«رواية ما بعد - الاستعمار العربية»... مواجهة التذبذب الملتبس

الموسوي يحفر في مستويات السرد وخطاباته في قراءة لـ60 عملاً

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«رواية ما بعد - الاستعمار العربية»... مواجهة التذبذب الملتبس

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر كتاب الدكتور محسن جاسم الموسوي عن رواية ما بعد الاستعمار العربية، أولاً بالإنجليزية عن دار «برل» الهولندية سنة 2002، وصدرت طبعته الثانية سنة 2005، وصدرت ترجمة له بالعربية السنة الماضية عن مشروع «كلمة للترجمة - مركز أبوظبي للغة العربية» بترجمة د. موسى الحالول، ومن المقرر أن تصدر طبعة ثالثة له.

الكتاب يقع في 10 فصول بعد «العتبات التمهيدية»، حيث يركز الفصل الأول على قضايا ما بعد الاستعمار في الرواية العربية. بينما يهتم الثاني بشهرزاد في عصرنا: تطور الرواية العربية الحديثة. ويتلمس الفصل الثالث: مواجهة التذبذب الملتبس: أوجه التعاطي السياسي - الاجتماعي. في حين يركز الفصل الرابع على العرب والغرب: السرديات المضادة والمواجهات السردية. ويأتي الفصل الخامس معنياً بالمرأة: المرأة عربياً. أما السادس فهو انشغال تام بأصوات معارضة: مارقون ومتمردون وقديسون. ويعنى الفصل السابع بسردية المكان. ويستكمل الفصل الثامن: الزمن في السرد. أما الفصل التاسع فهو يدور في محور «التجاذب الثقافي وتعريف الذات في الماورائية العربية». ويخصص الفصل العاشر لعطايا شهرزاد: استراتيجيات محفوظ السردية في «ليالي ألف ليلة وليلة».

هومي بابا

يأتي الكتاب الجديد مستكملاً دراسات د. الموسوي الصادرة باللغتين العربية والإنجليزية، التي أثارت اهتماماً كبيراً في الأوساط الأكاديمية الأجنبية والعربية، وكذلك بين الجمهور العربي. ولكنه يفترق عن أربعة من كتبه في الرواية العربية، آخرها «انفراط العقد المقدس: الرواية العربية بعد نجيب محفوظ»، إذ يعنى بــ«الوعي الناشئ في السرد كما هو متجذر في المعرفة الحديثة التي توصف عادة بأنها ما بعد - الاستعمار»، كما يقول المؤلف. ومن خلال قراءة واسعة لما لا يقل عن 60 رواية، يقدم المؤلف رؤيته للحياة والثقافة في العالم العربي. والكتاب، مع ذلك، ليس مسحاً لخريطة الكتابة، بل تحليل سردي يتقصى قضايا الطبقة والجُنوسة والعرْق والوعي الثقافي الاجتماعي. وإذ يعكف المؤلف على موضوعات الهوية في ثنايا هذه الأمور، فإنه لا يستبعد التحليل السردي العميق لمسألة التعددية الصوتية، وتفاوت النبرة في الخطابات المعنية بالسرديات الأكبر، شأن الخطاب الوطني، أو المنبهرة بالآخر، أي الذات الاستعمارية. إن الممتع في هذه المحاججة أنها ترى في أغلب هذه الخطابات انبهاراً تاماً بالذات الاستعمارية، وتلمساً للذوبان فيها. ولهذا السبب، ينتقد المؤلف التماهيات المختلفة التي تتسلل في السرد والتي يلتقطها الروائي بوعي أو من دونه «لأن الكتابة تتشكل في داخل لوحة ثقافية تنتهك ذهن الكاتب بهذا الشكل أو ذاك».

إدوارد سعيد

ويتعمق الكتاب في قراءة مستويات السرد، وخطاباته، وبضمنها «القص الميتا ورائي»، أو التحتي، وكذلك المحاكاة والهزل والمفارقة والسخرية والمزاوجة والهجاء. ويتخذ من إميل حبيبي في «الوقائع الغريبة...» عتبة للمناقشة هنا، أو هناك. ومن خلال ذلك، يدرس الكتاب المزاوجة المثمرة ما بين خطاب ما بعد الاستعمار وخطاب ما وراء الحداثة باعتبارها مزاوجة مبررة إذا ما عرف ما بعد الحداثي حدود الإفادة منها، ومن ثم المزج ما بين المأساوي والكوميدي في تناول واقع محير.

يهتم الكتاب أيضاً بما يسميه «الجسد السياسي»، بما يتجاوز نشأته مصطلحاً عند ميشيل فوكو، بحيث يركز على التشعبات في الممارسات والرموز، ومالها من تأثير في تكوينات الجنس والعرق والطبقة وتشكيل الهوية. ويرى المؤلف أن الروايات توظّفُ السُّبل وعمليات الترميز ليلائم اهتماماتها، ولهذا لابد من التنقيب في «البنى الأجناسية والخطابية التي تجعل المعنى ممكناً».

ويستخلص الكتاب عند هذه النقطة أن «سبل السرد وسائط بيد الأقوياء والضعفاء على حد سواء، على كل مستوى من مستويات الإمبراطورية والأمة والدولة والطبقة والمجتمع والأفراد». وعلى الرغم من الغزارة التي تميزه، فإن كتاب «رواية ما بعد - الاستعمار»، يتجنب التحقيب أو ذلك التصنيف السهل للروايات، بل يتخذ من «الإشارة المجازية» للإطار الشهرزادي مدخلاً إلى تنوع الأساليب والمداخل وبلوغ الديناميات التاريخية لحركية المجتمعات. ويمكن أن تعيد استعارة التسمية المجازية لشهرزاد في ذهن القارئ كتاب المؤلف الصادر سنة 1993 عن دار الآداب: «ثارات شهرزاد: فن السرد العربي الحديث». وهو يريد بذلك أن يلفت الانتباه إلى ما بعد - حداثية تجاور بشدة وبتداخل عميق خطاب ما بعد الاستعمار لدرجة العبث به في أحيان عديدة، وهو ما دعا المؤلف إلى مساءلة «التذبذب الملتبس» الذي ظهر في كتابات بعض دعاة خطاب ما بعد الاستعمار مثل هومي بابا وسلمان رشدي. لكنه يتفق أن بعض الأساليب المواربة التي احتضنها ما بعد - الحداثي مفيدة في أحيان لكشف الهيمنة والقمع وتوجيه الانتباه إلى التشظي والتلغيز (للتعبير عن مخاوف الحب وخيبة الأمل) في ظروف صعبة ما بين الحروب والعلاقات المادية والاجتماعية المرتبكة.

أنور عبد الملك

الكتاب في توسعه وتدقيقه في القضايا الصغيرة والكبيرة، والشخصي والعام، والمأساوي والساخر، يفند ضمناً تلك التعميمات الساذجة والكتابات الممعنة في «تبعية أسلوبية» لمنهج ما. إنه يرى أن هذه الكتابات تنطلق من خضوع معلن أو موارب للسرديات الكبرى، سواء اتخذت هذه المركزية الأوربية منطلقاً أو احتفت بطابع إسلاموي أو قومجي. ولهذا السبب يحظى «اليومي» باهتمامات الرواية، كما يظهرها الكتاب، إذ إن الاحتفاء بالحياة اليومية، بمشكلاتها وجزئياتها يتسلل في ثنايا المرويات ويقدم لنا حياة هي ما يتشكل منها خطاب ما بعد - الاستعمار الخارج على هيمنة الخطابات الكبرى غير القابلة للمساءلة والنقاش.

الكتاب ليس مسحاً لخريطة الكتابة، بل تحليل سردي يتقصى قضايا الطبقة والجُنوسة والعرْق والوعي الثقافي الاجتماعي

يقول المؤلف: «إن تركيزي ينصب على الميل السردي الذي يُسائل التقاليد الكتابية الأصولية والتقليدية والاستعمار، وإن هذا الميل السردي... يرمي أساساً إلى الهدم ونزع الغموض، فهو يجعل القضايا إشكالية بدلاً من الاستسلام للملازمة المعتادة». ومثل هذا المدخل الذي يميز كتابة الموسوي النقدية يعني في النهاية استبطان النصوص وقراءة مستويات تعدديتها، والتنقيب في سبل الإشارة والتلميح والإحالة الواعية وغيرها. ومن هنا، يمكن القول إن هذا الكتاب هو بحث خلاق، بمعنى أن الفعل النقدي فيه، الذي لا يهجر الرصانة العلمية، هو مجموعة حفريات في السرديات قلما نجدها عند دارس آخر، إن المزاوجات الثرية بين النقد، بصفته ممارسة في الابتكار والخلق، وبين التدقيق المعرفي، تجعل هذا الكتاب ذا أهمية كبيرة ليس في ميدان قراءة الرواية العربية، حضورها وانتشارها وتاريخها وسعة أفقها، وإنما أيضاً في ميدان معرفة الثقافة العربية. إن النصوص، كما يناقش الموسوي، تتوالد عن أخرى، وفي غيرها لنكون كقراء أمام خريطة مفعمة بالفعل والثراء والإحاطة والتعمق في خريطة المجتمعات العربية وأساليب تعبيرها عن ذواتها أفراداً وجماعات.

إن ترجمة الكتاب عن «دار كلمة» يُعد منجزاً مهماً، وذلك لأن القارئ العربي لم يصافح هذه النظرية واشتباكها بالحداثي وما بعده إلاّ من خلال ترجمة بعض النصوص بقلم هومي بابا وسبيفاك. وكان إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» سنة 1978 سباقاً في التقاط هذا النبض وطرحه أمام الأكاديميات أيام تخلخل البناء البيروقراطي والفوقي. وكما أشار المؤلف من قبل في مراجعة نظرية نشرتها مجلة «مداخلات» التي رأس تحريرها روبرت يونغ، إلى أن «الاستشراق»، وقبله مقالة أنور عبد الملك «الاستشراق في أزمة» كانا يشكلان عتبة مهمة لما تبناه خطاب ما بعد - الاستعمار وهو يهضم كتابات فرانسيس فانون المبكرة.

يقول المؤلف: «إن الغوص في هذه القضايا ليس رحلة في الزمان أو الأمكنة الغربية، بل انكباب مجزٍ يتخلل قضايا الهوية عموماً». والهوية، كما يراها، هي التي تخص الخاص جداً، كما ترتقي إلى العام عندما تتكاتف الهموم والاعتبارات في جزئيات السرد ووحداته.

*أستاذة في جامعة روتكرز - الولايات المتحدة الأميركية


مقالات ذات صلة

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».