في كتابه الصادر حديثاً «المسرح المصري القديم» (دار العين للنشر - القاهرة) يطرح الكاتب والباحث المصري دكتور عمر المعتز بالله رؤية تاريخية ونقدية لفن المسرح في مصر القديمة، مُستكشفاً ذلك النسق الذي تتضافر فيه العقيدة المصرية القديمة وما أنتجته من آداب وفنون، ومن بينها «فلسفة السينوغرافيا»، التي يُعرفها الكاتب بتقنية التصميم الفني للمساحات والفضاءات وتحويلها بيئة مسرحية ينتقل فيه الواقع الحياتي الطبيعي إلى حيّز خيالي درامي فيما يبدو «استعارة مرئية للنصوص الدرامية».
ويرى المعتز بالله أن «المصري القديم كان يعيش داخل صورة سينوغرافية طبيعية» أكملها الفنان آنذاك بتصميماته ليعطينا مشهداً مسرحياً مكتمل العناصر من تصميم للشخصيات بالأزياء والمكياج والإكسسوار، حتى إنه طوّع المصدر الأساسي للضوء وهو الشمس في إنارة مثل هذه الحياة على الشكل الذي صممه ليعيش لآلاف السنين، وبذلك يكون الفن المصري القديم قد شكّل سياقاً ونسقاً فلسفياً للتصميم السينوغرافي متخذاً الصورة كخطاب معماري تشكله البيئة الحرة والإيقاع، ليُكوّنا سرداً فنياً تتضافر فيه أنواع الاتصال اللغوي من حيث الموسيقى والإيقاع، مع مفردات وعناصر بصرية يحتل فيها الممثل المهمة في إيصال الرسالة المُوجهة للجمهور.
عروض تمثيلية
ويسعى الكتاب (259) صفحة لدحض انتساب نشأة فن المسرح في العالم القديم إلى بلاد الإغريق، مؤكداً بالشواهد التاريخية أن نشأته تعود لمصر القديمة، وأن الفن المصري هو ما مهّد له عند اليونانيين، عادّاً أن الادعاء بنسبته لبلاد الإغريق نابع من تحيّز معروف في نسب أغلب المنجزات الحضارية للغرب، أو لتأخر اكتشاف اللغة المصرية القديمة التي لم يتم فك شفرتها سوى بعد العثور على حجر رشيد، وبدأ منذ ذلك الوقت ينجلي الغموض عن الحضارة المصرية القديمة.
وينسب الكتاب لعالم المصريات الفرنسي إيتين دريتون تأكيده ظهور المسرح في مصر القديمة إلى عام 3200 قبل الميلاد، ويشاركه الرأي العالم الألماني كورت زيته، في حين رأى العالم الأثري روسن أن المسرح قد ظهر في مصر قرابة عام 3000 قبل الميلاد، يقول المؤلف: «أياً كان التاريخ الذين يتباحثون فيه وفي دقته فهو في كل الأحوال يشير إلى أن ميلاد المسرح في مصر حدث منذ قرابة خمسة آلاف عام تقريباً أو يزيد، أي أنه يعد الأقدم على مستوى العالم القديم إذا ما قورن بظهور المسارح العالمية الشرقية منها والغربية». ويُدلل بذلك على ما كتبه المؤرخ الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد عن المسرح المصري القديم، حيث أشار في كتاباته إلى قيام كهنة مصر القديمة بطقوس دينية فيما وصفه بـ«العروض التمثيلية» التي استمدوا فيها قصصهم من الأحداث الدرامية في الديانة المصرية القديمة؛ مما يُذكرنا بالمسرح الكنسي الذي يعيد تمثيل قصة حياة المسيح، واستمر من القرون الوسطى حتى يومنا هذا في شتى بقاع العالم.
قراءة في كتاب صدر حديثاً عن «المسرح المصري القديم» يبين كيف اكتشف المصريون القدماء فن «السنوغرافيا» واستخدموه في عروضهم التمثيلية، من خلال توظيف مساقط الضوء مع مفردات وعناصر بصرية لإيصال الرسالة الموجهة للجمهور.
الرامسيوم الدرامية
حسب الكتاب تم العثور على عدد من الأدلة الأثرية الدالة على أسبقية وجود المسرح في مصر وتمهيده للمسرح الإغريقي، مثل بعض النصوص الدرامية التي تم العثور عليها في بعض البرديات المكتشفة مثل بردية «الرامسيوم الدرامية» التي تعود لعصر الدولة الوسطى المحفوظة في المتحف البريطاني، وكذلك في بعض الموضوعات المُصوّرة على جدران المعابد من طقوس احتفالات الأعياد الدينية والزراعية والملكية، وأساطير مُصوّرة مثل أسطورة انتصار «حورس» على «ست» في معبد إدفو، التي ترجمها من الهيروغليفية إلى الإنجليزية عالِم المصريات الإنجليزي هربرت والتر فيرمان ثم ترجمها للعربية بعد ذلك عادل سلامة؛ وذلك في محاولة لإظهار عنصر الدراما في المسرح المصري القديم.
وتحتوي بردية الرامسيوم على نص درامي بالخط الهيروغليفي مُقسّم إلى مشاهد مرسومة توضح مشاهد تمثيلية للنص المصاحب، وقد عُثر عليها في صندوق أسفل معبد الرامسيوم في مدينة الأقصر بصعيد مصر، واحتوى هذا الصندوق إلى جانب الرامسيوم على برديات تُعد الآن من أهم الاكتشافات الأدبية والدرامية للمصري القديم في عصور الدولة الوسطى، مثل قصة «سنوحي» و«شكاوى الفلاح الفصيح».
ويطرح المؤلف تحليلاً مسرحياً لنصوص «بردية الرامسيوم» تشمل إرشادات الحركة والتمثيل وشكل الحوار ومضمونه، ويستنتج أننا أمام نموذج «يكاد يتطابق تكوينه العضوي للمشاهد المكتوبة والحوار المكتوب والرسوم التوضيحية المصاحبة لها وبين ما يُطلق عليه اليوم فن السينما الديكوباج»، وتعني تحويل النص الدرامي سيناريو إخراجياً تنفيذياً يحتوي على تقطيع للمشاهد وحركة الممثلين مع تصوّر مبدئي للمشهد المُراد إخراجه أمام الجمهور، وما يتخيله الكاتب أو المخرج ليتم نقله بشكل واضح لباقي فريق العمل؛ مما يعني ضرورة وجود فريق فني متكامل وراء العمل الدرامي مُكوّن من مؤلف ومخرج وممثلين، ومصممي ديكور، ومصممي ملابس «لقد امتلكت مصر القديمة هيكلاً رسمياً للفرقة المسرحية المتكاملة»، كما يقول الدكتور عمر المعتز بالله، لافتاً إلى أن الكهنة في مصر القديمة لم يكن دورهم يقتصر على الصلاة والمناسك الدينية، بل كانوا بمثابة خبراء فنيين ومديرين ثقافيين لهم دور كبير في تشكيل الوعي الثقافي المصري.
ويشير الكتاب إلى تجلي عنصر الصراع في المسرح المصري القديم، كعنصر أساسي ومحرك في الدراما، كما نرى في القصة الأشهر في الأدب المصري القديم وهي قصة مقتل «أوزوريس» على يد أخيه «ست»، ومن بعدها قصة صراع «حورس» ابن «أوزيريس» ووريثه الشرعي مع عمه «ست» على حكم مصر، حيث تبلورت واستمرت قيمة الصراع بين الخير والشر، والحياة والموت، والجبر والاختيار، والجريمة والعقاب كعنصرين أساسيين في ديمومة الحياة عند المصري القديم.
ويُفرد الكتاب تحليلاً فنياً لمسرحية «انتصار حورس» التي كانت تُعرض في معبد «إدفو» بشكل سنوي في أحد الأعياد المصرية القديمة التي عُرفت باسم «عيد النصر»، وكانت من التجمعات التي يستطيع فيها الإنسان العادي أن يظفر بتجربة الاقتراب من المعبد مُحاطاً برموز الأساطير الدينية في صورة بصرية سينوغرافية.

