اقتباس الروايات ينتعش بفضل منصات البثّ

الظاهرة في تطور مستمر ضمن علاقات أكثر تأطيراً بين قطاعَي النشر والسينما

ستيفن كينغ
ستيفن كينغ
TT

اقتباس الروايات ينتعش بفضل منصات البثّ

ستيفن كينغ
ستيفن كينغ

أجاثا كريستي

يعتبر البعض اقتباس الروايات خيانة، فمن المستحيل الحفاظ على بنية الرواية حين ننقل الفكرة من المكتوب إلى الصورة. والبعض يراه حياة ثانية للنّص الأدبي، وإبداعاً من نوع مختلف. ومهما اختلفت الآراء فإن التوجه السائد اليوم يشير إلى ارتفاع في نسبة الأعمال الأدبية المقتبسة للسينما والتلفزيون، ضمن علاقات شراكة متجدّدة ومثمرة بين الناشرين والمنتجين.

الظاهرة وإن كانت قد عرفت بداياتها منذ السنوات الأولى للسينما مع نجاحات أسطورية لرواية «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشال عام 1939، مثلاً، فإن الوتيرة بدأت بالتسارع منذ نحو عقدين، بعد الشعبية الواسعة التي لقيتها رواية دان براون «شفرة دافنشي»، إلى أن وصلت إلى أرقام قياسية، حسب آخر التقارير.

هذا على الأقل ما أكدته دراسة جديدة للمركز الوطني للكتاب (سي إن إل)، عدّها المراقبون مهمة؛ لأنها شملت أوروبا والولايات المتحدة، وخلُصت إلى أن اقتباس الأعمال الأدبية إلى السينما والتلفزيون يشهد انتعاشاً غير مسبوق.

تشير هذه الدراسة بالأرقام إلى أن فرنسا هي البلد الرائد في سوق الاقتباس على المستوى الأوروبي، بأكثر من 162 عملاً مقتبساً مقابل 78 في 2015 متبوعة ببريطانيا وألمانيا، وهو ما يعني أن فيلماً من بين 5 في فرنسا منقول عن رواية أدبية، بزيادة 28 في المائة مقارنة بالأعوام السابقة. الدراسة التي شملت الإنتاج السينمائي الذي قُدم ما بين 2015 و2021، أكدت المعلومة التي يعرفها الكل، وهي أن أكثر الأعمال اقتباساً على المستوى العالمي هي أميركية المصدر، وهي بالأخص القصص المصوّرة وروايات علم الخيال والفانتازيا، كقصص أبطال «المرفل»؛ حيث تّم اقتباس نحو 27 رواية مصوّرة ما بين 2015 و2021 لستان لي، وستيف ديكتو، وجاك كيربي. كما نجد على رأس قائمة الكُتاب الأكثر اقتباساً مؤلف الرعب الأميركي ستيفن كينغ؛ حيث تم نقل نحو 17 من أعماله إلى السينما والتلفزيون ما بين 2015 و2021، ما يجعله الكاتب الأكثر اقتباساً في العالم، بما لا يقل عن 80 عملاً منذ بداية مشواره الأدبي، يليه هارلان كوبن، وأغاثا كريستي، بسبعة أعمال مقتبسة في هذه الفترة.

في فرنسا، تشير الدراسة إلى أن الجنس الأدبي الأكثر اقتباساً يبقى القصص المُصورة وأدب الناشئة، أما الأقلام التي استفادت من هذا الانتعاش في هذه الفترة فهم ميشال بوسي، وبيار لوماتر، وجورج سيموؤون. وبصفة عامة يبقى الروائي وكاتب المسرح ألكسندر دوما، لا سيما رائعته «دو مونتي كريستو»، أكثر من نقلت أعماله إلى السينما (120 عملاً سينمائياً)، مسبوقاً بعملاق الأدب الإنجليزي ويليام شكسبير الذي نقلت أعماله إلى السينما في أكثر من 300 إنتاج سمعي بصري.

غلاف رواية « ماذا لو كانت واقعية» لمارك ليفي

الدراسة سلّطت الضوء على الإقبال الشديد لمنصات البّث، أمثال «نتفليكس»، و«أمازون برايم»، أو «إتش بي أو»، وعلى النصوص الأدبية التي أصبحت تشكل 32 في المائة من مجمل إنتاجاتها. الصحيفة الفرنسية «لي زيكو» أوضحت في مقال بعنوان: «نتفليكس وأخواتها يقلبن قواعد سوق النشر»، ما يلي: «منصّات البثّ التدفّقي -وعلى رأسها (نتفليكس)- تهتم كثيراً بعمل الكُتاب الأوروبيين؛ لأنها تبحث عن مضامين أقل نمطية مما يعرض في الولايات المتحدة؛ حيث توجد كثرة من الكتاب الذين تلقوا تكوينهم في (مدارس للكتابة) أو (رايتينغ سكولز) وهم يعتمدون في قصصهم على الوصفات نفسها: التحولات في المواقف، والإيقاعات السريعة، وحتمية النهاية السعيدة».

لماذا يلجأ صناع السينما والتلفزيون إلى استغلال الروايات والأعمال الأدبية؟ الإجابة بسيطة -حسب ماريان بايو من مجلة «لكسبرس»- التي كتبت في مقال بعنوان: «حين تستحوذ السينما والتلفزيون ومنصّات البثّ على الأدب» ما يلي: «يشكل الأدب بالنسبة للمخرجين والمنتجين خزينة من النصوص المُنقحة والجاهزة للاستغلال، بما أنه سبق العمل عليها. لا ننسى أن النجاح التجاري وشهرة أي عمل روائي قد يكون لهما أثر كبير على اختيار صناع السينما والتلفزيون». وتوضح أنه بين سنة 2001 و2020 تم اقتباس 6 روايات حائزة على جائزة «الغونكور»، و5 فائزة بـ«غونكور» الثانويات، و7 بجائزة «رونودو»، واثنين بجائزة «فيمينا». بينما تُذكرنا شارلوت بيدلوفسكي من موقع «سلات» الإخباري، بأن «السعفة الذهبية» لأحسن إنتاج سينماتوغرافي في مهرجان كان الدولي، مُنحت أكثر من 30 مرة لعمل اقتُبس من الأدب الروائي.

وفيما يتعلق بالأسباب الأخرى التي قد تُفسر صعود هذه الظاهرة، فهي تعود -حسب المنتج الفرنسي في قناة «فرنس 2» تيري سوريلن- إلى ما يسميه بـ«أزمة السيناريو». فالأدب يسمح بإبداع أكبر؛ لأن قطاع النشر يستطيع المخاطرة أكثر، بينما الوضعية مختلفة تماماً مع السينما؛ لأن الميزانيات ليست هي نفسها عند الاثنين.

«لمعان» لستيفن كينغ

أما بالنسبة لنتالي بياسوفسكي، المديرة العامة لمؤسسة الناشرين الفرنسيين (سالف) فيعود الفضل في انتعاش سوق الاقتباس لمنصّات البث التدفّقي، كـ«نتفليكس» و«أمازون برايم» اللتين أظهرتا اهتماماً كبيراً بالمضامين القابلة للاقتباس، وبالأخّص تلك التي أثبتت نجاحها التجاري في المكتبات. مثل هذه المعطيات رسمت ملامح علاقة جديدة تشبه زواج المنفعة الناجح: فمن جهة السينما التي تعتمد على شعبية العمل الأدبي وشغف القرّاء لضمان النجاح، ومن جهة أخرى قطاع النشر الذي يعمل على نجاح النسخة المقتبسة لاجتذاب قراء جدد، ورفع نسبة المبيعات التي قد تصل إلى الضعف، وأحياناً إلى 10 أضعاف.

وبينما كان الاقتباس في الماضي يتم بفضل قرار شخص، كالمخرج أو المنتج الذي يعجب بالرواية فيقرر نقلها للشاشة، تصبح العلاقة بين القطاعين اليوم أكثر تأطيراً ومهنية من ذي قبل. في فرنسا مثلاً، التعاون بين السينما والأدب يتم عبر مؤسسة الناشرين الناطقين باللغة الفرنسية (سالف) التي تنظم لقاءات تجمع مسؤولين من قطاع النشر بنظرائهم من الحقل السمعي البصري، خلال تظاهرات تدعى «شوت ذي بوك»، الغرض منها تقديم الأعمال الأدبية الجديدة التي قد تثير اهتمامهم، بغرض اقتباسها للسينما أو التلفزيون أو المسرح. التظاهرة الأخيرة التي نُظمت على هامش معرض الكتاب، ضمت أكثر من 380 مشاركاً، أما آخر لقاء نُظم بإشراف مؤسسة الناشرين الفرنسيين في الخامس من يونيو (حزيران) الماضي، فقد جمع -حسب صحيفة «لكسبرس» أكثر من 200 منتج وناشر، ليقتبسوا 350 عملاً روائياً، بعضها صدر والبعض الآخر في طريقه للصدور.

كما احتفل مهرجان كان السينمائي في طبعته الأخيرة بالذكرى العاشرة لتنظيم مثل هذه اللقاءات التي أسفرت عن إمضاء عقود اقتباس لـ12 رواية، منها «الرضا» للجزائرية نينا بوراوي، و«كم هو جميل البحر» للتركي يغيت كرهمات.

مثل هذه اللقاءات مهمة جداً لدور النشر، فإضافة إلى أنها تُسلط الضوء على الأعمال الأدبية، وتبعث فيها الحياة من جديد، فهي تُشكل مصدر ربح لا يستهان به، بما أنها تستفيد بنسب من حقوق الاقتباس.

قدرت فلور بودمان، الصحافية في مجلة «تيلي أوبس» قيمة هذه الحقوق بما بين 20 ألف يورو و300 ألف يورو، حسب شهرة الكاتب وشعبية الرواية، على أن بعضها قد يفوق هذه المبالغ بكثير. تقارير صحافية نقلت أن ستيفن كينغ عرض على الكاتب الفرنسي مارك ليفي، مليوني يورو، للحصول على حقوق اقتباس روايته «ماذا لو كانت واقعية».

ويضيف الباحث فريديك مرسيي في كتابه «كُتّاب الفن السابع» مكسباً معنوياً آخر، يتمثل في الإحساس بالفخر والاعتزاز؛ لأن أعمال الكاتب أصبحت واسعة الانتشار بفضل السينما والتلفزيون.

بعض الكُتاب -خصوصاً في الماضي- شارك في كل مراحل الاقتباس، مثل الفرنسيين: جان جيونو، وفرنسواز ساغان، ودانيال بوناك، وجاك بريفير. كلهم كانوا يحضرون جلسات التصوير ويساهمون في كتابة السيناريو، وكذلك فعل الأميركيون: آرثر ميلر، وروالد داهل، وآخرون، على أن كثيراً منهم أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد اقتباس أعمالهم إلى السينما والتلفزيون، منهم ستيفن كينغ الذي عبّر في عدة مناسبات عن استيائه من فيلم المخرج ستانلي كوبريك «لمعان» أو «شاينينغ» المنقول عن روايته، واعتبره بمثابة «سيارة واسعة وجميلة، ولكنها من دون محرك»، وكذلك ونستون غروم الذي لم يكن راضياً عن الرؤية السينمائية لروايته في فيلم «فورست غامب» لدرجة أنه كتب في مقدمة الجزء الثاني للرواية: «لا تدع أحداً يقتبس رواية حول قصّة حياتك». ستيفن كينغ هو الكاتب الأكثر اقتباساً في العالم؛ حيث تم اقتباس ما لا يقل عن 80 عملاً له، يليه هارلان كوبن وأغاثا كريستي


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.