بروايته الأحدث «حصّاد الرمال» الصادرة عن «دار الحبر» الجزائرية، يكون الروائي والمترجم محمد ساري قد بيّن أهم معالم مشروعه السردي المتمركز على موضوعي الموت والذاكرة، ثنائية تشكل الهاجس الأهم إن لم يكن الأوحد في مجموع أعمال ساري، سيما بعد الانعطاف المهم الذي عرفته مسيرته الروائية بداية من روايته «الورم» الصادرة عام 2002 وانتهاءً بهذا العمل، مروراً برواياته «القلاع المتآكلة» و«الغيث» و«صمت القبور»، وهو مشروع يشتغل على قراءته الذاتية للأحداث التي صنعت جزائر اليوم، بدايةً بالثورة التحريرية وانتهاءً بما يعرف اليوم بالحراك الشعبي في فبراير 2019.
يسعى ساري في هذا العمل إلى تقديم مفهومه الخاص للموت بعيداً عن الكليشيهات المعهودة، فهو ليس نهاية لبداية ما ولا بداية يمكن الانطلاق منها، لكنه تقاطع طرق شتى تتحدد عنده الوجهة الحقيقية، فهو بذلك يرفض التعامل مع الموت كواقعة يسهل تأطيرها زمانياً ومكانياً، بل كحالة مستمرة يتحدد وفقها مفهومنا للذاكرة التي ليست في النهاية، إلا ما نراكمه أثناء سيرنا في اتجاه الموت... مسيرة تتشكل من خلالها ذاكرة الأفراد والمجتمعات في آن واحد، ولعل هذا أهم ما يصبو إليه مشروعه السردي، أي الإصرار على قراءة الراهن الجزائري من خلال عيني الذاكرة؛ بحثاً عن جواب فلسفي لسؤال غاية في الواقعية: «ما الذي حدث لنكون على ما نحن عليه اليوم؟».

حاول ساري من خلال أعماله السابقة، خاصة في «القلاع المتآكلة»، الإجابة عن السؤال نفسه من خلال سعيه إلى تعرية العشرية السوداء التي ارتأى أن يتناولها اجتماعياً، لكن بمنظور حيادي فرض مسافة بينه وبين سرده، لم يخدم كثيراً العمق الإنساني المفترض في موضوع كهذا، بل تجنّب أهم الأسئلة التي قد تشكل موقفاً نقدياً من السلطة والتاريخ؛ مما أفقد العمل القوة التي توقّعها القارئ في رواية ترصد فترة مهمة من تاريخ الجزائر الحديث، وهو بالتحديد ما حدث معه في «حصّاد الرمال» التي أراد من خلالها رصد واقع المجتمع الجزائري بعد العشرية السوداء مباشرة إثر إقرار قانون المصالحة الوطنية عام 2005، الذي سمح لأفراد الجماعات المسلحة من الاستفادة من عفو مطلق نظير وضعهم السلاح والتوقف عن أعمال العنف. لكن القانون ذاته لم يراعِ التفاعلات الاجتماعية المترتبة عن أعوام عديدة من الدموية، خلّفت أكثر من مائتي ألف قتيل بين مدني وعسكري، وهي التفاعلات نفسها التي حاول ساري إلقاء الضوء عليها من خلال أحداث تتقاطع فيها العدالة مع الانتقام والثأر مع القصاص، بحيث ترصد واقعاً يُجبر فيه الضحية على قبول الجاني دون أي اعتبار بما تتطلبه العدالة بخصوص حقه الطبيعي في الاختيار بين العفو عنه والمطالبة بمعاقبته.
يسرد الكاتب في روايته «حصّاد الرمال» قصة عودة الإرهابيين التائبين والمستفيدين من قانون المصالحة إلى الحياة المدنية، وما رتّبه ذلك من مخاوف وصدمات أيقظت مشاعر الانتقام والثأر في نفوس ضحاياهم الذين وجدوا أنفسهم بين نارين: احترام القانون الذي يسمح ببقاء قتلة ومجرمين خارج السجن وعلى قيد الحياة، أو احترام العدالة التي تفترض بإعمالها خرق القانون.
لقد اختار في هذه الرواية أن يتخلص من أهم شخوص روايته (عمي سبتي)، الأب الذي فقد فلذة كبده بسبب فيصل الأفغاني المستفيد من قانون الرحمة، بعد أن تم قتله في حاجز مزيّف لدى عودته من الخدمة العسكرية. ومع أن الرواية بدأت بقوة من خلال مشهد درامي جميل، تمثل في لقاء غير محتمل جمع عمي السبتي والد العسكري المغتال وفيصل الأفغاني الإرهابي التائب أثناء مراسم دفن، إلا أنه لم يستثمر كثيراً في هذا المشهد الذي بشّر برواية إنسانية عميقة تخوض في ثنائيتي العدالة - الانتقام والغفران - الثأر، مفضلاً توجيه روايته في اتجاه آخر عبر أحداث لا تتسم بالجدة تماماً، فشخصية المجرم الانتهازي المتظاهر بالتوبة في سبيل تحقيق مكاسب شخصية متداولة بنحو مفرط في الأدبين الجزائري والعربي وحتى العالمي، كما أن موضوع الشره الإجرامي لا جدة فيه، سيما إذا لم يملك الكاتب وسائل تفكيكه.
تجنّب الروائي أهم الأسئلة التي قد تشكل موقفاً نقدياً من السلطة والتاريخ مما أفقد العمل القوة التي توقعها القارئ
يبدو أن الخيارات السردية لمحمد ساري في هذا العمل، جاءت نتيجة إصراره على تقديم إجابات واقعية عن أسئلة فلسفية، إصرار يجد أسبابه بلا شك في محاولته المستميتة مع كل عمل سردي له، في أن يكون كاتباً واقعياً يخوض في الواقع بانتقائية تجعله في منأى عن إبداء أي موقف من التاريخ والسلطة في شتى أوصافها، وكأنه يحاول إيقاف عمليتين يستحيل إيقافهما مثلما يقول المفكر والناقد الأدبي جورج شتاينر؛ فالكائن البشري ليس بمقدوره أن يمنع نفسه من التفكير والتنفس، وحتى إذا تمكن من قطع أنفاسه لبعض الوقت فإنه يستحيل عليه التوقف عن التأمل والتفكير؛ لأن ذلك يعني بالضرورة خروجه من الجنس البشري إلى جنس آخر يؤمن بأن الانتماء إلى قطيع ما هو أهم من القطيع بحدّ ذاته.
صدر للكاتب محمد ساري (مواليد 1958) العديد من الروايات، وترجم أكثر من عشرين رواية من الفرنسية إلى العربية، كما صدرت له روايات باللغة الفرنسية داخل الجزائر.

