يحتفظ متحف اللوفر الفرنسي بحجر أثري من تيماء زُيّن بنقش تصويري ضاع جزء كبير منه، يُمثل كما يبدو مشهداً طقوسياً دينياً. ويحتفظ متحف تيماء بشاهد قبر زُيّن أعلاه بمشهد مماثل، وصل بشكل كامل. ولا نجد في ما وصلنا من آثار تيماء إلى يومنا هذا أي نقش تصويري يُشابه هذين النقشين المثيرين.
يعود الحجر المحفوظ في متحف اللوفر إلى العالِم الفرنسي شارل هوبير الذي يوصف غالباً بـ«مكتشف تيماء». وصل هذا العالِم إلى هذه البقعة من شمال الجزيرة العربية في شتاء 1884، وبعدما استكشفها، انتقل إلى جدّة، وفي طريقه إلى حائل، اغتيل بدافع السرقة على يد اثنين من مرافقيه البدو، فتولّى أمير حائل مهمّة إيصال مقتنياته إلى القنصلية الفرنسية.
كتابة نبطية وأخرى ثمودية
ضمّت هذه المقتنيات ستّ قطع حجرية أثرية مصدرها تيماء، نُقلت إلى متحف اللوفر رسميّاً في 1886، فكانت أول قطع من الجزيرة العربية تدخل إلى هذا المتحف الكبير. تحوي هذه المجموعة مسلّة كبيرة تُعرف بمسلّة تيماء وتُعدّ أشهر القطع الأثرية التي خرجت من هذا الموقع، وحجرين جنائزيين ممهورين بكتابات باللغة الآرامية، وحجر ممهور بكتابة نبطية ذات طابع نذري، وحجر ممهور بكتابة باللغة الثمودية، إضافة إلى الحجر المزيّن بنقش تصويري. ذكر شارل هوبير هذا الحجر في مدوّنته دون أن يصفه، وهو حجر مستطيل وصل على شكل كسر مجتزأ، طوله 30 سنتمتراً، وعرضه 35 سنتمتراً، ويحوي نقشاً تصويرياً ناتئاً ضاع الجزء الأكبر منه للأسف.
عند طرف هذا الحجر، يظهر جذع مستقيم طويل تتدلّى منه أفقياً خمسة عناقيد من العنب صوّرت بأسلوب زخرفي. أمام هذا الجذع الممتدّ نحو الأعلى، تحضر قارورتان طويلتان مثبتتان أرضاً، لكل منهما عروتان مقوّستان تحدّان طرفيهما العلويين. وسط هاتين القارورتين، ترتفع نخلة صغيرة تعلوها باقة من السعف تتدلى من طرفيها ربطتان من البلح تماثلان بشكل تام عناقيد العنب المجاورة لها. فوق هذه النخلة المنتصبة مباشرة، يظهر شخص بقي منه الجزء الأسفل فحسب، ويتمثّل هذا الجزء بقدمين مصوّرتين جانبياً، يعلوهما ثوب يلتفّ حول أعلى الساقين، وينسدل عند حدود الركبتين. في الطرف المقابل، تحضر مائدة تعلوها مائدة أخرى أصغر حجماً، مع كرسي صغير على شكل قاعدة في الوسط في موازاة القارورتين. فوق المائدة العليا يستقر صندوق مستطيل مزين بشبكة بنقوش توحي بأنه سلّة، وفوق هذه السلّة تحضر مساحة مستطيلة أخرى يصعب تحديد هويّتها.
شاهد قبر لثلاث نساء
عثر شارل هوبير على هذا الحجر في سنة 1884، وتميّز بنقشه الفريد. بعد زمن طويل، وأثناء المسح الشامل الذي قامت به بعثة سعودية - ألمانية مشتركة في تيماء خلال سنة 2011، عُثر على حجر طويل زيّن أعلاه بنقش تصويري مشابه. طول هذا الحجر 152 سنتمتراً، وعرضه 50 سنتمتراً، وقد جرى استعماله في أزمنة لاحقة كشاهد قبر لثلاث نساء على مدى أكثر من 350 سنة، كما يُستدلّ من الكتابات المحفورة على القسم الأسفل منه. جاءت هذه الكتابات تباعاً باللغة الآرامية، ثم بالآرامية المحلية، وبعدها بالنبطية، وتسمّي «جُزيأة بنت رجع أل»، «جزيلة بنت وائلة»، و«فضي إل بنت عبيدو».
يحتل النقش التصويري القسم الأعلى من هذا الحجر، ويتألّف من لوحتين متوازيتين مستقلتين. في اللوحة العليا، يحضر نسر يجثم في وضعية المواجهة، باسطاً جناحيه الكبيرين في الأفق. وفي الصورة السفلى، تحضر صورة تشابه في تأليفها تلك التي تظهر جزئياً على الحجر الذي اكتشفه شارل هوبير. تشكّل الكرمة إطاراً لهذه الصورة، حيث ترتفع من جذعين عموديين متقابلين، تتدلّى من كل منهما ستة عناقيد من العنب. يكتمل هذا الإطار مع صفين متوازيين من العناقيد يمتدّان أفقياً في القسم الأعلى من التأليف، يحوي كل صف منهما تسعة عشر عنقوداً. تحت عرائش هذه الكرمة، تحضر مائدة نذرية كبيرة تحدّها نخلتان صغيرتان. فوق كل نخلة يقف شخص يماثل بلباسه ووضعيته الشخص الذي يظهر جزئياً في الصورة المنقوشة على الحجر المحفوظ في اللوفر. يتواجه هذان الشخصان وهما يقومان بشعائر التقدمة كما تشهد حركة أيديهما، ويبرز بينهما شخص ثالث أكبر حجماً، ضاع جسده بسبب كسر كبير أحدث فراغاً في وسط الصورة، وبقي منه رأسه.
الكرمة والنخلة
يحمل هذان النقشان التصويريان طابعاً آشورياً، ويصعب تحديد تاريخهما بدقّة، ويرى أهل الاختصاص أنهما على الأرجح من نتاج الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن السادس قبل الميلاد. يصوّر النقشان مشهداً طقوسياً نذرياً، تحتلّ فيه الكرمة والنخلة مكاناً بارزاً، وهذان العنصران معروفان في ميراث الشرق القديم. يرد ذكر الكروم في أقدم المصادر المسمارية، وتقول هذه المصادر إن جوديا، أحد أشهر ملوك سلالة لكش التي حكمت جنوب بلاد وادي الرافدين، كان أول من زرع العنب في الأراضي المطلة على الخليج. وقيل إن سنحاريب، سادس ملوك الإمبراطورية الأشورية الحديثة، أتى بعدد من الأشجار من خارج مملكته، وغرسها في عاصمته، وباتت الكروم تنمو في تلك الحقول أكثر مما كانت عليه في أراضيها الأصلية.
كذلك، تحضر النخلة بقوة في ميراث بلاد ما بين النهرين، ونجد في الميراث الأدبي لهذه البلدان خير تعبير عن هذا الحضور في قصة تنقل سجالاً بين شجرة النخلة وشجرة الأثل، وفيه تتباهى النخلة وتجاهر بتفوّقها على شجرة الأثل، وتقارن نفسها بتربة الأرض، فهي تتغذّى النبات والحبوب، وتسعد سائر البشر، من المزارع إلى الملك، وهي البطلة المطلقة، ومن ثمارها يقتات اليتيم والأرملة من دون أي قيد.
