سارة والعقاد: تراجيديا الجمال المأهول بجحيم الشكوك

تخيَّله توفيق الحكيم يبحث في الجنة عن كتب للمطالعة

العقاد
العقاد
TT

سارة والعقاد: تراجيديا الجمال المأهول بجحيم الشكوك

العقاد
العقاد

لم يكن اسم عباس محمود العقاد مجرد تفصيل عابر على خريطة الأدبين المصري والعربي في النصف الأول من القرن العشرين، بل بدا الرجل بحق أشبه بعاصفة من السجالات والمواقف الفكرية الاعتراضية التي أثارت من خلفها أينما وقعت غبار التأييد أو الرفض، الابتهاج أو الاحتجاج. ذلك أن شخصية الرجل النقدية والباحثة عن الحقيقة فوق أرض مثخنة بالشكوك والمسلحة بثقافة واسعة لم تتح له الركون السهل إلى مسبقات يقينية، وهو الذي رأى في مواطنه أحمد شوقي مجرد مقلد لشعرية الأقدمين، ولم يعترف له بإمارة الشعر رغم توافق معظم شعراء الأمة على تنصيبه أميراً لهم.

وفي ظل الصراع الضاري الذي دار في بدايات القرن الفائت بين الإحيائيين ودعاة التجديد، انحاز الكاتب المولود في أسوان عام 1889 للخيار الثاني، مؤسساً مع عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري حركة «الديوان في الأدب والنقد»، نسبة لكتاب بهذا الاسم أصدره العقاد والمازني عام 1921، داعين فيه إلى التمرد على الأساليب القديمة والتفاعل مع ثقافة العصر دون قطع مع التراث، وجعل الشعر أداة للتأمل في أعماق النفس البشرية ودهاليزها.

أما شغف العقاد بالقراءة فقد بدا واضحاً منذ سنوات حياته الأولى، حيث انكب على التهام كل ما وقعت عليه عيناه من كتب ومصنفات، حتى المتعلقة بالطيور والحشرات. وهو إذ رفض الربط بين القراءة والتأليف، يُنقل عن توفيق الحكيم قوله إنه تخيل العقاد يبحث في الجنة عن كتب للمطالعة، مستبقاً بذلك مقولة بورخيس ورؤيته للجنة بسنوات عدة. أما مؤلفات العقاد التي تربو على المائة فهي تجعلنا نحار في كيفية اتساع حياة الرجل لإنجاز كل تلك المصنفات، بقدر ما تدفعنا التساؤل عن الوقت المستقطع الذي خصصه للاهتمام بالمرأة والحب، ولعلاقتيه العاطفيتين بأليس داغر ومي زيادة اللتين أعطاهما اسميْ «سارة» و«هند» في روايته اليتيمة «سارة».

يقدم العقاد بورتريهات دقيقة لحبيبته سارة ذات الشخصية المغوية والمتقلبة، ويخبرنا بأنها لم تكن مفرطة في الجمال لكن جمالها الفريد «لا يختلط بغيره من ملامح النساء». كما يطلعنا على أنها كانت امرأة عشرينية مطلقة وأمّاً لطفل وحيد، مشيراً إلى أنها بدت لشدة حيويتها أقرب إلى «حزمة من أعصاب تسمى امرأة». وفي تعليله المسهب لهيامه بها يعزو العقاد الأمر إلى ذكائها الحاد وأنوثتها الطاغية، وأيضاً لقدرتها على التجدد بحيث تلبس حيناً لبوس المرأة المرحة الطروب، وحيناً لبوس الكسيرة المطواع، وحيناً ثالثاً لبوس المرأة التي تطيع غرائزها الفطرية، وحيناً رابعاً تبدو المرأة الذكية المهجوسة بالشعر والنثر، وحيناً خامساً لبوس المرأة العصرية المتجرئة على انتهاك المحظورات. وقد بلغ من هيامه بها الحد الذي جعله يتساءل وهو يرى النساء في الطرقات: «ما بال هؤلاء؟ ولماذا خُلقن، ومن ذا الذي ينظر إليهن؟».

إلا أن الجانب الوردي من صورة ذلك الحب الذي كان الاشتهاء الجسدي حجر زاويته لم يلبث أن أخلى مكانه للريبة والقلق والتوترات المتكررة. ذلك أن القواسم المشتركة بين الطرفين كانت أوهن من أن تصمد أمام شخصيتيهما المتباينتين. والأرجح أن فارق العمر بينهما، الذي يقارب الـ15 عاماً، لم يكن العامل الأهم في انهيار العلاقة، بل تباينات أخرى في الطباع والثقافة والمفاهيم. ففي حين كانت سارة مفتونة بنمط العيش الأوروبي ولا مبالية بالتقاليد وطافحة بشهوة العيش، كان العقاد مطبوعاً على الجدية والتحفظ الرصين. كما أن ميلها إلى الاختلاط بالآخرين ونسج الصداقات المتنوعة قابله نزوع إلى العزلة عززته حاجته الملحة إلى استثمار الحياة القصيرة في القراءة والتأليف.

يتناول هذا المقال العلاقة العاطفية التي جمعت بين الكاتب الشهير عباس العقاد و«سارة»، المرأة التي شكلت مزيجاً من كل تناقضات العشق والحب والحياة، ووسم اسمها عنوان روايته اليتيمة. ويعرج الكاتب في هذا السياق على حياة العقاد وطبيعته الشخصية الصارمة، ويحلل المسافة بين أفكاره النظرية وتمثلاتها في شعره على نحو خاص، ويوضح مدى انعكاس كل ذلك على مرآة هذه العلاقة.

ولا ينكر العقاد الذي اشتُق اسم عائلته من مهنة عقْد الحرير ذهابه إلى أقاصي الصداقات والعداوات، مستشهداً بقول سارة عنه «إن من يُظهر طرف السلاح للعقاد فهو إما قاتل أو مقتول». هكذا بدت شخصيته محكومة بالعديد من المفارقات اللافتة، حيث كان يصطدم بعض نفسه ببعضها الآخر. فنزوعه العقلاني للتحرر والتجديد كان يتراجع متقهقراً أمام سلوكياته المحافظة التي ورثها عن أبيه. كما أن جنوحه النقدي النظري إلى تجديد اللغة الشعرية والتحرر من ربقة الأقدمين وربط الشعر بالحياة لم يجد تمثلاته الفعلية على مستوى التطبيق، فنصوصه الشعرية كانت تنكفئ نحو أرض تقليدية وذهنية ومثقلة بالقيود.

وإذا كان من الجائز أن نسوغ للعقاد سعيه إلى قطع العلاقة مع سارة بناء على شكوكه المؤرقة حول خيانتها له، إلا أن ما يصعب تسويغه هو لجوؤه إلى الاستعانة بصديق للتجسس على المرأة التي أحب، ومراقبة حركاتها وسكناتها بشكل دائم. وهو إذ يقر بأنه لم يعثر على ما يؤكد علاقتها بشخص آخر إلا بعد افتراقهما النهائي، فإن للقارئ المتفحص أن يستنتج أن فعلتها تلك قد تكون نوعاً من الرد الانتقامي على ما سببه لها من آلام، أو لتيقنها من قراره الحاسم بالعزوف عن الزواج. ومع ذلك فربما كان العقاد يسعى لمثل هذه العلاقة الصعبة بكامل إرادته، لأنه كان يعلم تمام العلم أن ما تأخذه الحياة بيد يعطيه الشعر باليد الأخرى. والأدل على ذلك أن بعض قصائده فيها كانت تعكس اضطراب نفسه واحتدامها «البودليري»، كما في قوله:

تريدين أن أرضى بكِ اليوم للهوى

وأرتاد فيك اللهوَ بعد التعبُّدِ

وألقاكِ جسماً مستباحاً وطالما

لقيتكِ جمّ الحذف جمّ التردُّدِ

رويدكِ إني لا أراكِ مليئةً

بلذةِ جثمانٍ ولا طيبِ مشهدِ

جمالكِ سُمٌّ في الضلوع وعِشرةٌ

تردُّ مهادَ الصفو غيرَ ممهدِ

والأرجح أن البنية النفسية القلقة لشخصية العقاد هي التي أملت عليه تعلقه المتزامن بامرأتين متغايرتي الطباع والتوجهات. فقد عكست كلٌ من أليس داغر ومي زيادة بالنسبة له ثنائية الجسد والروح، كما عبر في نص له بعنوان «حبّان»، معترفاً أنه أحب المرأتين معاً، فالأولى خُلقت «وثنية في ساحة الطبيعة»، واحتكمت لثقافة الفطرة، فيما اتسمت الثانية بالثقافة الواسعة والموهبة الأدبية العالية، وبدت رغم اختلاطها بغالبية كتاب عصرها «أقرب إلى راهبة الدير» منها إلى أي نموذج نسائي آخر. وإذ يؤكد أن علاقته العذرية بمي جعلتهما «أشبه بشجرتين منهما بإنسانين»، يعود ليوضح بأن الصدف السيئة وحدها هي التي شاءت لعلاقته بها أن تنتهي بشكل دراماتيكي. فزيادة التي لم تكن تشك بتعففه وإخلاصه لها، قررت بشكل حاسم قطع علاقتها به، بعدما اكتشفت إثر زيارتها المباغتة لمكتبه وجود غريمة لها، وهي لم تكن قد شفيت بعد من الطعنة المماثلة التي سددها لها جبران، حين امتنع عن الرد على رسائلها بعد وصول علاقتهما الأفلاطونية إلى طريق مسدود.

اندفع العقاد عام 1930 باتجاه التصعيد في مواقفه السياسية المناوئة للسلطة التي بلغت حد التعرض للملك فؤاد نفسه، متسببة في دخوله السجن لعدة أشهر، فقد رأى البعض في اندفاعته تلك نوعاً من التعويض الرمزي عن الخيبات العاطفية التي ثلمت قلبه في الصميم.

ومع ذلك فإن علاقات العقاد العاطفية لم تنحصر بسارة ومي المرأتين المسيحيتين المتحدرتين من أصل لبناني فحسب، بل ورد في غير مصدر أنه استرد لاحقاً رباطة جأشه ليشن على الحياة هجوماً آخر، وليدخل في علاقة عاطفية جديدة مع مديحة يسري، التي التقى بها في أربعينات القرن الفائت، وكانت في فترة صعودها المبكر إحدى أكثر الممثلات المصريات جمالاً وذكاءً وجاذبيةً. كما تروي الممثلة المصرية الشقراء هند رستم أنها وافقت بعد تمنع على إجراء حوار صحفي مع العقاد الذي أكد لها أن إصراره على لقائها يعود إلى الشبه الكبير بينها وبين حبيبته السابقة سارة. وتضيف رستم أنه أدخلها إلى غرفة نومه ليريها إطاراً يعلوه الذباب وفارغاً من أي صورة، ممثلاً ثأره الخاص من المرأة التي تسببت له بالكثير من المتاعب والعذابات. كما يروي الناقد الليبي سليمان كشلاف في مقالة له نشرت في «الآداب» اللبنانية عام 1989 أن فتاة اسمها بدرية انتحرت عمداً يوم وفاة العقاد في 13 مارس عام 1964 حزناً عليه، وأن امرأة ملفعة بالسواد اسمها فوزية ادعت أثناء تشييعه أنها كانت زوجته السريّة، وأن الفتاة التي أقدمت على الانتحار هي ابنتهما.

وإذا كان العقاد، أحجم طيلة حياته عن الزواج، لأنه رأى في تلك المؤسسة من القيود والتنازلات المؤلمة ما لا يستطيع احتماله ودفْع أثمانه الباهظة. فهو يعترف في حوار له مع ماهر الطناحي رئيس تحرير «الهلال» المصرية آنذاك، بأنه لا يخشى الموت بقدر ما يخشى فقدان القدرة على القراءة والكتابة، مضيفاً: «هذا الورق الذي لا ينتهي هو الذي يصرفني عن الزواج». إلا أن هذا الورق لم يصرف الكاتب الموسوعي يقيناً عن العشق، لأن الكتابة والحب يتغذيان من الشغف نفسه واللهب إياه.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.