«السقراطيّة الجديدة»... عودة الفلسفة إلى الجمهور

على الفيلسوف ألا ينسى أنّ قيمته الفعليّة مستمدة من مدى تأثيره في الجمهور

سقراط
سقراط
TT

«السقراطيّة الجديدة»... عودة الفلسفة إلى الجمهور

سقراط
سقراط

بدأت الفلسفة، وفق ما يخبرنا الكُتّاب الأوروبيّون في شوارع أثينا القديمة، عندما كان سقراط (470 ق.م – 330 ق.م)، المعلّم المحبوب يجتمع بالشبان، وبعضهم من علية القوم مثل أفلاطون وإلسبيادس، ويتحداهم لمساءلة الأوضاع القائمة للعالم من حولهم، في السياسة والطبقات، كما في الأخلاق ومعنى الوجود، طارحاً عليهم أسئلة أساسيّة، ما زالت إلى يومنا هذا موضع أخذ وردّ. وعلى الرّغم من أن سقراط لم يترك إرثاً مكتوباً - إذ نعرف عنه من خلال ما دوَّنه تلميذه أفلاطون - فقد شكلت هذه المجموعة الصغيرة من الشبّان الأثينيين محبِّي الحكمة الذين تحلقوا حول معلمهم المثير للجدل، نواة ما يُعرَف بالفلسفة (الغربيّة)، وأطلقت إلى الفضاء العام في مدينة أوروبيّة بارزة حينئذ مساراً يعتبر الحياة بغير بحث وحديث وشكّ غير جديرة بأن يحياها أيّ إنسان - أقلّه من غير العبيد - ونهجاً منفتحاً للتفكير والتفلسف مع الجمهور وله، خارج الأبراج العاجيّة للأكاديميّات والمدارس العليا.

على أن هذا المزاج الديمقراطيّ في التفكّر التفاعليّ بشؤون الحياة والمجتمع ما لبث أن انزوى تدريجيّاً مع غياب سقراط بقبوله تعاطي السمّ، وفق حكم نخبة أثينا عليه - لإفساده عقول الشبان - وانسحبت الفلسفة تالياً إلى أروقة الخاصّة وغرف الدّرس المنعزلة ومجالس الأثرياء المتنورين، ولم يعد متوقعاً، ولا مسموحاً للعامة، بعبور بوابة العوالم الفلسفيّة، لا بلّ أصبح جزء من الإعداد الفلسفيّ يتعلّق بالتّدريب على استخدام لغة ومصطلحات مغلقة على الجمهور يقتصر إدراكها على ذوي الاختصاص، لا سيّما في العصور الوسطى؛ أي عندما وجد المتعاطون للفلسفة أنّ السلامة في المجتمعات التي تهيمن عليها الأديان تقتضي إبقاء العامة (والسلطات) عند مستوى الظاهر حصراً.

عزل الفلسفة (الغربيّة) - وحاملها العربي/ الإسلامي خلال عصور الظلام الأوروبيّة - عن العامّة، زرع في ذهن الجمهور ردّة فعل سلبيّة تجاه الخطاب الفلسفي بعمومه، وأصبح تعاطيها عند رجل الشارع - وغالب أرباب السلطة - كناية عن إزجاء الوقت بما لا طائل من ورائه، ولا منفعة عمليّة، ومهنة من لا مهنة له.

وقد استمرت هذه الحال إلى وقت قريب، رغم محاولاتٍ بذَلها بعض فلاسفة الأنوار، ولاحقاً كارل ماركس، ورفيقه فريدريك إنجلز، خلال القرن التاسع عشر، لتقريب بعض المفاهيم الفلسفيّة الأساسيّة للناشطين من العمّال والنّقابيين، لكّن تلاميذهما ما لبثوا وخلعوا على الممارسة الماركسيّة للفلسفة غموضاً نخبوياً، وانتهت الماركسيّة بدورها كما أنظمة التفكير الفلسفيّ الأخرى، نادياً مغلقاً على الخاصّة والمتفرغين.

قفزات الألفية الثالثة

وإذا كان الفلاسفة في القرن العشرين قد نجحوا - لعوامل عدّة متقاطعة - في نيل مكانة أكثر قبولاً من الجمهور، وتحوّل بعضهم مثل جان بول سارتر، وجيل دولوز، إلى مشاهير، إلا أنّ ذلك لم ينعكس بالضرورة على الخطاب الفلسفي (الغربيّ)، الذي ظلّ إلى حد بعيد نخبوياً ومتحذلقاً، وساعدت السلطات - لأسباب مفهومة وبشكل مباشر أو غير مباشر - في تكريس إبعاده عن الحياة اليوميّة للمواطنين. ولعلّ قراءة أي عمل لدولوز مثلاً تُظهر سريعاً استغلاق المقاصد على غير المتخصص، والحاجة إلى تدريب مستفيض قبل الإقدام على محاولة عبور النّص واستكناه معانيه.

على أنّ اقتراب الألفيّة الثالثة جلب معه قفزات هائلة في العلوم النظريّة بالاستفادة من تطور تكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي وأدوات البحث العلمي على نحو انتقلت معه مادة العمل الفلسفيّ، ربما من دون اسمها، إلى مجالات الفيزياء وعلوم الأعصاب والجيولوجيا والآثار والرياضيّات والعقول الإلكترونيّة والقانون، فيما انتهت مدارس الفلسفة بالأكاديميات الغربيّة دون مادتها إلى الارتباك، وانقسمت بين الفضاءات الرئيسة الثلاثة لها الألمانية والفرنسيّة والأنجلوسكسونية، إلى مجالات غير مترابطة: في مكان ما تسعى إلى وضع معايير محددة للدّقة أو العدالة أو الحقيقة، دون أن يعبأ بها أحد، وفي مكان آخر تعمل على معالجة قضايا نظرية أو عملية موغلة في التخصص بحيث يتعذّر الاستفادة من معطياتها، أو هي في مكان ثالث لا تزيد عن مصانع خريجين خبرتهم مضغ التراث الفلسفي المتراكم منذ «جمهوريّة» أفلاطون، وكتابة مطولات في المقارنة بين المدارس الفلسفيّة لا يقرؤها أحياناً سوى أفراد معدودين على الأصابع، وينتهي أغلبهم إلى تولّي وظائف في البنوك، أو يعملون مساعدين للسياسيين.

سارتر

على أنّ ثمة شبحاً جديداً يحوم، اليوم، في سماء الفلسفة الغربيّة: الفلسفة الشعبيّة. لقد أدرك بعض أساتذة الفلسفة المعاصرين عبث خروجهم التاريخي عن نهج سقراط، وانطلق بعضهم في البحث عن مناهج وقنوات لأخذ منافع ما تبقّى من مادة علمهم إلى الجمهور، وطرح أفكار حول طرائق يمكن من خلالها لغير المتخصصين - أفراداً ومجموعات لا بل ومجتمعات - الاستفادة من الفلسفة في تفكيك علاقة الإنسان بالعالم حوله، في ظلّ انتهاء الأفكار اليقينيّة الكبرى التي استعان بها أجدادنا على تمضية الوقت، والقناعة المتزايدة باستحالة التنبؤ بالمستقبل بأي درجة مقبولة من الدّقة. فظهرت في ألمانيا مثلاً مدرسة «التوجه أو Orientation Philosophy» التي أطلقها البروفسيور ويرنر ستيغماير وتلميذه الدكتور راينهارد موللر وتخاطب أساساً الأفراد غير المتخصصين، وتمكِّنهم من استخراج خلاصات عمليّة من مجمل النتاج الفلسفي المتراكم، وتوظيفها بعيداً عن المسائل المغرقة في التجريد، للنظر في وسائل أكثر نجاعة عند إدارة تموضعهم من العالم والأشياء والناس والأحداث، ومنح إنسان القرن الحادي والعشرين الأدوات للتعاطي مع المؤقت والعابر والمتغيّر، وتحسين قدرته على اتخاذ القرارات في أجواء عدم التيقّن الغالبة، مع محاولة القبض على الكيفيّة التي تكتسب فيها تلك القرارات (العمليّة) قيمة معنوية وأخلاقية، وكيف تتأثر بالظواهر المستجدّة للعولمة والرّقمنة، وأسرار علاقتها بالميتافيزيقا، ودائماً دون توقع أسباب أو مبررات أو تقييمات عالمية سرمديّة الطابع. أما في فرنسا، فقد توسعت ظاهرة «الفلسفة الشعبيّة» أو «مقاهي سقراط»، وعمد فلاسفة جدد مثل روى مارك سوتيه إلى تعميم الممارسة الفلسفيّة، عبر إصلاح لغة الخطاب الفلسفيّ باعتماد نماذج مبسطة تمكِّن الإنسان العاديّ من استيعاب مغازيها، وكذلك بطرحها موضوعات راهنة وعمليّة، واستخدام قنوات متعددة للربط مع الجمهور، سواء من خلال وسائل الإعلام، أو مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، أو حتى من خلال المقاهي الفلسفيّة، ونزول الفلاسفة من معتزلاتهم إلى الشارع مجدداً. أما في الحيّز الأنجلوساكسوني فقد تبلور ما يُعرَف بـ«الفلسفة العامّة»، وهما فعلياً مدرستان متوازيتان، إحداهما تستهدف جلب الفلسفة إلى حيّز الفضاء العام، عبر تقديم معالجات لمسائل مطروحة وآنيّة في السياسة والقضايا الاجتماعية وأخلاقيات العلم والقانون ومن أشهر ممثليها كورنيل ويست ومارثا نوسباوم وجاك راسيل وينشتاين (ويوازيهم في ألمانيا يورغان هابرماس)، والأخرى بجلب الفلاسفة أنفسهم إلى الأماكن العامة، والانخراط في نقاشات فلسفيّة مع الجمهور غير المتخصص ضمن بيئات غير أكاديميّة على فلاسفة مثل الناشطة جين آدم والسلوفيني سلوفاج جيجيك.

عودة متأخرة لسقراط

جيل دولوز

وتطرح هذه العودة المتأخرة للفلسفة إلى الطريقة «السّقراطيّة» تساؤلات حول التأثيرات بعيدة المدى للاشتباك المُستعاد بين «محبة الحكمة» والجمهور العام، فهل سينعكس توسيع نطاق الجدل الفلسفيّ وقاعدة المنخرطين به إيجاباً على «المحتوى»، أم أنّه سيؤدي في المحصّلة إلى ابتذال الخطاب، وانخراط الفلسفة في دوامة الشعبوي والمسيَّس والمنفعل؟

إن الفلسفة، اليوم - بعد أن فقدت حصريتها في تعاطي الأسئلة الكبرى لمصلحة العلوم الصاعدة - تتطلب أن يصبح الفيلسوف تلميذاً للمعرفة المجتمعية، وألا ينسى أنّ قيمته الفعليّة مستمدة من مدى تأثيره في الجمهور، وأنّه في النهاية جزء من هذا الجمهور، مع الإقرار بأن المحتوى الفلسفيّ يمكن أن يستفيد بقدر كبير من التواصل مع الفضاء العام، أقله لناحيّة طرح الأسئلة، أو إعادة صياغتها، تماماً كما يمكن للجمهور أن يستفيد من الاحتكاك بالفلسفة في العثور على إجابات قد تكون أكثر عقلانيّة - بمعنى التغلّب على الأحكام المسبقة، والمعلومات المضللة، والمنطق الخاطئ، والمواقف الغريزية - تجاه التحديات التي تستمر الحياة باستيلادها له. وقد يكون ذلك أفضل ردّ اعتبار للحكيم سقراط من نخبة أثينا، التي أرعبها أن يبدأ العامة التفكير وطرح الأسئلة.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended