رينيه ماريا ريلكه (1875 - 1926) هو واحد من أشهر شعراء ألمانيا في العصر الحديث، شاعر ألمانيا الأشهر في العصر الحديث. ومن أشهر أعماله الشعرية «مرثيات دوينو»، أما أشهر أعماله النثرية فهي «رسائل إلى شاعر شاب».
من هنا تأتي أهمية صدور طبعة جديدة من هذا الكتاب عن دار «الكرمة» بالقاهرة بترجمة عن الألمانية لصلاح هلال، التي تتضمن نصائحه إلى ضابط شاب يهوى الشعر ويعشق الأدب وله محاولاته الشعرية الأولى. وعلى مدى عقود طويلة، تحولت النصائح - التي امتدت لتشمل الحزن والحب والوحدة - إلى مصدر إلهام لأجيال متعاقبة في مختلف الثقافات.
وحول قرار الإبداع والاستمرار فيه من عدمه، وهو القرار الذي يشغل دائماً كل من أدركته «حرفة الأدب» يخاطب «ريلكه» الشاعر الشاب قائلاً: «ليس بوسع أحد أن ينصحك ويساعدك، لا أحد، لا توجد إلا وسيلة واحدة، عليك بسبر أغوار ذاتك والبحث في السبب الذي يدفعك إلى الكتابة، انظر إذا كانت جذوره متوغلة في أعمق مكان في قلبك، واسأل نفسك إذا كانت الكتابة بالنسبة إليك دونها الموت؟ والأهم، اسأل نفسك في أكثر ساعات الليل سكونا: هل علي أن أكتب؟ نقّب في نفسك عن إجابة عميقة، وإذا كان الرد بالإيجاب، إذا كان ردك على هذا السؤال الجاد هو قولك بقوة وببساطة: علي أن أكتب فعليك أن تبني حياتك تبعاً لتلك الضرورة، يجب أن تصبح حياتك حتى لحظاتها التي لا تكترث لها تماماً تعبيراً عن هذه الضرورة الملحة وشاهداً عليها. عندها اقترب من الطبيعة ثم حاول كما الإنسان الأول أن تعبر عما ترى وتعايش وتحب وتفقد. لا تكتب قصائد حب تجنب في البداية تلك الأشكال المعهودة والمعتادة إنها الأصعب لأن المرء يحتاج إلى طاقة كبيرة وناضجة كي يكتب شيئاً خاصاً في مجال وصلتنا فيه كميات من الكتابات الجيدة والباهرة أحياناً. انجُ بنفسك من معالجة المواضيع العمومية إلى تلك التي تتيحها لك حياتك اليومية، صف أحزانك وأمانيك والأفكار التي تعترضك وإيمانك بأي جمال ما. صف ذلك كله بصدق حميم وهادئ ومتواضع واستخدم لتعبر عن نفسك الأشياء الموجودة في محيطك والصور التي تظهر في أحلامك والأشياء التي تحتفظ بها ذاكرتك».
أما عن الحب، فكتب الشاعر إلى الشاب قائلاً: «من الجيد أن نحب، لأن الحب صعب والحب من إنسان لآخر ربما يكون أصعب الأشياء، لذلك لا يستطيع الشباب المبتدئون في كل شيء أن يحبوا لأنهم لم يعطوا لأنفسهم الفرصة كي يتعلموا كيف يفعلون ذلك. يجب أن يتعلموا الحب بكل كيانهم، بكل قوة مجتمعة حول قلبهم الوحيد الحزين النابض. والحب، خصوصاً في بداياته، لا يعني الذوبان والتخلي والاتحاد مع الآخر، إذن ماذا سيكون اتحاد ما هو غامض وغير مكتمل ولم يزل غير منتظم؟».
وينظر «ريلكه» إلى الأحزان باعتبارها طاقة إيجابية، مشيراً إلى أنها تكون خطرة وسيئة حين يتحملها المرء بين الناس كي يتناساها مثل الأمراض التي يتم علاجها بسطحية وحمق ثم تعود مجدداً وتستفحل بصورة أسوأ بعد استراحة قصيرة ثم تتجمع في الداخل وتصبح حياة لم نعشها، حياة مهينة وضائعة يمكن أن يموت المرء بسببها. أما لو كان بإمكاننا أن ننظر أبعد مما يصل إليه شعورنا بالمرارة والأسف والحسرة وأبعد من الأعمال السابقة لأسلافنا، عندها فقط ربما نستطيع تحمل أحزاننا بثقة أكبر مما نتحمل به مواطن سعادتنا لأنها تكون تلك اللحظات التي يظهر فيها شيء جديد بداخلنا، شيء غير معروف تصمت معه مشاعرنا في حرج خجول.
ويخلص ريلكه في حديثه عن الوحدة، لافتاً إلى أنه بالنسبة إلى من يصبح وحيداً فإن كل المسافات والأحجام تنطلق من تلك التغيرات فجأة كما هي حال الرجل فوق قمة الجبل وتنشأ تخيلات وأحاسيس غريبة تبدو خارج حدود أي احتمال. ولكن من الضروري أن نعيش ذلك، يجب أن نتقبل وجودنا قدر الممكن. يجب أن يكون كل شيء ممكناً حتى الأمور الشائنة، وهذا في الحقيقة اللون الوحيد من الشجاعة المطلوبة منا، أن نتحلى بالشجاعة في مواجهة أغرب الأشياء التي يمكن أن نقابلها وأعجبها وأقلها وضوحاً.
