تراجم الرِّجال... حيادية الزِّرِكليّ وعقائديَّة كاتب تتمة الأعلام!

قاموس محمَّد خير رمضان يوسف منحاز لا يعرف معنى الحياد

خير الدين الزركلي
خير الدين الزركلي
TT

تراجم الرِّجال... حيادية الزِّرِكليّ وعقائديَّة كاتب تتمة الأعلام!

خير الدين الزركلي
خير الدين الزركلي

تُعدُّ معاجم الرِّجال، أو تراجم الرِّجال أو الطَّبقات، أو الوفيات، أو الكتب التي عرفت بالفهارس، أحد أقدم مجالات التَّأليف وأهمها، في دراسة التَّاريخ، ويصعب تحديد الأقدم في هذا الضَّرب مِن التَّأليف، لكنْ يبقى الخطيب البغداديّ (ت: 463هـ) صاحب ابتكار في تقديم تاريخ البلدان مِن تراجم شخوصها، وعلى هذا صَنف «تاريخ بغداد»، ثم تبع أسلوبه ابن عساكر (ت: 571هـ) في تصنيف «تاريخ مدينة دِمشق»، أمَّا في الطَّبقات فيصعب تحديد مؤرخٍ أقدم مِن طبقات خليفة بن الخياط (ت: 240هـ)، وطبقات ابن سعد (ت: 230هـ)، وظهرت كُتب عديدة تختص بطبقات شريحة مِن المؤلفين، أو طبقات مذهب مِن المذاهب، أو ضرب مِن ضروب التخصص،

مثل: «طبقات النّحاة»، و«طبقات القراء»، و«طبقات النَّحويين»، ومعجم مثل «رجال الحديث»، و«الضعفاء مِن الرّجال»... إلخ.

بيد أنَّ هناك مَن جعل معجمه شاملاً، وكل معجم يحوي ما ورد في السَّابق وزاد عليه، لذا تجد «سير أعلام النبلاء» لشمس الدِّين الذَّهبيّ (ت: 747هـ)، أوسع مِن «وفيات الأعيان» لابن خِلكان (ت: 681هـ)، ومرآة سبط ابن الجوزي (ت: 654هـ) أوسع من تاريخ الرّجال في منتظم جده أبي الفرج بن الجوزيّ (ت: 597هـ)، ووافي صلاح الدّين الصَّفديّ (ت: 768هـ) أوسع مِن السَّابقين.

جاء بعد الطّبقات التَّأليف في تتماتها أو ذيولها، أيّ يبدأ المتأخر حيث انتهى المتقدم، وهي كثيرة، مثل «ذيل مرآة الزَّمان» لقطب الدِّين اليونينيّ (ت: 726هـ)، وهذا جرى في كتب التّاريخ أيضاً، مثل «تاريخ الأمم والملوك» لأبي جعفر الطّبريّ (ت: 310هـ) وذيوله: «صلة تاريخ الطَّبري» لعريب بن سعد القرطبي (ت: 369هـ)، و«تكملة تاريخ الطَّبري» لمحمد بن عبد الملك الهمذاني (ت: 521هـ)... إلخ.

ليس موضوعنا تاريخ معاجم الرّجال، وتاريخ كتابة التَّاريخ، فهذا يذهب بنا بعيداً عمّا قصدناه في هذا المقال، إنّما أردنا القول إنْ ما قام به محمَّد خير رمضان يوسف في تأليف «تتمة الأعلام للزِّرِكليّ» (وفيات 1976 - 1995)، كان سائداً عند القدماء، فقد بدأ حيث انتهى خير الدّيِن الزِّركليّ (ت: 1976) في كتابه «الأعلام» (قاموس تراجم لأشهر الرِّجال والنّساء مِن العرب والمستعربين والمستشرقين).

غلاف" تتمة الأعلام" لمحمد خير رمضان يوسف

شَرع الزِّركلي في تأليف قاموسه في عام (1912)، وأصدره بثلاثة مجلدات في عام (1927)، وظل يعمل مضيفاً إليه، حتّى أتم إنجازه في (1952) واستمر طبعه بعشرة مجلدات (بين 1954 - 1959)، وحسب مقدمة هذه الطبقة أنّه صرف في «الأعلام» أربعين عاماً مِن عمره، خلا منها فترات إجازة أو قضاء مهمة. طاف على المكتبات والمتاحف والمكتبات الشّخصيَّة، ووجد باحثين لم يتعاونوا معه فسمَّى هذا الظاهرة بـ«خلاقيَّة غير مرضيَّة»، وكان في نيته ضم الأحياء مِن الأعلام، لكنه وجد أنَّ الحيّ يزيد وينقص ويتغير، وقد أراده تراجم ثابتة، وهذا لا يتحقق إلا للأموات، لذا صرف فكرة ضم الأحياء له.

جعل الزّرِكليّ قاموسه «الأعلام» حاوياً لتراجم سابقة، وأردفه باللاحقين مِن العصور المتأخرة، جعل تسلسل الأسماء على الحروف والتَّواريخ، مِن الأقدم إلى الأحدث. زيَّن كتابه بالصُّور، ومَن لم يجد له صورة استعان بصورة خطه، وله القول: «الخط في الأحايين ينوب عن الصُّورة الشَّخصيَّة». إنَّ ما عمله هذا السُّوريّ الأبوين والنشأة، اللبنانيّ الولادة، لا أظن باحثاً أو طالب معرفة استغنى عن كتابه، وإنْ لم يُدرجه في المصادر في أحايين كثيرة، فإضافة إلى تراجم الرّجال وتواريخ وفياتهم، وثَّق لكلِّ مترجم بالمصدر، وبهذا أفاد الكثيرين، وجعله القليلون ضمن ثبت مصادرهم ومراجعهم. ولأنه دائم البحث جعل المجلد العاشر مستدركاً، أدخل فيه تعديلاً في ترجمة شخصية ما، أوما فاته ترجمته، وختمه بسيرته الذَاتية الغنية.

غلاف "الأعلام" للزركلي

حذا الزّركليّ حذو المعتدلين مِن القدماء في تراجم أو طبقات الرّجال، لا يضعون حكماً، ولا يتبنون فكرةً، وفي مقدمتهم يأتي القاضي ابُن خِلّكان في «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزَّمان»، لذا تجد صاحب «البداية والنّهاية» ابنُ كثير ينتقده لمجرد عدالته، فيقول فيه لأنه كان محايداً في ذِكر ابن الرّاونديّ (ت: نحو 245هـ): «وَقَدْ ذكره ابن خِلكان في الوفيات، وقلس عليه، ولم يخرجه بِشَيْءٍ، وَلا كَأَنَّ الكَلْبَ أكَلَ لهُ عَجِينًا، عَلَى عَادَتِهِ فِي العُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، فَالشُّعَرَاءُ يُطِيلُ تَرَاجِمَهُمْ، وَالْعُلَمَاءُ يَذْكُرُ لَهُمْ تَرْجَمَةً يَسِيرَةً، وَالزَّنَادِقَةُ يترك ذكر زندقتهم» (ابن كثير، البداية والنهاية). أراد ابن كثير (ت: 774هـ) مِن ابن خِلكان أنْ يقول ما قاله هو بابن الرّوانديّ: «المُلْحِدِ الْجَاهِلِ السَّفِيهِ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ» (البداية والنِّهاية). بينما ابن خِلكان كان معرفياً في ترجماته، وليس قاضياً أو حاكماً، مع أنّه كان قاضياً مِن المخلصين للمذهب الشَّافعي، لكنه كمؤلف يضع العقيدة والموقف جانباً، ويتعامل بالمعرفة، والأخيرة لا تُنال إلا بالحياد.

هذا ما فعله متمم الأعلام للزّركلي، تبنى موقف ابن كثير، وانتقد الزّركليّ على علميته المعرفيّة، وتجنبه للموقف العقائديّ، فلو مررت على التّراجم التي ترجم لها في أعلامه ستجد الصّفحات ملأى بالحياد، لا يعطي رأياً بشخص غير ذكر أعماله وسنوات حياته ومماته، مِن دون حكم، والسَّبب أن الزّرِكليّ ليس حزبياً، إنما كان باحثاً، ولا يُسقط البحث إلا التَّعصب والانحياز. فنجده قد أتى بالقصة ذاتها، عاتباً على الزّركليّ أنه لم يتخذ موقفاً ممِن ترجم له.

يرى محمَّد خير يوسف، بنفس إخواني واضح، صاحب الأعلام، أنّه اعترف بالدَّولة الوطنيَّة، يُفهم ذلك مما قاله في مقدمة «التَّتمة»: «وإذا كان مأساة الحدود والانفصال واقعة، بين العرب وإخوانهم المسلمين، فماذا يُقال فيما هو كائن بين العرب والعرب؟ إنه الألم الذي يعصر قلبي، كُلما بينتُ اسم دولة المُترجم له بحدودها الاستعماريَّة، وما كاد هذا الألم يُغادر قلبي في كلّ بيان أذكره في التَّرجمة». أيّ أنه يريدها «خلافة إسلاميَّة»، على نهج الإخوان، ولا اعتراف بالدول الوطنيَّة، لذا تجد الكثيرين قد جردهم مِن الانتماء الوطنيّ عند التَّرجمة لهم.

لم يكن عادلاً ومحايداً في التَّراجم، فعندما يضطر إلى ذِكر اللبناني حسن حمدان، المشهور بمهدي العاملة (اغتيل: 1987)، ذكره بسطور قليلة، ولم يذكر اغتياله ولا شيء عن سيرته، بينما يتوسع عن اغتيال أحد الإسلاميين، ويستغرق الحديث عنه صفحتين أو ثلاث، وهذا ما فعله مع كل «مجاهد» مِن «مجاهدي أفغانستان»، أو شخصية إخوانية، ويسبق حديثه عنهم بألقاب التّبجيل.

تجده عندما يذكر ذي الفقار بوتو (أعدم: 1979) لا يتردد مِن ذِكر عبارة «المجرم الرّئيسي»، ويذكر فرج فودة (اغتيل: 1992) بما يوحي للقارئ أنّه كان يستحق القتل، وأنه كان كذاباً ومراوغاً، يدعو للتعايش مع إسرائيل، ويفخر أنه صديق سفير الصهاينة، وكان عدواً للإسلام، ويُبجل الذي شهدوا لصالح قتلته، وهم مِن الإخوان المسلمين. عندما يذكر آية الله الخميني (ت: 1989) يجعله كان ضد «الشّاه العلمانيّ المرتبط بالغرب»، أيّ يعطي تصوراً بأن ذلك العلماني يستحق الثّورة ضده.

صاحب «تتمة الأعلام» يريدها «خلافة إسلاميَّة»، على نهج الإخوان، فلا اعتراف بالدول الوطنيَّة

عندما يأتي بترجمة الإخواني عبد الله عزام (اغتيل: 1989)، يلقبه بأمين المجاهدين، ويفرد صفحات لسيرته ومناقبه، كذلك يجعل عنوان «الشّاب المجاهد الشّهيد» لخالد معلا الأحمديّ (1089)، بينما عندما يذكر رشاد خليفة المصري (اغتيل: 1990)، ينعته بمدعي النبوة والبهائيّ، وأنه «كان معروفاً منذ الصّبا بسوء الخلق». كذلك الحال عندما يذكر الشّيخ محمد محمود طه (أعدم: 1985) حسبه كان مدعياً للنبوة، وذكره «المقتول مرتداً»! والرجل كان صائماً مصلياً. بينما عندما يذكر إخوانياً، ولا ينسى مفردة «الشّهيد» أمام حسن البنا كلما ورد اسمه، يقول فيمَن ترجم لهم مِن الإسلاميين: «وكان قوياً لا تأخذه في الله لومة لائم»، والثّناء والإطراء كان مِن حصة قاتل الرَّئيس أنور السَّادات (1981) خالد الإسلامبولي.

ما يهمنا في الأمر، أنَّ صاحب تتمة الأعلام، مِن المفروض، وقد قبل إكمال ما بعد صاحب الإعلام، عليه الالتزام بأسلوبه، ولا يبني على كتابه ما يشوه عبارته، أو كان عليه أنْ يستقل ويكتب في طبقاته ما يشاء. مع علمنا أنَّ الكتابة في تراجم الرّجال وطبقاتهم تحتاج إلى العدالة، والعدالة لا تتحقق إذا لم يكن الحياد أُسها.

ولسنا مدافعين هنا عن ابن خِلكان والزِّركليّ، الرَّجل الذي خبر الدُّنيا طولاً وعرضاً، إنما هذا هو المنهج، فيصعب على الباحث الجاد اعتماد معلومة وردت مِن منحاز، لا يعرف قاموسه معنى الحياد. هذا هو الفارق بين الأعلام للزِركلي (آخر جزء طبعه: 1959 القاهرة: مطبعة كوستا توماس) وتتمة الأعلام (بيروت: دار ابن حزم 2002) لمحمد خير رمضان يوسف.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.