تراجم الرِّجال... حيادية الزِّرِكليّ وعقائديَّة كاتب تتمة الأعلام!

قاموس محمَّد خير رمضان يوسف منحاز لا يعرف معنى الحياد

خير الدين الزركلي
خير الدين الزركلي
TT

تراجم الرِّجال... حيادية الزِّرِكليّ وعقائديَّة كاتب تتمة الأعلام!

خير الدين الزركلي
خير الدين الزركلي

تُعدُّ معاجم الرِّجال، أو تراجم الرِّجال أو الطَّبقات، أو الوفيات، أو الكتب التي عرفت بالفهارس، أحد أقدم مجالات التَّأليف وأهمها، في دراسة التَّاريخ، ويصعب تحديد الأقدم في هذا الضَّرب مِن التَّأليف، لكنْ يبقى الخطيب البغداديّ (ت: 463هـ) صاحب ابتكار في تقديم تاريخ البلدان مِن تراجم شخوصها، وعلى هذا صَنف «تاريخ بغداد»، ثم تبع أسلوبه ابن عساكر (ت: 571هـ) في تصنيف «تاريخ مدينة دِمشق»، أمَّا في الطَّبقات فيصعب تحديد مؤرخٍ أقدم مِن طبقات خليفة بن الخياط (ت: 240هـ)، وطبقات ابن سعد (ت: 230هـ)، وظهرت كُتب عديدة تختص بطبقات شريحة مِن المؤلفين، أو طبقات مذهب مِن المذاهب، أو ضرب مِن ضروب التخصص،

مثل: «طبقات النّحاة»، و«طبقات القراء»، و«طبقات النَّحويين»، ومعجم مثل «رجال الحديث»، و«الضعفاء مِن الرّجال»... إلخ.

بيد أنَّ هناك مَن جعل معجمه شاملاً، وكل معجم يحوي ما ورد في السَّابق وزاد عليه، لذا تجد «سير أعلام النبلاء» لشمس الدِّين الذَّهبيّ (ت: 747هـ)، أوسع مِن «وفيات الأعيان» لابن خِلكان (ت: 681هـ)، ومرآة سبط ابن الجوزي (ت: 654هـ) أوسع من تاريخ الرّجال في منتظم جده أبي الفرج بن الجوزيّ (ت: 597هـ)، ووافي صلاح الدّين الصَّفديّ (ت: 768هـ) أوسع مِن السَّابقين.

جاء بعد الطّبقات التَّأليف في تتماتها أو ذيولها، أيّ يبدأ المتأخر حيث انتهى المتقدم، وهي كثيرة، مثل «ذيل مرآة الزَّمان» لقطب الدِّين اليونينيّ (ت: 726هـ)، وهذا جرى في كتب التّاريخ أيضاً، مثل «تاريخ الأمم والملوك» لأبي جعفر الطّبريّ (ت: 310هـ) وذيوله: «صلة تاريخ الطَّبري» لعريب بن سعد القرطبي (ت: 369هـ)، و«تكملة تاريخ الطَّبري» لمحمد بن عبد الملك الهمذاني (ت: 521هـ)... إلخ.

ليس موضوعنا تاريخ معاجم الرّجال، وتاريخ كتابة التَّاريخ، فهذا يذهب بنا بعيداً عمّا قصدناه في هذا المقال، إنّما أردنا القول إنْ ما قام به محمَّد خير رمضان يوسف في تأليف «تتمة الأعلام للزِّرِكليّ» (وفيات 1976 - 1995)، كان سائداً عند القدماء، فقد بدأ حيث انتهى خير الدّيِن الزِّركليّ (ت: 1976) في كتابه «الأعلام» (قاموس تراجم لأشهر الرِّجال والنّساء مِن العرب والمستعربين والمستشرقين).

غلاف" تتمة الأعلام" لمحمد خير رمضان يوسف

شَرع الزِّركلي في تأليف قاموسه في عام (1912)، وأصدره بثلاثة مجلدات في عام (1927)، وظل يعمل مضيفاً إليه، حتّى أتم إنجازه في (1952) واستمر طبعه بعشرة مجلدات (بين 1954 - 1959)، وحسب مقدمة هذه الطبقة أنّه صرف في «الأعلام» أربعين عاماً مِن عمره، خلا منها فترات إجازة أو قضاء مهمة. طاف على المكتبات والمتاحف والمكتبات الشّخصيَّة، ووجد باحثين لم يتعاونوا معه فسمَّى هذا الظاهرة بـ«خلاقيَّة غير مرضيَّة»، وكان في نيته ضم الأحياء مِن الأعلام، لكنه وجد أنَّ الحيّ يزيد وينقص ويتغير، وقد أراده تراجم ثابتة، وهذا لا يتحقق إلا للأموات، لذا صرف فكرة ضم الأحياء له.

جعل الزّرِكليّ قاموسه «الأعلام» حاوياً لتراجم سابقة، وأردفه باللاحقين مِن العصور المتأخرة، جعل تسلسل الأسماء على الحروف والتَّواريخ، مِن الأقدم إلى الأحدث. زيَّن كتابه بالصُّور، ومَن لم يجد له صورة استعان بصورة خطه، وله القول: «الخط في الأحايين ينوب عن الصُّورة الشَّخصيَّة». إنَّ ما عمله هذا السُّوريّ الأبوين والنشأة، اللبنانيّ الولادة، لا أظن باحثاً أو طالب معرفة استغنى عن كتابه، وإنْ لم يُدرجه في المصادر في أحايين كثيرة، فإضافة إلى تراجم الرّجال وتواريخ وفياتهم، وثَّق لكلِّ مترجم بالمصدر، وبهذا أفاد الكثيرين، وجعله القليلون ضمن ثبت مصادرهم ومراجعهم. ولأنه دائم البحث جعل المجلد العاشر مستدركاً، أدخل فيه تعديلاً في ترجمة شخصية ما، أوما فاته ترجمته، وختمه بسيرته الذَاتية الغنية.

غلاف "الأعلام" للزركلي

حذا الزّركليّ حذو المعتدلين مِن القدماء في تراجم أو طبقات الرّجال، لا يضعون حكماً، ولا يتبنون فكرةً، وفي مقدمتهم يأتي القاضي ابُن خِلّكان في «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزَّمان»، لذا تجد صاحب «البداية والنّهاية» ابنُ كثير ينتقده لمجرد عدالته، فيقول فيه لأنه كان محايداً في ذِكر ابن الرّاونديّ (ت: نحو 245هـ): «وَقَدْ ذكره ابن خِلكان في الوفيات، وقلس عليه، ولم يخرجه بِشَيْءٍ، وَلا كَأَنَّ الكَلْبَ أكَلَ لهُ عَجِينًا، عَلَى عَادَتِهِ فِي العُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، فَالشُّعَرَاءُ يُطِيلُ تَرَاجِمَهُمْ، وَالْعُلَمَاءُ يَذْكُرُ لَهُمْ تَرْجَمَةً يَسِيرَةً، وَالزَّنَادِقَةُ يترك ذكر زندقتهم» (ابن كثير، البداية والنهاية). أراد ابن كثير (ت: 774هـ) مِن ابن خِلكان أنْ يقول ما قاله هو بابن الرّوانديّ: «المُلْحِدِ الْجَاهِلِ السَّفِيهِ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ» (البداية والنِّهاية). بينما ابن خِلكان كان معرفياً في ترجماته، وليس قاضياً أو حاكماً، مع أنّه كان قاضياً مِن المخلصين للمذهب الشَّافعي، لكنه كمؤلف يضع العقيدة والموقف جانباً، ويتعامل بالمعرفة، والأخيرة لا تُنال إلا بالحياد.

هذا ما فعله متمم الأعلام للزّركلي، تبنى موقف ابن كثير، وانتقد الزّركليّ على علميته المعرفيّة، وتجنبه للموقف العقائديّ، فلو مررت على التّراجم التي ترجم لها في أعلامه ستجد الصّفحات ملأى بالحياد، لا يعطي رأياً بشخص غير ذكر أعماله وسنوات حياته ومماته، مِن دون حكم، والسَّبب أن الزّرِكليّ ليس حزبياً، إنما كان باحثاً، ولا يُسقط البحث إلا التَّعصب والانحياز. فنجده قد أتى بالقصة ذاتها، عاتباً على الزّركليّ أنه لم يتخذ موقفاً ممِن ترجم له.

يرى محمَّد خير يوسف، بنفس إخواني واضح، صاحب الأعلام، أنّه اعترف بالدَّولة الوطنيَّة، يُفهم ذلك مما قاله في مقدمة «التَّتمة»: «وإذا كان مأساة الحدود والانفصال واقعة، بين العرب وإخوانهم المسلمين، فماذا يُقال فيما هو كائن بين العرب والعرب؟ إنه الألم الذي يعصر قلبي، كُلما بينتُ اسم دولة المُترجم له بحدودها الاستعماريَّة، وما كاد هذا الألم يُغادر قلبي في كلّ بيان أذكره في التَّرجمة». أيّ أنه يريدها «خلافة إسلاميَّة»، على نهج الإخوان، ولا اعتراف بالدول الوطنيَّة، لذا تجد الكثيرين قد جردهم مِن الانتماء الوطنيّ عند التَّرجمة لهم.

لم يكن عادلاً ومحايداً في التَّراجم، فعندما يضطر إلى ذِكر اللبناني حسن حمدان، المشهور بمهدي العاملة (اغتيل: 1987)، ذكره بسطور قليلة، ولم يذكر اغتياله ولا شيء عن سيرته، بينما يتوسع عن اغتيال أحد الإسلاميين، ويستغرق الحديث عنه صفحتين أو ثلاث، وهذا ما فعله مع كل «مجاهد» مِن «مجاهدي أفغانستان»، أو شخصية إخوانية، ويسبق حديثه عنهم بألقاب التّبجيل.

تجده عندما يذكر ذي الفقار بوتو (أعدم: 1979) لا يتردد مِن ذِكر عبارة «المجرم الرّئيسي»، ويذكر فرج فودة (اغتيل: 1992) بما يوحي للقارئ أنّه كان يستحق القتل، وأنه كان كذاباً ومراوغاً، يدعو للتعايش مع إسرائيل، ويفخر أنه صديق سفير الصهاينة، وكان عدواً للإسلام، ويُبجل الذي شهدوا لصالح قتلته، وهم مِن الإخوان المسلمين. عندما يذكر آية الله الخميني (ت: 1989) يجعله كان ضد «الشّاه العلمانيّ المرتبط بالغرب»، أيّ يعطي تصوراً بأن ذلك العلماني يستحق الثّورة ضده.

صاحب «تتمة الأعلام» يريدها «خلافة إسلاميَّة»، على نهج الإخوان، فلا اعتراف بالدول الوطنيَّة

عندما يأتي بترجمة الإخواني عبد الله عزام (اغتيل: 1989)، يلقبه بأمين المجاهدين، ويفرد صفحات لسيرته ومناقبه، كذلك يجعل عنوان «الشّاب المجاهد الشّهيد» لخالد معلا الأحمديّ (1089)، بينما عندما يذكر رشاد خليفة المصري (اغتيل: 1990)، ينعته بمدعي النبوة والبهائيّ، وأنه «كان معروفاً منذ الصّبا بسوء الخلق». كذلك الحال عندما يذكر الشّيخ محمد محمود طه (أعدم: 1985) حسبه كان مدعياً للنبوة، وذكره «المقتول مرتداً»! والرجل كان صائماً مصلياً. بينما عندما يذكر إخوانياً، ولا ينسى مفردة «الشّهيد» أمام حسن البنا كلما ورد اسمه، يقول فيمَن ترجم لهم مِن الإسلاميين: «وكان قوياً لا تأخذه في الله لومة لائم»، والثّناء والإطراء كان مِن حصة قاتل الرَّئيس أنور السَّادات (1981) خالد الإسلامبولي.

ما يهمنا في الأمر، أنَّ صاحب تتمة الأعلام، مِن المفروض، وقد قبل إكمال ما بعد صاحب الإعلام، عليه الالتزام بأسلوبه، ولا يبني على كتابه ما يشوه عبارته، أو كان عليه أنْ يستقل ويكتب في طبقاته ما يشاء. مع علمنا أنَّ الكتابة في تراجم الرّجال وطبقاتهم تحتاج إلى العدالة، والعدالة لا تتحقق إذا لم يكن الحياد أُسها.

ولسنا مدافعين هنا عن ابن خِلكان والزِّركليّ، الرَّجل الذي خبر الدُّنيا طولاً وعرضاً، إنما هذا هو المنهج، فيصعب على الباحث الجاد اعتماد معلومة وردت مِن منحاز، لا يعرف قاموسه معنى الحياد. هذا هو الفارق بين الأعلام للزِركلي (آخر جزء طبعه: 1959 القاهرة: مطبعة كوستا توماس) وتتمة الأعلام (بيروت: دار ابن حزم 2002) لمحمد خير رمضان يوسف.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».