نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

تحضر بقوة في العراق وفي بلدان عربية مما يستدعي حضوراً نقدياً موازياً

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية
TT

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

نازك الملائكة... قدرة شعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية

نادراً ما يحتفل العرب بولادات الشعراء، إذ نجدهم دائماً يحتفلون بذكرى وفاتهم، كأننا أمم جاهزة للندب لا للفرح، لذلك جاء احتفال العراقيين هذه المرة مغايراً، حيث احتضنت بغداد فعالية كبيرة ليومين عن نازك الملائكة رعاها رئيس الوزراء العراقي المهندس محمد شياع السوداني، وحضرها بنفسه وألقى كلمة بالمناسبة، وفي الوقت نفسه حضر الفعالية أكثر من ستمائة شخصية عراقية من الوسط الأدبي والثقافي فضلاً عن حضور عشر شخصيات عربية لها مكانتها وحضورها. إذاً نازك تحضر بقوة هذه المرة وتستعيد عافيتها الأدبية والفكرية من جديد، حيث تمّت طباعة أعمالها الشعرية الكاملة في مجلدين من دار الشؤون الثقافية، وكذلك طباعة عملين نقديين عن تجربتها الإبداعية، فضلاً عن إعلان الحكومة العراقية تخصيص ساحة من ساحات بغداد ونصب تمثال لنازك الملائكة في تلك الساحة، وهذا يحدث لأول مرة حيث يُصنع تمثال لسيدة عراقية ويوضع في ساحة عامة.

مبادرة غير مسبوقة

وقبل أكثر من شهرين صدر تعميم على كل مدارس العراق بأن تكون كلمة يوم الخميس لطلاب المدارس موجَّهة عن نازك الملائكة ودورها التحديثي ودور المرأة بشكل عام، وهذا أيضاً يحدث لأول مرة؛ أن يصدر مثل هذا التعميم في الحديث عن نازك الملائكة في ساعة واحدة ولكل طلاب العراق، وكذلك صدر تعميم للبريد العراقي بأن توضع صورة نازك الملائكة وذكرى مئويتها على طابع بريدي عراقي.

إذاً نازك تحضر بقوة في العراق وفي بلدان عربية كثيرة أخرى، وهذا الحضور يستدعي حضوراً نقدياً موازياً لها، ذلك أن نازك من أكثر الشخصيات الإبداعية التي تثير الجدل وتدعو لأكثر من وقفة إزاءها. نازك الشاعرة والناقدة والتنويرية والثائرة والمنعزلة أيضاً، نازك التي كسرت عمود الشعر وفحولته التي امتدت لأكثر من أربعة عشر قرناً، حيث كان أجدادها يقولون في الشواعر أمثالها (إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها) وإذا بها بعد هذه المدة تمسك الديك وتنتف ريشه، وتطلق نظرية جديدة تخالف آراء أجدادها الشعراء، حيث تنظر إلى الوزن والقافية على أنهما عبارة عن سلسلة ثقيلة يجرّها الشاعر وراءه، حيث تقول:

«وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعدُ على قدميه بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره طيلة القرون المنصرمة الماضية. فنحن عموماً ما زلنا أسرى، تسيّرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام، ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيّدة بسلاسل الأوزان القديمة وقرقعة الألفاظ الميتة»، وهذا جزء من مقدمة ديوانها «شظايا ورماد» عام 1949، فكيف بفتاة لا تتجاوز الثلاثين من عمرها تنطلق بمثل هذه الآراء الجريئة التي تتجاوز فيها على روح الثقافة العربية التي يقف الشعر في قلبها، فالمساءلة والنقد للشعر العربي والانقلاب على ثوابته يعني فيما يعنيه الانقلاب على روح الثقافة العربية ومركزيتها، فمن أين أتت نازك بهذه الطاقة والقوة لكي تقلب الطاولة على رأس الشعر التقليدي؟

تنظير متقدم

نازك خرجت من بيت مثقف ثقافةً تقليديةً لا تمرُّد فيها، بل إن أباها وعائلتها كانوا يسخرون منها حين كتبت قصائدها الجديدة، كما أن التجارب التي سبقتها ومحاولات التمرد لم تكن تشكل ظاهرة تسحب أقدام الشعراء نحوها، غير أن العالم بدأ يتغير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والحياة بدأت تأخذ مسارات مختلفة عمّا قبلها، فالحياة التعليمية والسفر والترجمة بدأت تنمو في العالم كله، ولم يكن العراق بمعزل عن العالم، ذلك أن كبريات المجلات كانت تصل إلى بغداد، كما أن التراجم بدأت بالانتشار، والشعراء بدأوا يطّلعون على آداب العالم، ومن هنا صرحت نازك في مقدمتها لـ«شظايا ورماد»: «والذي أعتقده أن الشعر العربي يقف اليوم على حافة تطور جارف عاصف لن يبقي من الأساليب القديمة شيئاً....

أقول هذا اعتماداً على دراسة بطيئة لشعرنا المعاصر واتجاهاته، وأقولها لأنها النتيجة المنطقية لإقبالنا على قراءة الآداب الأوروبية ودراسة أحدث النظريات في الفلسفة والفن وعلم النفس، والواقع أن الذين يريدون الجمع بين الثقافة الحديثة وتقاليد الشعر القديمة أشبه بمن يعيش اليوم بملابس القرن الأول للهجرة، ونحن بين اثنين: إما أن نتعلم النظريات ونتأثر بها ونطبقها، وإما ألا نتعلمها إطلاقاً، وقد يفيدنا أن نتذكر دائماً أن التطور الذي يحدث في الفنون والآداب في عصر ما أكثر ما يكون ناشئاً عن التقاء أمّتين وأكثر».

إذاً نازك تصرّح بشكل واضح بأن التقاء ثقافات الأمم هو الذي أسهم في تغير خريطة الشعر العربي. وهذا واضح، فالأمم المغلقة لا تُنتج ولا تكرر إلا نفسها ولا تعيد إلا ما صنعه أجدادها، ولكن السؤال الأهم: هل استطاعت نازك أن تكسر فعلاً النمط التقليدي للشعر العربي؟ بمعنى هل تغيُّر عدد التفعيلات ونقصانه أو زيادته يعد كسراً للثقافة العربية ونمط تفكيرها طيلة عقود؟ أم أن التحديث لا يرتبط بالشكل فقط إن لم يكن منطلقاً من الجوهر، وأعني به التحول في الفكر ووجهة النظر والنظر إلى الآخر والمختلف عنك نظرةً معاصرةً، وإلا ما فائدة التحولات الشكلية إن لم ترافقها تحولات موضوعية وعضوية في الوقت نفسه؟

من الرومانسية إلى الواقعية

هل كانت ثورة نازك الملائكة ورفاقها ثورة عروضية فقط؟ هل أربكوا عدد التفاعيل في السطر الواحد واطمأنوا إلى أنهم أحدثوا شيئاً مهماً في تاريخ الأدب وحركته؟ أم أن الأمر أوسع من فتح أطراف البيت الشعري التقليدي وتمطيط قافيته؟ يعني هل هناك ما هو أوسع من فكرة التفاعيل؟

من حيث الموضوع، كل بدايات نازك هي امتداد للرومانسيين العرب والإنجليز من الشعراء والكتاب، ومعظم أجواء قصائدها تدور في هذا الفلك المعتم والكئيب، حيث يهيمن الليل على مناخات قصائدها، فمثلاً قصيدتها «مأساة الحياة» هي نفسها تقول عنها: «وهو عنوان يدل على تشاؤمي المطلق، وشعوري بأن الحياة كلها ألمٌ وإبهامٌ وتعقيد»، ولكنها لا تستقر على حالة واحدة، وهو جزء من تناقضات نازك وتحولاتها، فمن الذات المغلقة والعتمة والليل إلى المشاركة في الحياة العامة السياسية والاجتماعية من خلال قصائدها التي تمشي حافية القدمين في الشوارع العربية، وهنا تتحول من شاعرة رومانسية إلى شاعرة أكثر من واقعية، حيث تتبنى قضايا الأمة العربية وتدافع عن فلسطين والقدس وتدعو بقصائد ذات نبرة خطابية عالية للدفاع عن الأرض وتحريرها، حيث كرّست ديوانها الأخير «للصلاة والثورة» لفلسطين ودافعت عن القدس دفاعاً شديداً، وقد جاء هذا الديوان بعد انقطاع 3 أعوام عن الكتابة الشعرية، حيث هزّتها بطاقة تهنئة وصلت إليها، عليها صورة قبة الصخرة، فكتبت مباشرةً بعد ذلك الانقطاع:

يا قبة الصخرة

يا ورد يا ابتهالة مضيئة الفكرة

ويا هدى تسبيحة علوية النبرة

وكتبت وكتبت حتى انتهت الفسحة الفارغة على ظهر البطاقة. بعدها تواصلت بكتابة القصائد لفلسطين حتى اكتملت مجموعتها الأخيرة «للصلاة والثورة».

ولكن الذي يحدث أن النبرة الخطابية العالية والمعالجة البسيطة للقضايا الشائكة توقِع النصوص الشعرية في البرودة، والمفارقة في الأمر أن نازك الملائكة تحمل وعياً كبيراً جداً في هذا الشأن، حيث تذكر في مقدمة ديوانها «للصلاة والثورة» أن ما تكتبه لا علاقة له بالمستقبل، فهي تفترض قارئاً مستقبلياً سيأتي بعد مائة عام من ديوانها، هذا يعني في عام 2073، وتظن أن القارئ المستقبليّ لن يتفاعل مع نصوصها لأنها لم تكتب الفن لأجل الفن، إنما تكتب للدفاع عن الأرض ولتعرية الصهاينة في تلك المدة، ولكن السؤال الأهم يدور حول وعي نازك وحساسيتها تجاه الجماليات، فهي تملك حساً عالياً إزاء الجماليات الشعرية، لذلك تقول ما معناه إن نصوصها لا مستقبل لها لأنها منشغلة بالحاضر وهي لا تعير اهتماماً للمستقبل الشعري وللمتلقي المستقبلي، وهذه النظرة هي أيضاً جزء من تحولات نازك -كما ذكرنا قبل قليل- حيث تقول في مقدمة ديوانها «للصلاة والثورة»: «... هل ينبغي أن نطمس أحاسيسنا اليوم من أجل أن يتذوق قصائدنا حفيد شاعر سيعيش عام 2073؟ هل نترك دماءنا تُراق وجثثنا تُرمى من شبابيك الطابق الرابع من المباني الصهيونية دون أن نصوّرها في شِعرنا لمجرد أن نُرضي هذا الحفيد الذي يعيش أبعاداً ثلاثة أخرى غير أبعادنا الثلاثة؟

الجواب: لا. إن ذلك سيكون منّا انتحاراً، لا بل إن سكوتنا قد يقتل هذا الحفيد ويحرمه فرصةً يولَد فيها، فنحن نقاتل بشِعرنا وقوافينا من أجله»، إذاً نازك واضحة تمام الوضوح وبقصدية عالية في كتابة الشعر وبوصف الشعر لديها سلاحاً تدافع فيه، فنحن نقاتل بشِعرنا وقوافينا، على حد قولها، ولكنها في المقدمة ذاتها وبين الأسطر تناقض نفسها حين تذكر أن «القصيدة الحيّة تُديم التاريخ بكل أبعاده وتعطيه الخلود...»، إذاً هي تفكر في خلود القصيدة أيضاً، وما كلامها عن ذلك الحفيد الذي سيأتي بعد مئة عام إلا انفعال عاطفي أمْلته عليها ظروف المرحلة، إلا أن هذه النظرة المتناقضة جزء من تحولات نازك الملائكة المعروفة، فهي تقدح الشرارة العظيمة وحين تصبح ناراً يتدفأ بها الكثيرون، تأتي وتنفخ على تلك النار المتوقدة فتطفئها، ومن ثم تعود بعد أيام وتقدح ناراً جديدة.

تعاليم صارمة

وهكذا تواصل تناقضاتها واستفزازاتها الأدبية الكبرى، وهذا الأمر لا يتعلق بالشعر فقط إنما في أفكارها النقدية المهمة أيضاً، فهي الرائدة الكبيرة التي تحمل وعياً عظيماً في التنظير والتجديد والتحديث مقارنةً برفاقها الرواد، حيث قرنت كل دواوينها الشعرية بمقدمات نظرية تطرح من خلالها رؤيتها للتحولات الشعرية، وما مقدمتها لديوان «شظايا ورماد» إلا بيان نقدي للحداثة الشعرية، ومن ثم توالت رؤيتها النقدية في كتابها الأشهر «قضايا الشعر المعاصر»، ولكنها لم تستمر على هذا النمط، إنما تحولت إلى معلمة شديدة السطوة على الشعراء وبدأت تطلق تعاليمها على الأجيال الشعرية: اكتب كذا ولا تكتب كذا. ومن يعد لمقدمة «شظايا ورماد» يجدها استشهدت في السطر الأول بعبارة برناردشو «اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية»، وتتخذ من هذه العبارة قاعدة تسير عليها ملؤها التمرد والتجدد، ولكنها تعود بعد سنوات في كتابها «سيكولوجية الشعر» لفرض قواعد على الشعراء الذين جاءوا بعدها، وبدأت تفرض قوانينها على الحركة الشعرية، مما عرّضها لموجة من النقد الشديد وُصفت بالرِّدة عن مشروع الحداثة، بل إنها وقفت في وجه الكثير من الشعراء الشباب الذين حاولوا الخروج عن أو على مشروع الريادة، وبهذا فإن مشروع التحديث لدى نازك الملائكة مربك بصراحة، فهي تملك الوعي العالي بمشكلات الشعر العربي، وتشخّصه بدقة تامة.

العودة للأصول

ولكنها بعد مدة تعود للأصول كأي عربي متمسك بأصوله التقليدية، والمسألة الأخرى هي المقدرة الشعرية، فهي مقارنةً بوعيها العالي نجد المنجز الشعري في منطقة أخرى إلا في بعض الاستثناءات التي يقول عنها عبد الوهاب البياتي إنها لو استمرت كما بدأت لكانت أعظم شاعرة عربية، ولكنّ قدرتها الشعرية لم تكن بمستوى قدرتها النقدية، وهذا يبدو جزءاً من شخصية نازك المنطوية والمنفتحة والحداثية والتقليدية والمغامرة والمترددة والصامتة والصادحة ولكنها تبقى علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي الحديث وصوتاً مهماً عبَّر عن مرحلته أفضل تعبير، لهذا دخلت نازك لكل مناهج التربية والتعليم في الوطن العربي وحفظ قصائدها كل الفتيان والشباب بوصفها شاعرة مجددة في مرحلة من مراحل شعرنا العربي.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.