تترك الكاتبة المصرية كاميليا حسين الباب موارباً لحكايات روايتها «استغماية» الصادرة أخيراً عن الدار المصرية اللبنانية، فالبطلة الصغيرة ظلت تلوم والدها على عدم سماحه لها بلعب الكرة خارج البيت كسائر أطفال الشارع، كانت أقصى أمنياتها أن تصحب كُرتها البرتقالية الجديدة خارج جدران البيت، وعندما سمح لها ضاعت الكُرة بسبب غريب راوغها واختفى بالكُرة، تعود لبيتها من دونها، يوبخها الأب، فتتعلم بطلة الرواية درساً مبكراً عن العُزلة والأمان الذي يؤطّر جدران البيت: «أركل الكرة إلى الجدار فترتد إليّ، مطمئنةً إلى الجدار الذي لن يأخذ الكرة ويتركني وحيدة».
تبدو البطلة عالقة بين بابين، فالرواية تُفتتح بباب بيت مهجور عششت العناكب أعلاه، وتنتهي بباب آخر يُصفع للخروج أو «الهروب»، وما بين البابين بطلة تتصارع مع ذاكرتها وحُفرها، وأبطال غائبين كانوا هنا يشاركونها الحكاية.
اختباء وترقب
توّظف الكاتبة لعبة «الاستغماية» أو «الغُميضة» بكل تفصيلاتها الشعبية من اختباء وترقب ومُطاردة، كلعبة سردية للولوج إلى عالم بطلتها، منذ كانت طفلة تدير وجهها إلى جدار وتبدأ في العدّ «عشرة... عشرين... تلاتين... خلاويص؟»، لكنها عندما تترك الجدار وتركض للبحث عمَّن اختبأ، تُدرك أنها لم تعد طفلة بعد، وأنها صارت امرأة تُكابد تعقيدات البنوة والأمومة، وتعثراتها الذهنية والمعنوية ككاتبة تواجه رعب الورقة البيضاء، ويصير التبادل بين تلك الأدوار رهناً لـ«مصفاة الذاكرة» التي تجعل البطلة تخلط بين مشاعرها كطفلة تفزع من اعتداء والدها بالضرب على أمها باختبائها تحت الفراش هرباً من تلك العاصفة، وبين انفجار زوجها في وجهها واختباء ابنتهما تحت المكتب هرباً مما يبدو أنها توابع للعاصفة ذاتها.
الزمان والمكان في الرواية مُفردات لعالم أوسع وهو العالم النفسي للبطلة، الذي تسكنه روائح الموت بتراوحاته وعاديته وحتى جرائمه، فالنباتات التي تتفنن في تعلّم رعايتها تموت دوماً في النهاية، وأمها سرقها مرض السرطان مُبكراً، وذلك الموت المُتعمَّد بإجهاضها طفلتها الثانية في أحشائها وهي في حجم ثمرة «البرقوق»، وصولاً للموت قتلاً الذي تظل جريمته مُغبّشة في الرواية، فهل قتلت والدها حقاً بأن زادت من جرعة المُسكنات في «الكانيولا» الطبية تحت ضغط تأوهاته الشديدة. هل كانت مُتعمدة أم أنها قتلته في خيالها؟
لم تمنح الكاتبة كاميليا حسين بطلة روايتها اسماً، وجعلت الرواية بالكامل تدور على لسانها بضمير المُتكلم، فالتعبير أحد مفاتيح البطلة «الوحيدة» التي تبحث عن وسائل لكسره منذ كانت ترسم الخربشات على جدران غرفتها وهي طفلة، حتى يقينها بأنها صاحبة تجربة كتابة، ترتب مكتبها كل صباح وتجلس بشرود أمام صفحة «الوورد»، هل كانت البطلة تُصارع من أجل التذكر أم النسيان؟ فهي تطارد أشباح طفولتها، ومعها أشباح الأمومة، والزوج الغائب، وأُصص النباتات الذابلة، ولكنها بفعل واعٍ تبحث لمكتبها عن مكان يواجه النور، فتجلس في مواجهة النافذة، وهنا تجد نفسها تُطل على نافذة بيت مقابل تسكن فيه طفلة وأمها، ثم يتطوّر معها الأمر من اختلاس النظر إلى البيت المقابل إلى تلصّص يومي، فتلتقط إشارات من الطفلة الجارة المقابلة تحفز خلايا الذاكرة لديها، فتستدعي بها لحظات هشّة من حياتها، ومع تقدم السرد يبدو كأن هذا التلصص ليس على عالم الآخر، بقدر ما هو تلصص على ذاتها الخرِبة، ويصير البيت المقابل مجرد مرآة لبيتها الذي لم تعد قادرة فيه على التعايش مع مشاعر فقد أمها، ولا العنف الجسدي الذي تعرضت له على يد والدها، ولا الزوج الذي كان يسد أذنيه بالسماعات ولم يعد بإمكانها التعرف عليه، ولا الابنة التي لم تكن قادرة على منحها أمومة مثالية، فهي تبحث عمّا هو أبعد من حشو معدتها بالطعام الصحي وعقلها بحروف الأبجدية والأرقام: «أبحث عن الحب الأمومي الغامر الذي قالوا إنه سينفجر في قلبي بمجرد رؤيتها».
أمومة مؤرقة
«سيقتلكِ الشعور بالذنب» تتذكر البطلة تهديد زوجها لها بهذه العبارة، هل هو ذنب مشاعرها تجاه الأمومة، أم تجاه البُنوة؟ فعلاقتها بالأب شديدة التعقيد، ففي ذاكرتها هو الأب الذي كان ينهال على أمها بحزام جلد يشبه «الثعبان»، وهو الأب نفسه الذي مارست تجاهه أقصى درجات «البِر» وهي تُمرّضه بعد اجتماع أمراض الشيخوخة الجسدية والذهنية عليه، وهو يئنّ من رعايتها له ويسألها: «انتي مين؟»، واعتادت البطلة الهروب من واقعها بأن «ترتق» حكاياتها بذاكرة مُتخيلة بديلة، كأن تتخيّل أن والدها كان يصطحب أمها في حُنوٍّ لتناول العشاء في مطعم كالذي ظهر في فيلم «آيس كريم في جليم»، ولعل تلك الحيلة المُبكرة هي ما نمّت لديها حاسة الحَكْي، وجذوة لا تهدأ بالانتماء للكتابة: «كنت أطعم جوع الحكايات الناقصة بخيال لا يهدأ. كنت خبيرة في ترميم الذكريات بالأسئلة، والحكايات بالرؤى، ما غاب عن عيني رمَّمَتْه أذني ورقَّعه خيالي، كنت أرمِّم الحكايات الناقصة منذ صغري، وأرتّب أحجيات الذاكرة، لكن بقيتْ حكاية واحدة بدأتْها أمي وغفوت في منتصفها، رحلت دون أن تُتمّها في الليلة التالية، وكل حكايات ما قبل النوم التي تلاها أبي على أذنيَّ لم تُفلح في سد فجوة الحكاية الناقصة».
يشار إلى أن رواية «استغماية» حازت جائزة ورشة «أصوات وخطوط» لرواية الجريمة الأدبية، التي نظَّمتها شركة «ستوريتل» للكتب الصوتية ومقرها السويد تحت إشراف الكاتبة والروائية المصرية منصورة عز الدين التي كتبت تصديراً في مطلع الرواية قاربت فيه بين ما وصفته بـ«التناص الماكر» للرواية مع مسرحية «بيت الدُّمية» لهنريك إبسن، حيث تخرج بطلة «استغماية» من البيت وتصفع الباب خلفها، تماماً كما فعلت بطلة إبسن، لكن المكر الفني يكمن كله في أوجه الاختلاف وليس أوجه التشابه بين البطلتين، كما تقول منصورة عز الدين.
تقول بطلة الرواية عن نفسها: «أنا أجيد الاختباء منذ صغري» ويبدو أن تلك الحيلة التي تصطحبها معها من فناء الطفولة صارت وسيلتها لفهم العالم وتعقيدات حياتها، لتُعيد الرواية بكل تكثيفها، وعبر (80) صفحة تطرح أسئلة متجذرة حول الوحدة والعنف المنزلي وأحلام النساء المُجهَضة وراء صور نمطية لأدوارهن في المجتمع.


