ما أهم الأفكار السائدة في الثقافة الغربية المعاصرة؟

التكنولوجيا تساهم بقوة في نشرها على مستوى العالم بأسره

ميشيل فوكو
ميشيل فوكو
TT

ما أهم الأفكار السائدة في الثقافة الغربية المعاصرة؟

ميشيل فوكو
ميشيل فوكو

كان الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يعتقد بأن المجتمعات البشرية تمر في مراحل مختلفة عبر تاريخ تطورها الثقافي، بحيث إن كل جماعة تتميز بمستوى معين من الوعي العلمي والفلسفي والسياسي والديني عبر تاريخها المتواصل، وعبر تفاعلها وتعاملها مع الجماعات الأخرى. على هذا الأساس، رأى فوكو أن كل جماعة بشرية تكون محكومة بخطاب معرفي يكون بدوره خاضعاً لمستوى الثقافة المسيطرة في مرحلة معينة من تاريخ الجماعة، ويسميه فوكو بمصطلح «إبيستيميه» Epistémé (الخطاب المعرفي السائد).

إذن، إن الخطاب السائد في المجتمعات المحلية يتفاعل مع المجتمعات الأخرى، بحيث ينتج عن هذا التفاعل نوع من السيطرة أو القبول والتعاون في ميدان الثقافات المختلفة على الصعيد العالمي. ولا شك في أن التكنولوجيا المعاصرة تساهم بقوة في نشر الأفكار السائدة على مستوى العالم بأسره.

في هذا المقال المحدود، سوف نحاول استعراض أهم الأفكار السائدة والمؤثرة في الثقافة الغربية المعاصرة، استناداً إلى مجلة «العلوم الإنسانية» الصادرة في فرنسا، في شهر فبراير (شباط) من عام 2019، والتي خصصت ملفاً أساسياً موسّعاً حول هذا الموضوع. وسوف نستعرض هذه الأفكار حسب الأبجدية الفرنسية.

هانس أسبرجر

نبدأ بفكرة Apocalypse التي تبشرنا بنهاية العالم أو بالقيامة. هذه الفكرة تطرح إمكانية انهيار العالم، اعتماداً على تقارير فريق الخبراء الحكومي حول المناخ والنشاط البشري الذي أدى إلى سخونة الكوكب الأرضي. وأصحاب هذا الرأي ينبهون إلى ضرورة أن تتحضر البشرية من اليوم للعيش في كوكب غير قابل للعيش.

الفكرة التالية Antispécisme المناقضة لنظرية الأنواع، تتعامل مع نظرية تفوّق النوع البشري على أنها تشبه العنصرية والجندرية. إن أصحاب هذه الفكرة يتعاملون مع الحيوانات بالتساوي مع الإنسان، ويدينون آيديولوجيا النوع، وينادون بضرورة تحرير الحيوان.

الفكرة التالية تحمل عنوان Asperger، أو «متلازمة أسبرجر» الذي اعتبر أن التوحّد (Autisme) كان يُعتبر خطأ كمحاولة مرَضية نفسية للتقوقع في مواجهة العالم، وصولاً إلى الهروب من الأهل غير الجديرين وغير المحبين. وفي بداية ثمانينات القرن العشرين بدأت «متلازمة أسبرجر» تفرض نفسها، وتحمل اسم طبيب الأطفال النمساوي الذي وصف قبل أربعين عاماً أطفالاً متوحدين يتميزون بغياب التأخر العقلي، وبتمكن ممتاز من اللغة. والدليل على ذلك عدد من المتوحدين الذين عرفوا شهرة واسعة إعلامية وأدبية.

الفكرة التالية تحمل عنوان Bienveillance، أي تربية المشاعر الطيبة، وتكريس فكرة التسامح، وهذا الرأي يبدو حائزاً الإجماع.

والفكرة التالية تحمل عنوان Capitalocène، أو محاكمة النظام الرأسمالي. وهنا نطرح السؤال التالي: من المسؤول عن سخونة الأرض؟ إجابتان ممكنتان: البشرية بكاملها، أو الأغنياء هم وحدهم الذين يهدمون الكوكب.

الفكرة التالية تتعلق بالمناخ Climat، أو بالهندسة الجيولوجية في سبيل إنقاذ العالم. لقد أصبح مؤكداً أن كوكب الأرض يسخن، ولكن كيف نخرج من هذه المشكلة؟ إن جواب علماء البيئة المباشر والاعتيادي يتلخص في الدعوة إلى خفض النمو. ولكن الذين يدعون إلى ذلك يعرفون أنه لا يمكننا التهرب من القيامة أو من نهاية العالم. ولكن النظام الرأسمالي يجيب بأنه تجب مواجهة المشكلات التي تجلبها التكنولوجيا بواسطة التكنولوجيا ذاتها. إنها سوق القرن الحادي والعشرين: إنقاذ البشرية. وسوف يتوجب تصور الوسائل التكنولوجية التي سوف تنقذ الأرض من التسخين.

ومن الأفكار السائدة والمهمة: Démocrature (استبداد الديمقراطية). هذا العنوان يستدعي القول بأن الديمقراطية في خطر، حسب تقارير المنظمات غير الحكومية؛ إذ إنه منذ ربع قرن لم تتقدم الديمقراطية في العالم؛ بل هناك أنظمة هجينة خليط بين الديمقراطية والتسلطية، تنمو حتى في البلدان الغربية (هنغاريا، وبولونيا). وأصبحت الحريات الفردية بشكل خاص موضع تساؤل (التعبير، التظاهر، التجمع، تعددية وسائط الإعلام...). وهناك بعض المثقفين الذين يتوقعون جدياً «نهاية الديمقراطيات» حتى في العالم الغربي. ووصل الأمر بالأستاذ الأميركي ستيفن هولمز إلى المقارنة البيولوجية؛ حيث إنه يعتبر أن الديمقراطية هي كأي كائن عضوي طبيعي ويمكن أن تموت. أما الصحافي جان-كلود هازيرا فقد استخدم مصطلح Démocrature كي يصف التحولات الحديثة للديمقراطية في بعض البلدان، كالولايات المتحدة وإيطاليا والنمسا، إذ إن هذه الدول لم تعد ديمقراطية حقاً، وذلك لأن قادتها يتبنون ممارسات تسلطية.

إذن نحن اليوم نعيش في عصر الديمقراطيات الخائبة. ورغم ذلك، فإن المواطنين يبقون متعلقين بالديمقراطية. باختصار: إذا كان الخبراء كما المواطنون يعترفون بنقائص وهشاشة الديمقراطيات الغربية، تبقى أقلية من المواطنين معجبة بالنظام التسلطي أو السلطوي.

ومن معجم الأفكار السائدة فكرة Épigénèse أو نظرية التخصيب. وهذه النظرية تستعيد طرح التساؤل حول الدور الوحيد للجينات في بناء الجسم الحي. الفكرة التالية Happycratie أو نظام السعادة. هذا العنوان يستبطن السؤال الآتي: هل السعادة إلزامية؟ في الواقع إن مسألة السعادة مطروحة بقوة، وكأن على الفرد أن يكون سعيداً مهما كلفه الأمر، بحيث يصبح تعيساً؛ لأنه لا يستطيع أن يكون سعيداً في ظروف معينة وتعيساً في ظروف أخرى. كيف يكون المرء سعيداً في ظل استبداد نظام السعادة؟ أليس الإنسان حراً في الحزن وفي السعادة؟

من أفكار الثقافة المعاصرة تبرز فكرة حسن الضيافة Hospitalité. هذه المسألة تتعلق بموضوع المهاجرين وضرورة تأسيس سياسة تقوم على حسن الضيافة، والعمل على تشجيع التعاون بين المهاجرين والمقيمين في سبيل الصالح العام.

الفكرة التالية: Hyperparentalité تتعلق بمبالغة الجيل الجديد من الأهل في الإحاطة بأبنائهم بحيث إنهم يتميزون بالميل المتطلب جداً تجاه أنفسهم، بحيث إنهم يريدون إنجاب طفل يكون سعيداً طيلة حياته، ولذلك يبالغون جداً في ممارسة الإحاطة بكل شاردة وواردة في حياة أطفالهم. ويبقى أنه بالنسبة إلى أهل هذا الزمن يبدو أن التشخيص أسهل من العلاج المطلوب: إذا كان الأهل يحاولون أن يكونوا كاملين، فيُخشى من أن يصبح التحدي قبول تنشئة أطفال غير كاملين.

ومن أفكار اليوم تبرز فكرة الذكورية le masculinisme التي تشن الهجوم المضاد؛ لأن العالم قد يصبح بين أيادي النساء. وهذا ما يطرحه أنصار الذكورية الذين يعبرون عن قلقهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضاً من خلال أصوات بعض الجامعيين الأنجلوساكسون، الراغبين في إعادة الاعتبار للهيمنة الذكورية. وفي فرنسا يتمثل هذا الفكر بالصحافي إريك زمّور، ومنظر اليمين المتطرف ألان سولال، وبالمحلل النفسي ميشال شنايدر.

من المسؤول عن سخونة الأرض؟ إجابتان ممكنتان: البشرية بكاملها... أو الأغنياء هم وحدهم الذين يهدمون الكوكب

ومن الأفكار السائدة تلك التي تقول بالمجتمع المفكك No society. وإحدى المقاربات المطروحة للنقاش حول هذا الموضوع هي مقاربة عالم الجغرافيا كريستوف غويلوي الذي يعتقد بأن الواقع الاجتماعي قد يكون منقسماً. وبدءاً من ثمانينات القرن الماضي وتحت تأثير السياسات الليبرالية، أصبحت الانشقاقات اجتماعية اقتصادية، مع اختفاء الطبقات الوسطى، وجغرافية بسبب الهوة المتنامية ثقافياً بين فرنسا المتروبولية وفرنسا الأطراف؛ حيث أصبحنا أمام فرنسا من فوق المتكونة من النخب المثقفة والسياسية والمالية، ولا تهتم أبداً «بعالم الأطراف».

ومن الأفكار الرائجة اليوم le posthumanisme (ما بعد الإنسانية). في الواقع إن نزعة تحويل الإنسان le transhumanisme هي مشروع تحسين القدرات الجسدية والذهنية والأخلاقية لدى الإنسان، من خلال التكنولوجيا العضوية، أما نزعة «ما بعد الإنسان» فتمثل التيار الفكري الذي يتمتع بإمكانية تدشين نوع جديد من خلال تحقيق هذا المشروع. إن أحد أشهر المبشرين بهذه الحركة هو إيريك دريكسلر الذي نشر عام 1986 كتاباً تحت عنوان «محركات الخَلق»؛ حيث كان يترقب الطريقة التي من خلالها سوف تفتح تكنولوجيات «النانو» عصراً جديداً، من خلال تحويل عميق للكائن البشري.

وحول هذا الموضوع، هناك فكرة توحي بكثير من الخشية من أن يوماً ما سوف تصبح الآلات أذكى من البشر، ومن الممكن أن تعدمهم. هكذا قد يصبح العالم ما بعد البشري تحت إدارة الذكاء الاصطناعي. ويمكننا بحق أن نقلق تجاه هذا الأمر. ولكن حتى الآن لا شيء يشير إلى أن الآلات سوف تصبح يوماً ما قابلة أن تكون مستقلة. وذلك لم يمنع بعض الفلاسفة من نقد القصد الأول للنزعة الـ«ما بعد إنسانية» المتمثل بتحسين شروط الكائنات البشرية من خلال تسويقها.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.