فريال «الدمشقية» وأمين نخلة: الاحتماء من الموت بالجسد الأصغر سناً

أغرم بها من النظرة الأولى وكان يكبرها بـ40 عاماً

أمين نخلة
أمين نخلة
TT

فريال «الدمشقية» وأمين نخلة: الاحتماء من الموت بالجسد الأصغر سناً

أمين نخلة
أمين نخلة

إذا كان للقارئ المتأمل أن يختزل الشاعر والأديب اللبناني أمين نخلة، في كلمات موجزة، فيمكن له أن يسميه ربيب الجمال وخدينة وأحد المنكبّين على صناعته. وإذا كان قد ظهر بين الدارسين من تحدث عن المدرسة اللبنانية في الأدب، وعنى بها لمسة اللبنانيين الخاصة وحساسيتهم المختلفة إزاء اللغة الأم، فإن نخلة المعروف بأناقته الأسلوبية وتطريزه الجمالي، يحتل من هذه المدرسة موقع القلب ويقف إلى جانب الكبار من رموزها، أمثال صلاح لبكي وسعيد عقل وفؤاد سليمان ويوسف غصوب وآخرين.

على أن أمين نخلة لم يكن ليتبوأ مكانته الخاصة في دنيا الأدب لو لم تتضافر موهبته الفطرية العالية، ونشأته في كنف القامة الباسقة لرشيد نخلة، مع الطبيعة الساحرة لبلدته مجدل المعوش المحاطة بالينابيع والمظللة بغصون أرز الباروك، والتي ألهمته كتابه النثري الفريد «المفكرة الريفية». فضلاً عن عدم ركونه إلى الموهبة المجردة، وانكبابه الدؤوب على توسيع دائرة ثقافته لتطول الأدب والفكر والفن، متعمقاً في قراءة التراث العربي، ومطلاً في الوقت ذاته على المشهد الثقافي المعاصر.

وفي حمى الصراع بين المدرستين الرومانسية والرمزية، انحاز نخلة للثانية معرّضاً بإلياس أبو شبكة الذي رد في مقدمة «أفاعي الفردوس» على مقولة بول فاليري حول اعتبار الإبداع نوعاً من الكدح الدؤوب والمهارة المكتسبة، ليعلي دور الإلهام والموهبة الفطرية في العملية الإبداعية. أما نخلة فيقول بنبرة ساخرة: «إنني أستميح العفو من هذا المسكين الذي كنت أول من لفت القراء إليه في مقالاتي المعروفة، وكأني ألقيت به في ساحة الإعدام، والذي أُلبس غير ثيابه وصُبغ وجهه بألوان من غير لونه، حتى أصبح فاليري في بيروت غيره في باريس».

والملاحظ في نثر نخلة وشعره اقترابهما من الأسلوب البرناسي الذي يحتفي بالشكل، ويعتمد اللغة المنمنمة ذات التوشية الجمالية الأبولونية. ولعل الدليل الأبلغ على إعلاء نخلة للأسلوب الحروفي هو ما أورده ميشال جحا في كتابه التوثيقي «أمين نخلة، مقالات له وعنه ومقابلات معه»، من أن الأخير أجّل إصدار ديوانه «دفتر الغزل» لسنتين اثنتين ليستبدل مفردة لم يكن مقتنعاً بها بمفردة أخرى.

أما افتتان الشاعر بالمرأة فقد بدا امتداداً رمزياً لشغفه بالطبيعة وسحرها الأخاذ، إلا أن هذا الافتتان كان يتم تصويبه على الأغلب خارج المنزل الزوجي، فهو لم يخص زوجته إيفون طرزي بأي قصيدة، ولم يكن يصطحبها إلى احتفال، بل إنه مقتدياً بأبيه ألزمها بارتداء الحجاب، بعد أن خيّرها بينه وبين الطلاق. والأدل على افتتانه بالجمال غير المتاح، هو قصة الحب الدراماتيكية التي عاشها في دمشق مع الفتاة العشرينية فريال، التي رواها ياسين رفاعية في كتابه «رفاق رحلوا»، ولم يرغب في ذكر عائلتها لأسباب اجتماعية معروفة، خصوصاً وأنها تزوجت لاحقاً من رجل لبناني. فقد اعتاد الشاعر أن يزور القصر الجمهوري زمن الوحدة المصرية السورية، حيث كان رفاعية يعمل هناك إلى جانب نشأت التغلبي واسكندر لوقا وغادة السمان. ولم ينتبه العاملون في المكتب الصحافي إلى أن الشاعر الضيف الذي دأب على زيارتهم بشكل يومي لمدة شهرين كاملين، لم يكن يفعل ذلك شوقاً إليهم، بل لأنه وقع منذ اللحظة الأولى تحت سطوة الجمال الآسر لفريال، فتاة الآلة الكاتبة التي لم يكن عمرها آنذاك ليتجاوز العشرين.

ويروي رفاعية أن نخلة كان يرتعش ويتعرق، كلما صافح الفتاة ذات الشعر الأسود والعينين الواسعتين. وإذ جلس الجميع في إحدى الأماسي إلى طاولة العشاء، لاحظ الشاعر غياب فتاته الملهمة، فهمس في أذن رفاعية وقد طفرت دمعتان من عينيه «أيها الحبيب، أين هي فريال الآن؟». حتى إذا أجابه رفاعية: «لعلها تكون نائمة في منزلها في هذا الوقت»، قال بنبرة رجاء مؤثرة: «أريد أن أراها، أريد أن أراها». وإذ بدا للجميع أن عليهم إعطاء إجازة طويلة لفريال حفاظاً على كرامة الأمين، كانت تظهر على الشاعر أمارات الأسى، كلما زار مكان عملها ولم يجدها.

على أن الحظ ما لبث أن منح الشاعر فرصة نادرة للفرح حين أقيمت في جامعة دمشق أمسية قصصية كان نخلة ضيف الشرف فيها. ومع أن اسمه لم يكن مدرجاً في قائمة المتحدثين، فإنه وقد لمح فريالاً وهي تجلس بكامل سحرها بين الحضور، لم يتردد في طلب الكلام من عريف الاحتفال، ثم بدأ ينشد:

أنا لا أصدّقُ أن هذا الأحمر المشقوقَ فمْ

بل وردةٌ مبتلةٌ حمراءُ من لحمٍ ودمْ

وإذ التهبت القاعة بالتصفيق، وفريال تقود واقفة أوركسترا الحضور، شرع نخلة في قراءة «القصيدة السوداء» التي سبق أن نظمها في حسناء سودانية أعجب بها، وفيها يقول:

لا تُعجّلْ فالليل أندى وأبردْ

يا بياض الصباح، والحسْنُ أسودْ

ليلتي ليلتان في الحلَك الرطْب

فجنحٌ مضى، وجنْحٌ كأنْ قدْ

ستِّ: نحن العبيدُ في مجدكِ الأسودِ

أهل البياض نشقى ونسعدْ

كان أوْلى لو كنتُ آخذ بالخصر

ولكنْ يكاد بالكفّ يعقدْ

ثم تابع الأمين وقد أخذته النشوة قصيدة «الكحل»، ذات القافية الطائية الصعبة التي تُظهر اهتمامه البالغ بالترصيع والهندسة اللفظيين، والتي صرح فيما بعد أنه كتبها لفريال قبل أن يراها، ومن أبياتها:

كحلُكِ هذا أم سواد الدجى

تحت التماع الغيث والنّقْطِ

لما سألنا الكحل هل تبتغي

منصرَفاً ؟ قال لنا قَطّ

يا كحلُ غلغلْ في الموشّى وفي

منمنمٍ من أحرف القبْطِ

إياكَ في الغمز وفي خطْفهِ

ورِفّهِ، إياكَ أن تُبطي

وفي حفل العشاء الذي أقيم لاحقاً على شرف الكتاب المشاركين، لم يشأ نخلة أن يفوت الفرصة الثمينة، فرتب الأمور بحيث تجلس فريال على المقعد المجاور لمقعده. وحيث تم له ذلك شعر ليلتذاك أن فرحه بإمارة الشعر، التي كان شوقي وفق روايته قد أسندها إليه من بعده، لا يقاس على الإطلاق بفرحه الغامر وهو يجلس مزهواً إلى جانب فتاة الياسمين الدمشقي.

لم يقدّر لأمين نخلة فيما بعد أن يقابل حبيبته الأثيرة، إلا أن أطيافها الوردية المشوبة بالحسرات كانت ترافقه أينما ذهب. ولم يخفف عنه أن يكون مكرماً في غير بلاط ملكي وأميري أو منصة رسمية، فكتب إلى رفاعية متحدثاً عن فريال بصيغة المذكر، على عادة العشاق العرب، ليتابع قائلاً: «من تراه يعاتب هذا الفاعل التارك؟ من ذا الذي يكلفه الولوع بالشَّعر الأبيض، ويسأله الجمع بين الروض والهشيم؟ أنا نفسي أسأله أن لا يلتفت إلى حب لا غاية له. فليكتب الله له السعادة برفيق عمر يكون خير رفيق، أما أنا فإنني أحمل وحدي هذا الحب وأقاسي عذه اللوعة. لكأن الحب ربيع وإن جاء في أعقاب الشتاء، أو كأن الصبا يُعدي، ويغدو المحب مرآة الحبيب». ومع أن الشاعر طلب من صديقه تمزيق الرسالة بعد الاطلاع عليها، خشية وقوعها في قبضة زوجته، إلا أن الأخير لم ينفذ الوصية، ليتيح لنا الوقوف على الجانب التراجيدي من ولع الشاعر بالحياة، حيث الروح ثابتة على العشرين، فيما الجسد يركض مسرعاً نحو سبعينه، وفق تعبير أحمد الصافي النجفي. ولعل قصة نخلة وفريال تذكّرنا برائعة نابوكوف الروائية «لوليتا»، التي ما تلبث بطلتها المراهقة أن تترك زوج أمها الكهل إلى عزلته البائسة بعد أن استسلمت لإغوائه أول الأمر. كما تذكّرنا برائعة ياسوناري كاواباتا «الجميلات النائمات»، حيث النزل الذي يستقبل العجائز السبعينيين، لا يعطيهم الحق في لمس أجساد الفتيات المدفوعات إلى نوم عميق، بل يتيح لهم عبر تأمل الجمال المستلقي قبالتهم بكامل عريه، الدخول في حالة من النوستالجيا الصرف لاستعادة أزمنة الصبا المترعة بالرغبات التي ذهبت إلى غير رجعة.

ومع أن الأقدار لم تهيئ لأمين نخلة لقاءً آخر بفريال، التي تزوجت لاحقاً من رجل لبناني، إلا أنها ظلت ماثلة في قلبه وعقله حتى لحظات حياته الأخيرة. فحين أصيب بنزيف حاد في الدماغ وفقد الجزء الأكبر من ذاكرته، ولم يعد يؤثر اللقاء بأحد ممن عرفهم كي لا تصاب كبرياؤه في صميمها، هلل رغم ذلك لقدوم رفاعية حين زاره في منزله البيروتي، ليس فقط لمنزلة ياسين الخاصة في نفسه، بل لأنه ذكّره بحبه العصي على النسيان. ولم يكد صاحب «العصافير» يستقر في جلسته، حتى سأله نخلة بصوت راعش «كيف حال فريال؟». وإذ أبلغه الأخير أنها بخير، محاذراً أن يصدمه بالقول إنها اختفت في زحام الحياة، لمعت صورتها الساحرة في رأس الشاعر المحتضر، فتذكّر أبياتاً له كانت تحبها وتحفظها عن ظهر قلب، وبدأ يردد متمتماً:

أحمامةٌ تبكي على الصيف المودّع، لا علينا

إبكي علينا يا حمامةُ واحملي دمعاً إلينا

نحن الذين خوى بهم فلكٌ وأُسقطَ في يدينا

إنا بَنيْنا للشبابِ ولم يدم ما قد بَنَيْنا



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».