ليس بالتشويق وحده تحيا الرواية!

عندما يتحوّلُ إلى هاجس مسبّق عند الكاتب فتلك هي المثلبة بعينها

ليس بالتشويق وحده تحيا الرواية!
TT

ليس بالتشويق وحده تحيا الرواية!

ليس بالتشويق وحده تحيا الرواية!

أنا روائية في المقام الأوّل. هكذا عرفتُ نفسي وميولي الطبيعية منذ بواكيري الأولى؛ لذا سيكون أمراً طبيعياً ومتوقعاً أن أتابع الأدبيات المختصة بالفن الروائي تاريخاً وتقنيات، فضلاً عن الإلمام بالممكن والمتاح من الإصدارات الروائية العالمية وهي كثيرة ومتنوعة المشارب. هذه الكثرة تفرضُ حتمية القراءات المنتقاة. أنتَ في النهاية لن تستطيع قراءة كل إصدار روائي حديث. لكلّ مهتم بالرواية مقاربتُه الذاتية: البعضُ يتابع أسماء بعينها لشيوعها ورسوخها عبر سنوات عديدة من النشر، وهناك بعضُ القرّاء ممّن يكتفي بالمترجَم إلى العربية، لأن لا سبيل له إلى قراءة لغة سواها، والبعض الآخر يقرأ نتاجاتٍ سبق أن قرأ لها تقريضاً في مراجعات الكتب العالمية. أنا من هذا الصنف الأخير. أقرأ في العادة روايات سبق أن أطراها نقّادٌ مرموقون ومعروفون برفعة صنعتهم النقدية ورؤيتهم لمكامن الإبداع في الأعمال الروائية.

تعلّمتُ منذ سنوات عدّة أنّ كسر القاعدة السائدة ربما يأتي معه خيرٌ لم أتوقّعه. عندما نقرأ وفقاً لتوقعات مسبقة فنحنُ نهمّشُ عنصر المفاجأة بكلّ ما ينطوي عليه من إمكانات غير محسوبة قد تدفعنا للاندهاش وترديد عبارة: ما هذا الجمال الكتابي الذي أراه؟ لماذا لم أقرأ لهذا الكاتب/ الكاتبة من قبلُ؟ لكن برغم ذلك ليس من المُجْدي تحويل كامل فعالية القراءة إلى مغامرات في المجهول قد تنتهي بصيد طيب في أحايين قليلة، أو صيد هزيل معظم الوقت. المقاربة الأفضل - كما أرى - هي القراءات المخطط لها بصورة مسبقة مع تنويعات في القراءة الروائية تتضمّنُ بعضاً قليلاً من قراءات غير مخطط لها. الوقت ليس منحة مجانية لنا مثلما أنّ طاقتنا الجسدية وقدرتنا العقلية ليستا مفتوحتي النهايات من غير حساب.من تلك القراءات القليلة غير المخطط لها أختارُ كلّ بضعة شهور بعضاً من الروايات التي تُصنّفُ في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً (البيست سيلرز Bestsellers): روايات ستيفن كينغ ودان براون وجّيْ . كَيْ. رولينغ وغيوم ميسو وآخرين على شاكلتهم. أعرفُ أنّ «البيست سيلرز» لعبة ماكرة تلعبها أطراف عدّة تتخادم فيما بينها على اقتناص المزيد من المال والسطوة في سوق الرواية العالمية الرائجة؛ لكني أحدّثُ نفسي: المواقف المسبّقة خطأ جوهري. قد يكسر فلان أو فلانة توقعاتك.

قرأتُ في سنوات سابقة بعضاً من روايات ستيفن كينغ، وكلّ الروايات المنشورة لدان براون. قناعتي التي انتهيتُ إليها هي أنّ دان براون هو أفضلُ روائيي الكتابة التشويقية ممّن يحققون مبيعات مليونية؛ لكنّ التشويق يبقى لديه هاجساً مسبقاً بدلاً من أن يكون عنصراً تعضّده عناصر أخرى في الكتابة الروائية. حدّثتني نفسي أن أجرّب قراءة الفرنسي غيوم ميسو. قرأت له روايتيْن (حياة الكاتب السرية) و(الحياة رواية). تبدأ الروايتان بدايات واعدة تدفعك للقول: ربما هناك ما هو ثري من الخبرة والمتعة بعد هذه البدايات الواعدة؛ لكنّ الأمر ذاته يتكرّر مع أغلب الروايات الأكثر مبيعاً. تنحلُّ الرواية إلى واقعة بوليسية مشحونة بعناصر الترقّب أو ما يصطلحُ عليه بالتشويق (Suspense).

مثال أغاثا كريستي

جرّبتُ قبل بضعة أشهر كذلك قراءة رواية مترجمة عنوانها «المعادلة الإلهية» كتبها الروائي البرتغالي خوزيه آر. دوس سانتوس. كان دافعي لقراءتها عنوانها الذي يوحي للقارئ بشيء من محاولات الفيزيائيين في بلوغ النظرية النهائية (The Final Theory) في توحيد القوى الكونية، وربما أضافت صورة آينشتاين على الغلاف نوعاً من الدافعية لقراءة الرواية. وظّف الروائي في بداية روايته شيئاً من الأفكار الفيزيائية بحديثه عن القنبلة النووية والحدود القلقة بين صانعي العلم والتقنية من جهة، وصانعي السياسات التنفيذية من جهة أخرى. تنتهي الرواية آخر المطاف إلى أن تكون عملية مطاردة بوليسية تكاد تقاربُ حدود الفعل الصبياني وحذلقات لاعبي السيرك.

تصلحُ أغاثا كريستي لأن تكون مثالاً نموذجياً في هذا الشأن. ربما تكون كريستي الكاتبةَ التي تسيّدت عقول معظم القرّاء في بواكير شبابهم. هذه حقيقة عالمية وليست محلية؛ فقد بيع من رواياتها ما يقاربُ المليارين من النسخ، وبهذا تكون كتبها الأكثر مبيعاً على مستوى العالم بعد كتب شكسبير. هذا ما تخبرنا إياه الإحصائيات العالمية المعتمدة.

لم أحب أعمال أغاثا كريستي قط. ما تكتبه مشوّقٌ بالتأكيد لكثرة من القرّاء الذين لستُ واحدة منهم. هل سأجادلُ أنّ كتابات كريستي غير مشوّقة؟ هذا خطأ بالتأكيد. هي مشوّقة لكثرة من القرّاء الذين يتجاوزون المليارات؛ لكنها ليست مشوقة للجميع وفي كل الأزمان.

التشويق ليس وصفة مثل مطيبات الطعام، وليس سلسلة من الاستراتيجيات الكتابية. يمكن القولُ إنّ التشويق المكثف ينحصرُ في الروايات البوليسية وبعض روايات الخيال العلمي وكتب المغامرة والاستكشاف، وهي في غالبها ممّا يتوق له الفتيان والشباب.

تفاصيل عديدة يمكن إثارتها بشأن التشويق في الكتابة. التشويق ليس ميداناً لألاعيب السحرة مثلما هو ليس صنعة يختصّ بها الكاتب وحده؛ بل هو عملية تخصُّ القارئ أيضاً. تتحقق الفاعلية التشويقية عندما يلامس الكاتب وتراً في قلب القارئ وعقله، ولن يتحقق هذا الأمر إلا إذا كان القارئ يمتلك تطلعات ذهنية ومعرفية في الميدان الذي يكتب فيه الكاتب. هنا سينكشف السبب الذي يجعل من الروايات البوليسية والخيال العلمي الجارف والمغامرة الميدانَ الأولَ الذي يجعله الكاتب ساحة تجريبية لمغامراته الكتابية: هذا الميدان لا يتطلّبُ إعدادات معرفية مسبقة ومكثّفة، وكلّ ما يتطلبه الأمر هو أن يترك القارئ نفسه تنسابُ مع العمل مثل جذع شجرة يابسة تجرفها المياه الدافقة في نهر فائض. مشاركة القارئ تستلزم ألا يكون عنصراً حيادياً أو سلبياً (Passive)، وهذا ما لا يريده معظم القرّاء. ثمّة كثرةٌ من القارئات والقرّاء تتطلّعُ إلى جعل الرواية ميداناً يتفلّتون فيه من قيود الواقع واشتراطاته القاسية. الرواية عند هؤلاء لعبة إيهامية تتجاوز حدود تفعيل الخيال الخلاق إلى تعطيل الحواس والانسياق مع لعبة المطاردة البوليسية. الرواية قد تستحيل لدى هؤلاء لعبة حاسوبية تستغرق ساعات ينسى فيها المرء نفسه وسط متاهة مطاردات وأفعال خشنة تكتنفها - في أغلب الأحايين - رائحة جثث ودماء ومشاهد قتلٍ مريعة.

التشويق ليس مقصوراً على ميدان الرواية. جرّب أن تتصفح منشورات «الأمازون» وسترى العجب: دفقٌ متعاظم لا ينتهي من الكتب التي تتناولُ شتى الموضوعات وأدق التفاصيل. أتساءل دوماً: لِمَنْ كُتِبت هذه الكتب؟ يوجد في العالم ما يتجاوز السبعة مليارات من البشر، ولن يكون صعباً وجودُ بضعة آلاف أو عشرات آلاف ممّن يجدون هذه الأعمال مشوّقة لهم. قد لا تجدها أنت كذلك؛ لكنّ مسوّقي الكتب سيقولون لك: هذا شأنك مثلما للآخرين شأنهم. نحنُ أدرى بسوق الكتب و«ما يطلبه القارئون!!». الإحصائيات لدينا تتحدّث وتتحوّل إلى سياسات تسويقية نجني منها أرباحاً مجزية. الأرقام لا تكذب (Numbers Don't Lie). لسنا مجموعة ساذجين لننشر كتباً لن يقرأها أحد.

عقولنا ليست نسخاً متشابهة خرجت من مصنع تعليب واحد، ومن الطبيعي أن تكون استجابتنا متباينة للأعمال المكتوبة، روايات كانت أم غيرها، وسيكون أمراً لازماً أن نتواضع عند الحديث عن تجارب سوانا بدل القفز إلى تعميمات مجانية تلصق التشويق بكتاب دون آخر، أو بكاتب دون سواه. أنت لست مرجعية في التشويق. كلٌّ منّا هو مرجعية ذاته في نهاية الأمر.

ما أريد قوله باختصار هو التالي: التشويق ليس مثلبة روائية؛ لكن عندما يتحوّلُ إلى هاجس مسبّق أحادي ومتفرّد عند الكاتب فتلك هي المثلبة بعينها. يعتمد الروائيون المهجوسون بعنصر التشويق دون سواه استراتيجية كتابية تقوم على المشهديات المصممة لتكون عناصر في سيناريو فيلم هوليوودي. قد يحقق هؤلاء مبيعات مليونية. ليس هذا دليل مهارة روائية، بل هي بعض مفاعيل قانون العرض والطلب في سوق مفتوحة توصف في الأدبيات الاقتصادية بأنها «سوق حرّة»؛ لكن قلّما تناول أحد النقّاد المَهَرَة هذه الروايات بمبضعه التشريحي لأنهم لا يعدّونها روايات رصينة.

أحادية السياق في الكتابة الروائية هي إحالة مباشرة وتذكرة فورية بعصر بداية الكتابة الروائية. هنالك سياقات متعددة وأكاد أقول أنساقاً متعددة في الكتابة الروائية الحديثة التي انبثقت في حقبة ما بعد الرواية الحداثية، ومن تلك الأنساق – بل وفي مقدمتها: التراكيب الزمنية اللاخطية والتداخلات المكثفة في الزمان والمكان بما قد يشي بنمط من التشظية القصدية للعمل الروائي. لم تعُد الرواية كتلة صلدة من الحقائق أو الأفكار أو التوصيفات الراكزة في حيز محدد من الزمان والمكان، بل صارت السيولة والانزياحات المستمرة هي الاستراتيجية المعتمدة. هذا أمرٌ تلازم بالتأكيد مع التطوّرات الثورية في العلم والتقنية وضرورة تدريب العقل البشري على معايشة فكر التغيّر الحثيث والزحزحات المستديمة. الرواية في نهاية الأمر ليست جسماً غريباً عن هذا العالم؛ بل هي إحدى الوسائل العضوية لعكس رؤيتنا عن هذا العالم في محاولة فهمه بكيفية تبعث - قدر الاستطاعة وكلّما أمكن هذا - على النشوة والإمتاع.

قد تساعد بعض الحِيَل التشويقية واللمسات البوليسية في كتابة رواية تبيع بالملايين؛ لكنّ هذه الحِيَل ما كانت – وأحسبها لن تكون يوماً ما – وسيلة لانضمام كُتّابها إلى نادي كِبار الروائيين.


مقالات ذات صلة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».