* يبدأ الجزء الثاني من حيث انتهى الأول لكنه يختلف عنه بعض الشيء، فسنوات الإعداد والتكوين انتهت وبرز الهم الاجتماعي ونثريات الحياة اليومية
يكتسب الجزء الثاني من مذكرات الأخوين حسين أمين (1932- 2014) وجلال أمين (1935- 2018) أهمية خاصة، حيث يتعرض لمتاعب الحياة اليومية والعوائق المالية والاجتماعية التي واجهتهما. كان الجزء الأول صدر عن دار «الكرمة» بالقاهرة بعنوان «أخي العزيز»، ويضم مراسلاتهما في الفترة من 1950 حتى 1960 وهي تتجاوز الشأن الخاص العابر وتعكس أبرز القضايا التي شغلت المثقف العربي في تلك الفترة. وعن الدار نفسها صدر مؤخراً الجزء الثاني من المراسلات بالعنوان نفسه، حيث تغطي الخطابات المتبادلة بينهما الفترة من 1961 حتى 1989.
قام بجمع الرسائل وتحريرها كمال صلاح الدين، حفيد حسين أمين، الذي يقول إن مضمون الخطابات بين الشقيقين يلقي ضوءاً على حياتهما ومراحل تطورهما الفكري والثقافي من زوايا مختلفة، كما أن موضوعاتها الثقافية والفلسفية والدينية تجعلها مفيدة للقارئ العام.
يبدأ الجزء الثاني من حيث انتهى الأول لكنه يختلف عنه بعض الشيء، فسنوات الإعداد والتكوين انتهت بما حملته من نقاش وتأمل في الموضوعات الفلسفية المجردة والجدل الآيدلوجي والشغف بالموسيقى والطبيعة، وفي المقابل برز الهم الاجتماعي ونثريات الحياة اليومية والسؤال عن صحة الأهل والأصدقاء.
بعد عودته من بون ضمن عمله الدبلوماسي، قضى حسين حوالي عامين ونصف العام في القاهرة مع جلال إلى أن افترقا مجدداً في صيف 1985، حيث عين حسين قنصلاً عاماً في ريو دي جانيرو بالبرازيل، ودُعي جلال لقضاء سنة أخرى في مركز «دراسات الشرق الأدنى» بجامعة كاليفورنيا، واستمر تراسلهما كالعادة عن طريق الخطابات وإن ارتفع أيضاً معدل تواصلهما الهاتفي رغم تكلفته الباهظة. فعلى سبيل المثال كلفت إحدى المكالمات من ريو إلى لوس أنجليس حسين 50 دولاراً، كما ذكر في أحد خطاباته.
في البرازيل شعر حسين بابتعاده عن الحياة الثقافية في مصر في مرحلة مهمة من تبلور مكانته الأدبية، وشعر بضياع فرص إلقاء المحاضرات والاشتراك في ندوات وافتقاده صحبة المثقفين وتبادل الرأي، وكأنه أصبح مفقوداً لدى الدوائر الأدبية والصحفية. وذكر أن شعوره في البرازيل يماثل شعور الزعيم الوطني المصري سعد زغلول حين تم نفيه إلى جزيرة سيشيل، أو الزعيم أحمد عرابي في سرنديب، أو الشاعر أحمد شوقي في الأندلس، أما الجانب الإيجابي من وجهة نظره فكان فرصته في الكتابة والقراءة النهمة ومقاومة الشهوة غير الحميدة لأن يكون دائماً في الصورة.
أما جلال، سواء أكان موجوداً في لوس أنجليس أم القاهرة، فكان يبعث لحسين بصدى مقالاته وحديث المثقفين والأدباء عنه، أو شعور إخوته بالفخر عندما يستوقفهم أحد للإشادة بكتاباته وينقل لهم عتاب الأمير طلال بن عبد العزيز لوزير الخارجية المصري لأنه أبعد حسين عن الحياة الثقافية، أو حديثه الضاحك مع بطرس غالي وتبرير الأخير لنقل حسين إلى البرازيل بأنه كان حماية له من بعض المتطرفين الذين أغضبتهم بعض كتاباته.
بعد عامين في البرازيل أسفرت محاولات حسين واتصالاته في الخارجية عن تعيينه سفيراً لدى الجزائر، فاقترب بذلك من الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي، وأصبح ينشر مقالاته في الصحف الجزائرية إلى جانب الصحف والمجلات المصرية والخليجية.
في هذه الأثناء كانت الجماعات المتطرفة توسعت في أنشطتها ووجودها في الجامعات والحياة العامة المصرية، وتواترت الأنباء بشأن أحدث طائفية في الصعيد وأصبح موضوع «الفتنة الطائفية»، كما يذكر جلال في أحد خطاباته لحسين، هو الشاغل الأعظم لوسائل الإعلام في مصر، وبدا أن هناك حملة فكرية مضادة يقودها إلى جانب حسين كتاب علمانيون مثل فرج فودة ولويس عوض وأحمد بهاء الدين وميلاد حنا.
ومن أمثلة تلك الرسائل نقرأ ما كتبه جلال بتاريخ 27 يوليو (تموز) 1985:
«أخي العزيز حسين
أمر بحالة نفسية منذ حوالي شهرين أو شهر ونصف، وكل يوم آمل أن تنتهي فلا تنتهي ولم أخبر بها حتى زوجتي جان، لأني لا أريد إزعاجها. إنها ليست بالضبط اكتئاباً ولكنها أقرب إلى التشاؤم المفرط مع شدة رهيبة في الحساسية لأي خبر خاصة إذا كان محزناً ولو كان جزءاً من فيلم في التلفزيون مع تعلق شديد بالماضي والصبا والطفولة وإحساس قوي جداً بأن أجمل الأيام والأشياء قد انقضت بلا عودة. هناك أيضاً خوف مفرط جداً على الأولاد وعلى جان مع التفكير المستمر في مستقبلهم، يقترن هذا كله ويا للغرابة بإحساس مستمر بأن أهم الأشياء هي الحاجات الأساسية أو حتى الحيوانية مع ميل في غاية الغرابة إلى أن أرى في كل شخص أمامي، سواء في الشارع أو القطار أو الجامعة، حيواناً متنكراً، أو بالأحرى أن أرى الصفات الجسدية متجسمة ومكبرة، كما تظهر في رسوم الكاريكاتير، حيث تظهر الأنف الكبيرة بحجم بقية الوجه والوجه دميمًا غاية في البشاعة. إني لم أمر بمثل هذه الحالة قط من قبل، هل هو تعب شديد في الأعصاب؟ غريب أن تطرأ عليّ هذه المشاعر في وقت كان من المفروض فيه أن أكون غاية في الحماس لبدء سنة جديدة في أمريكا، إني بالفعل متطلع بشدة إلى السفر والتغيير، فقد يكون الخروج مما أنا فيه متوقفاً على هذا التغيير.
في نفس الوقت أصابتني لا مبالاة غريبة بالجرائد والمجلات والأخبار السياسية واحتقار شديد للكتب التي لا تتميز بالابتكار الحقيقي، وإنما تكرر كلام الآخرين والميل إلى اعتبار الجزء الأكبر من الكتب من هذا النوع لا يستحق الاحتفاظ به، ومن ثم اعترتني راحة حقيقية بوضع كتبي في صناديق لا أرى ما فيها وهو ما كان يجب عمله بسبب السفر».
ومن ريو دو جانيرو، يكتب حسين أمين بتاريخ 9 أغسطس 1985:
«أخي العزيز جلال
بعد إجازة حقيقية ممتعة في كمبردج، وصلنا إلى ريو يوم 4 يوليو فأما المسكن فمنزل ضخم أبيض من ثلاثة طوابق وحديقة واسعة جميلة. تشغل الطابق الأول مكاتب القنصلية وفي الثاني غرفة مكتبي فاخرة الأثاث وصالون ملحق بها، ثم ردهة كبيرة بها بيانو عتيق. وأما المدينة ذاتها فجميلة للغاية والمناظر الطبيعية فيها من نوع لم أره من قبل، غير أن الأهم من جمال الطبيعة طيبة البرازيليين وحسن عشرتهم وهدوءهم وإقبالهم على مساعدة الغير دون انتظار مقابل وحبهم للحياة والمرح. ما يفسد الأمر هو كثرة الجرائم واضطراب أحوال الأمن في المدن بسبب الفقر، فرجال الشرطة قليلون ويقال إنهم مرتشون غير أكفاء والبطالة تبلغ نسبتها 10 %، ومن المناظر المؤلمة كثرة عدد المتشردين ممن يفترشون الأرصفة والحدائق ليل نهار. وقد أثر عدد السرقات المسلحة والاعتداءات على المارة وراكبي السيارات في السياحة إلى هذه البلاد الجميلة. وقد قرأت في الصحف أنه في بعض المناطق الريفية في الشمال
يستأجر الناس القتلة المحترفين لقتل أعدائهم مقابل ثلاثين دولاراً فحسب. على أي الأحوال فإننا لا نخرج عادة إلا بمبلغ بسيط لا يتجاوز احتياجاتنا».
والمعروف أن الأخوين أثريا المكتبة العربية بعدد من المؤلفات القيمة في الفكر والاجتماع والاقتصاد، منها «دليل المسلم الحزين» و«الحروب الصليبية» و«المائة الأعظم في تاريخ الإسلام» لحسين أمين، و«ماذا حدث للمصريين - تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945 إلى 1995» و«عصر الجماهير الغفيرة» و«عصر التشهير بالعرب والمسلمين» لجلال أمين.

