيسية وزيادة رفاهيته، وتوفُّرُها يُسهم في تأمين احتياجات الإنسان من تدفئة، وغذاء، وتنقل، ووقود، وكهرباء، وغيرها؛ لذلك تعتمد عليها الحكومات والمجتمعات بوصفها وسيلة للنمو والتطور.

(محمد والنفط) مجموعة إذا نسيتك فلا تنساني – منال الضويان

هذا الارتباط الوثيق والاعتماد على الطاقة لدى الإنسان المعاصر، وما يمكن أن تُحدثه من تأثير عليه على المستويات كافة، وما يرتبط بتوفيرها من تكاليف أو تأثيرات اجتماعية وبيئية، يجعل الطاقة من أهم الموضوعات التي تتم دراستها وتحليلها وتداولها عالمياً، في الأخبار السياسية والاقتصادية والبيئية على حدٍّ سواء. كما يتم التعبير عنها أحياناً من خلال أشكال الفنون المختلفة، ومن ذلك الفنون البصرية والتشكيلية.

ولعل تناول الفنان لموضوعات الطاقة يختلف بشكل كلي عن تناول المحلل الاقتصادي والسياسي لها، فالفنان بحساسيته واختلاف نظرته لطبيعة الأشياء يميل للجوانب الإنسانية والثقافية المرتبطة بالطاقة، فكيف عبّر الفنان التشكيلي عن الطاقة؟

ضد النسيان

ولأن المملكة العربية السعودية إحدى الدول الرئيسية الكبرى في إنتاج وتوفير الطاقة عالمياً، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن يعبر الفنانون التشكيليون عن هذا الموضوع فنياً، وأن تبرُز تأثيراته الثقافية والاجتماعية في أعمالهم. ومن بين هؤلاء نذكر الفنانة منال الضويان، التي تناولت في أحد أعمالها الفنية مجموعة من النساء والرجال العاملين في قطاع البترول في المملكة، وتحديداً شركة «أرامكو السعودية»، وذلك لتوثيق جيل كامل من العاملين في هذا القطاع القادمين من خلفيات بيئية مختلفة، من مدن وقرى المملكة، وجمعهم مكان واحد انطلقوا منه للمستقبل.

«تطور الإنسان» لأحمد ماطر

وقد عنونت الضويان هذه المجموعة باسم «إذا نسيتك فلا تنساني»، وتمثل توثيقاً للذاكرة الجماعية لذلك الجيل العامل في البترول، والذي كان منه والدها، فتاريخ الشركة العالمية قد يكون معروفاً وموثقاً، إلا أن تاريخ هؤلاء العاملين في الشركة قد يكون مغيباً، وهو ما حرصت الفنانة على توثيقه، وإظهار الجانب الإنساني والحميم فيه.

ذاكرة البترول في المجتمع السعودي

ومن الفنانين السعوديين الذين أشاروا إلى الطاقة (البترول) تحديداً، بوصفها جزءاً مهماً في تاريخ المجتمع السعودي، الفنان أحمد ماطر، الذي تتبّع تاريخ المجتمع المحلي منذ بدء الدولة السعودية الثالثة عام 1932، مروراً بالستينات والسبعينات الميلادية، التي تمثل سنوات الطفرة البترولية وما أحدثته من تغيير، وانتقال في شكل الحياة والعمران والمباني الخرسانية، وذلك من خلال شرائح من الصور الفوتوغرافية الأرشيفية التي عثر عليها الفنان، وأعاد تركيب صور أخرى عليها، لصنع كولاج فوتوغرافي جديد؛ ليُخرج هذه الصور من طابعها الأرشيفي والتوثيقي، ويضيف تساؤلات جديدة عليها حول العلاقة بين هذه العناصر والمعاني التي تحتملها، في صور فنية كان البترول حاضراً فيها داخل ذاكرة المجتمع المحلي، وأساساً في تغيره.

«حلوى النفط»

ومن الفنانات التشكيليات اللاتي عبّرن عن موضوعات الطاقة الفنانة مها الملوح، حيث تناولت في عملها الفني «حلوى النفط» الدور الذي أحدثه البترول في التغيرات الحضارية في المملكة، واستخدمت في ذلك براميل الزيت الملونة، التي كانت تشكل أحد المشاهد البصرية في المملكة العربية السعودية، في الحاضرة والبادية، في سبعينات القرن العشرين.

هذه البراميل الملونة التي أعادت الفنانة تشكيلها لتكون أشبه بتغليفات الحلوى الملونة، قد تحمل دلالات مختلفة، منها تشبيه النفط بالحلوى وما يرتبط بها من رفاهية وبهجة، فكان التعبير من خلال أحد المدركات الشكلية التي كانت سائدة في المجتمع في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، مع إعادة تشكيله وتقديمه في سياق جديد ومختلف، لإتاحة تأمل هذه العناصر بشكل مختلف، وإدراك ما يرتبط بها من مفاهيم، إضافة لما تبعثه هذه العناصر من تعلق وحنين، وتذكير بحقبة زمنية ماضية.

ويلاحظ في هذه النماذج الفنية المتنوعة للفنانين السعوديين، تركيزها على النفط بشكل مباشر بدلاً من أشكال الطاقة الأخرى، إضافة إلى جانب الحنين إلى الماضي، وما يرتبط بذلك من مشاعر حميمة، من خلال العودة للوراء وتأمل الماضي والصور والعناصر الأولى التي وجدت لها مستقراً في الذاكرة الجماعية.

«لتظل بارداً»

إلا أن التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة، منها تجربة مميزة للفنانة مها الملوح بعنوان «لتظل بارداً»؛ حيث يركز هذا العمل على استهلاك الكهرباء في بيئة صحراوية جافة، وما يترتب على ذلك من مشكلات بيئية تتطلب حلاً. وقد أنشأت الفنانة العمل من خلال إعادة تدوير لأجهزة المكيفات الصحراوية التي سبق استخدامها في موسم الحج، كما يمكن مشاهدتها في البيوت القديمة، وأعادت تركيب هذه الأجهزة على هيئة مكعب الألغاز «روبيك»، في مقاربة بين الموضوعين، فالكهرباء ومشكلاتها تتطلب حلاً كمكعب الألغاز الشهير.

وفي هذه التجربة للفنانة مها الملوح، وتجاربها الأخرى، يُلاحظ إعادة تدويرها لخامات وأدوات مستهلكة، ترتبط بالبيئة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة، وبعضها يرتبط بحقب زمنية ماضية، وكأنها تؤرخ التغيرات المجتمعية من خلال الأدوات المستخدمة في كل حقبة زمنية. هذه الأدوات التي تتغير وتأخذ أشكالاً جديدة، وبعضها لم نعد نراها حالياً، هي إشارة للتغيرات السريعة جداً في المجتمع. وبذلك تنفتح هذه الأعمال الفنية على عدة تأويلات وتفسيرات، فيمكن إحالتها لدور الطاقة في المجتمع وتأثيرها الكبير عليه، كما يمكن أن تُعد هذه الأعمال رصداً للتغيرات الثقافية والاجتماعية السريعة والكبيرة في البيئة المحلية السعودية. وكذلك تشير هذه الأعمال الفنية إلى النزعة الاستهلاكية التي سادت المجتمع، وتوجّهه نحو استبدال الجديد بالقديم.

«تطور الإنسان»

من الأعمال الفنية الأخرى المميزة التي تناولت موضوع الطاقة في المملكة، ومارس فيها الفنان دوره الاجتماعي، ودوره بوصفه طبيباً يشخص حالة مرضية، عمل فني أنتجه الفنان الطبيب أحمد ماطر بعنوان «تطور الإنسان» عام 2010. في هذا العمل استخدم ماطر الأشعة السينية لتصوير مضخة بنزين تتحول إلى إنسان يوجه السلاح على رأسه، والعكس، في عملية انتحار مستمرة، فكان العمل يشكل هاجساً لتلك المرحلة، من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحتملة للاعتماد الكلي على البترول.

هذا الهاجس تراجع كثيراً إلى حد الانتفاء الآن، بعد رؤية المملكة 2030، وهي رؤية لمستقبل المملكة، واستثمار مكامن قوتها وموقعها الاستراتيجي المتميز، وقوتها الاستثمارية، وعمقها العربيّ والإسلاميّ، لتنويع اقتصادها بدلاً من الاعتماد الكلي على البترول.

التعبير عن الطاقة كشكل نهائي يحصل عليه الإنسان ويرتبط به، بشكل مباشر، لا نجده سوى في أعمال قليلة.

اختلاف الفنان السعودي

قد يكون تناول الفنان السعودي لمواضيع الطاقة مختلفاً عن تناول فناني الدول الأخرى لهذا الموضوع، فالمملكة بوصفها دولة منتجة للطاقة عالمياً، ومن كبار منتجي البترول، جعلت من الطاقة والبترول رمزاً للغنى والرفاهية والحياة الرغيدة، وفي الوقت نفسه رمزاً للتغيير، وهو ما تمت ملاحظته من خلال الأعمال الفنية التي تم استعراضها، فتناول الطاقة جاء غالباً من ناحية تاريخية، يدفعها الحنين للماضي إلى التعبير عن مرحلة مهمة وبارزة، وتمثل نقلة في المجتمع السعودي، وهي مرحلة الطفرة، فكان تناول الطاقة فنياً في أعمال حديثة ومعاصرة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن مرحلة سابقة تتمثل في السبعينات الميلادية.

إن أهمية الطاقة وعلاقتها بالفن لا تقتصر فقط على تعبير الفنان عنها كونها مؤثراً بشكل مباشر على حياته، فالطاقة أدّت لتغير أشكال الفن، وظهور أنواع جديدة، فالفنون البصرية والتشكيلية المعاصرة لا تعتمد فقط على التشكيل من خلال اللوحة المسطحة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال النماذج السابقة، لكن التعبير عن الطاقة وتناولها بوصفها موضوعاً فنياً، يقدم انطباعاً عن تأثيرها الفكري والفلسفي على الإنسان، وحساسيته الفنية تجاهها، وعلاقته بها.

* كاتبة وناقدة سعودية


مقالات ذات صلة

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة

د. آمال موسى
ثقافة وفنون «عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة

منى أبو النصر (القاهرة)

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».