البحث عن «عالمية» الأدب السعودي

الترجمة جسر العبور إلى ضفاف المقروئية لدى الآخر

كولِم تويبين
كولِم تويبين
TT

البحث عن «عالمية» الأدب السعودي

كولِم تويبين
كولِم تويبين

يستحوذ على اهتمامنا «الجمعي» كثيراً وصولُ أدبنا إلى ما يسمى «العالمية». وأثناء انتظار الحدث المأمول، نبدو كمن ينتظر قِدْراً ليغلي، فلا يغلي حسب المثل الانجليزي. فنملأ زمن انتظارنا لغليان «قِدْرِ العالمية» بالندوات والمحاضرات والاستطلاعات الصحافية والمقالات التي تناقش وتقلب الموضوع بتكرار يصل إلى الإملال أحياناً. يختلف المشاركون في تلك الفعاليات، ولكن تتكرر وتتشابه الاقتراحات والتوصيات والحلول المطروحة مخرجاً من نفق الانتظار الطويل لـ«لعالمية».

وصول أدبنا إلى «العالمية» حلم مشروع. فإن لم يصل، أو طال به الأمد في الطريق إليها، لا ينبغي أن يتحول عدم وصوله جاثوماً ومصدراً للقلق الدائم؛ لأن وجودنا لا يتوقف على هذه «العالمية»، فنحن باقون على قيد الحياة وفي هذا العالم. «العالمية» ليست إكسير الحياة.

شروود أندرسون

من بداية الكتابة، وضعت كلمة «العالمية» بين مزدوجتين؛ لأنها ليست الكلمة المناسبة للمقال ولا للمقام. في رأيي الأدب السعودي ليس في حاجة إلى الوصول إلى العالمية، ولا تتوقف أهميته وقيمته عليها؛ لأنه أدب عالمي مثل كل آداب الدول والأمم الأخرى. كلُّ نص، أو عمل أدبي، عالمي؛ لأنه إبداعُ مؤلفٍ يعيش في هذا العالم، وينتمي إلى أدب الوطن الذي يُنْتَجُ فيه.

أي عمل أدبي سردي أو شعري يُكتب في السعودية، هو جزء من الأدب السعودي الذي هو جزء من الأدب العربي الذي هو جزء من الأدب في العالم. هكذا أرى الموضوع وأفهمه، ولا يستبدُّ بي القلق من هذا الجانب. أدبنا عالمي، وما نتكلم عنه عندما نتكلم عن «العالمية» هو مقروئيته؛ أي كونه رائجاً وشائعاً في العالم بتخطيه حدود الوطن إلى أوطان أخرى واستقباله استقبالاً إيجابياً فيها.

«المقروئية» عبر العالم هي المقصودة حين الكلام عن «العالمية»؛ وهذه إن تحققت لن يكون لكلِ عمل أدبي سعودي نصيبٌ منها أو مساوٍ لما تناله أعمال غيره من استقبال ومقروئية. لا أتصور انفتاح «آفاق العالمية» أمام كل السرد السعودي مثلاً. فإذا راجت رواية سعودية وأصبحت مقروءة في طول العالم وعرضه، لن يكون هذا مآل كل رواية تصدر في السعودية.

ورواج روايةٍ لروائي معين مثل «ترمي بشرر...» لعبده خال، لا يعني الرواج الحتمي لكل رواياته في العالم. والمقروئية التي حظيت بها رواية «بنات الرياض» ليس من الأكيد أن تحظى بها رواية رجاء الصانع الثانية التي طال أمد ترددها في نشرها. التفاوت هو القاعدة، تفاوتٌ في المقروئية على مستوى العالم من عمل إلى آخر، ومن أديب إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، ومن كان يُقْرَأُ أدبُهُ في الأمس قد يَفْقِدُ الإقبالَ على شراءِ وقراءةِ أعمالِه اليوم، أو يُقْرأُ بمعدلٍ أدنى.

وليم فوكنر

الأدب الانجليزي، ويشمل كل عمل مكتوب بالإنجليزية، أكثرُ الآداب مقروئية في العالم، لا يحتاج ذلك إلى تدعيم بالأدلة والإحصائيات. وكان للهيمنة والاستعمار الانجليزي دور عظيم في انتشار اللغة الانجليزية وآدابها في البلدان التي خضعت للاستعمار عن طريق فرضها لغةً للتدريس والعمل والسيطرة في كل أرجاء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

ورغم ذلك ليس كل الأدباء الإنجليز معروفين ومتساوين بالمقروئية في العالم. ربما يكون الشاعر والكاتب المسرحي ويليام شكسبير معروفاً ومقروءاً في كل الأزمنة وفي أمكنة كثيرة من المعمورة؛ لكن هذا امتياز لا يتمتع به معاصروه من المسرحيين رغم مكانتهم العالية وإسهامهم في تطور وازدهار المسرح الانجليزي، على سبيل المثال لا الحصر: توماس كِد، كريستوفر مالرو، بِن جونسون، توماس دِكَرْ، وجون ويبستر. كما تتفاوت مسرحيات شكسبير نفسه في الشعبية والمقروئية والإنتاج المسرحي.

وعندما نغادر شكسبير ومعاصريه وزمنه إلى القرن العشرين، نلتقي بحالةٍ دالةٍ تجسد فكرة أن المقروئية عبر العالم لا تحدث بالتساوي لكل الأدباء من بلد واحد كالولايات المتحدة ذات الهيمنة الثقافية والسياسية والعسكرية. أطراف هذه الحالة ثلاثة روائيين أميركان: شروود أندرسون وإرنست هيمنغواي وويليام فوكنر. ويقف أندرسون في الوسط بينهما.

إن همنغواي وفوكنر أكثر شهرة من أندرسون، وأعمالهما أوسع انتشاراً ومقروئية من أعماله رغم أنه لا يقل عبقرية وعظمة عنهما، وله فضلٍ كبير عليهما وعلى أدباء أميركان آخرين بما قدمه من دعم ورعاية ونصح، ولدوره الفاعل في تطورهم.

همنغواي

كان أندرسون صديقاً ونديماً وأستاذاً لفوكنر لفترة من الزمن، قبل أن يتمرد التلميذ على أستاذه ويقلب عليه ظهر المجن. ما كان لفوكنر أن يصبح فوكنر المعروف والمشهور لو لم يلتق بأندرسون. والحقيقة أن فوكنر لم يلتق به صدفة، بل سعى إلى ذلك فسافر من مسيسيسبي إلى نيو أورليانز، حيث كان أندرسون هناك وقد التفّ حوله عدد من الكُتّاب الشباب الذين ضمهم تحت جناحي رعايته. نصح أندرسون فوكنر بأن ينطلق في كتاباته من تجربته الذاتية، ويستمد المواضيع والأفكار لرواياته وشخصياته من مكانه وبيئته ولاية ميسيسبي، وبمساعدته عرف فوكنر الطريق إلى النشر ومؤسساته.

وكانت علاقة أندرسون بهمنغواي قصيرة نسبياً، ولكن كانت ذات تأثير كبير على الكاتب الشاب. نصح أندرسون همنغواى بالكتابة عن تجاربه الذاتية في الحرب والحب، ونصحه بالذهاب إلى باريس؛ لأنها المكان المناسب لأي كاتب جاد. ولم يكتفِ بالنصح، بل كتب توصيات ورسائل تقدم همنغواي إلى بعض الأسماء المهمة مثل غرترود ستاين التي كانت تقيم هناك برفقة أليس ب. توكلاس، والآيرلندي جيمس جويس، وسلفيا بيتش مديرة مكتبة شكسبير وشركائه وعزرا باوند. وهكذا انضم همنغواي إلى مجموعة الأدباء المغتربين في باريس خلال عشرينات القرن الماضي، الذين أطلقت عليهم ستاين: «الجيل الضائع». كما لا يمحو إنكار هيمنغواي تأثيرَ أندرسون على قصصه القصيرة في تلك الفترة.

أثناء كتابة هذه المقالة، وخلال توقفٍ لدقائق قليلة، رحت أتفقد مكتبتي بشرود وبطريقة آلية كالعادة، فوقع بصري على الرواية «المعلم/ The Master» للروائي الآيرلندي كولِم تويبين. لمحت عنوانها فولدت فكرة توظيفها في مثال آخر يدعم ما كتبته آنفاً. نشر تويبين روايته في (2004) وهي سيرة غيرية تخييلية غير كاملة «fictionalized biography» تصور الأحداث خلال أربع سنوات من حياة الروائي هنري جيمس من 1895-1899، ابتداءً من الفشل الذريع لمسرحيته «غاي دومفيل»، زيارته لآيرلندا، وعودته إلى إيطاليا بعد غياب أربع سنوات ليلتقي ثانيةً بالنحات هندريك آندرسون. شهدت السنوات التي قضاها جيمس في إيطاليا صدور رواياته «دورة اللولب» و«ما كانت تعرفه ميزي» والتخطيط لروايته «السفراء» في 1899.

ألَّف تويبين روايته عن «هنري جيمس» الذي يتفوق عليه، وهو في قبره، شهرةً ومقروئيةً على الأقل في العالم العربي؛ إذ لم أعثر على ترجمةٍ عربيةٍ ولو لواحدة من رواياته. ما يعني أن تويبين غير مقروء خصوصاً بالعربية مقارنة بجيمس وبمواطنه جيمس جويس. يُظهر هذا المثال أن الموتى جيمس وجويس أشهر في الوطن العربي من الكاتب الحي تويبين. لكن هذا لا يقلل أهميته ومكانته كروائي وشاعر وناقد وصحافي وأكاديمي صدر له 30 كتاباً تقريباً.

أي عمل أدبي سردي أو شعري يُكتب في السعودية، هو جزء من الأدب السعودي الذي هو جزء من الأدب العربي الذي هو جزء من الأدب في العالم

وبالطريقة نفسها، لا يحط من مكانة السرد السعودي، والأدب السعودي عموماً، أنه غير رائج، غير مقروء في العالم. وإن حصل اختراق من هذا الجانب، في لحظة تاريخية ما، فسيكون من نصيب أسماء وأعمال سردية معدودة؛ انفتاح آفاق الانتشار والمقروئية في العالم أمام كل عمل سردي يصدر في الوطن هو الحلم المستحيل والوهم بعينه.

الترجمة جسر العبور إلى ضفاف المقروئية لدى الآخر، وتتعدد تبعاً للغات الترجمة. إن رواج العمل في الخارج يتوقف على ترويجه وتسويقه؛ وإقبال الآخر على ترجمته مشروط برواجه في الداخل كما كتبت في مقالة سابقة «فكتابٌ لا يحقق انتشاراً في وطن مؤَلِّفِه، تكون فرصة مقروئيته ضئيلة في أوطان الآخرين للغاية إن لم تكن معدومة» (الأدب العربي إنساني وإن لم يوجد على الرفوف اللندنية!). هنا أتفق مع القاص والصحافي علي فايع في أن إثبات الأديب السعودي نفسه وحضوره في الداخل بعمل يستحق... أهم وأبقى، من وهم الانتشار، والمقروئية غير المتحققة في الخارج «منقول بتصرف من صفحته في (فيسبوك)» سيكون الحضور بعمل متميز في الداخل الخطوة الأولى الأهم في رحلة العبور إلى الآخر.

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.