لأول مرة منذ 12 عاماً... مؤتمر عن الآثار في سوريا بمشاركة بعثات أجنبية

لأول مرة منذ 12 عاماً... مؤتمر عن الآثار في سوريا بمشاركة بعثات أجنبية
TT

لأول مرة منذ 12 عاماً... مؤتمر عن الآثار في سوريا بمشاركة بعثات أجنبية

لأول مرة منذ 12 عاماً... مؤتمر عن الآثار في سوريا بمشاركة بعثات أجنبية

لأول مرة منذ أحد عشر عاماً تعقد وزارة الثقافة السورية مؤتمراً «دولياً» في دمشق يتعلق بالآثار في سوريا بمشاركة عدد من المختصين والبعثات الأثرية الأجنبية العاملة في سوريا.

وتتناول أعمال المؤتمر الذي انعقد اليوم الأحد بدمشق ويستمر يومين «آخر نتائج الأبحاث الأثرية السورية وتداعيات الزلزال» بمشاركة مجموعة من الباحثين الأجانب من إيطاليا وبولونيا وهنغاريا والتشيك، حيث يعرضون نتائج أبحاثهم الأثرية في المواقع السورية التي يعملون بها، وفق ما جاء في بيان لوزارة الثقافة بدمشق.

وافتتحت وزيرة الثقافة السورية لبانة مشوح المؤتمر بحضور وزير السياحة، والذي تقيمه المديرية العامة للآثار والمتاحف بالتعاون مع وزارة السياحة في القاعة الشامية بالمتحف الوطني،

ولفتت إلى أن بعض البعثات لم «تغادر سوريا في أحلك وأصعب الظروف التي مرت عليها»، كالبعثة الهنغارية التي تابعت أعمالها في قلعتي الحصن والمرقب. وبعض البعثات عادت إلى سوريا عام 2019. وهناك خمس بعثات إيطالية تعمل في عدد من التلال (تل إيبلا وطوقان،

وفرزت ريف دمشق، وعمريت، وتل الكزل كركوس). وعلى هامش المؤتمر افتتح معرض «ترميم» على سور حديقة المتحف الوطني، وتضمن أهم أعمال الترميم التي نفذت من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف في عدد من المباني الأثرية، كما جرى زرع شجرة حمضيات في حديقة المتحف باسم عالم الآثار الإيطالي باولو ماتييه تكريماً لجهوده.

وتعرضت مواقع أثرية كثيرة لأضرار بسبب الزلزال الذي وقع في 6 فبراير (شباط) الماضي، أبرزها قلعة حلب حيث سقطت أجزاء من الطاحونة، وحدث تشقق وتصدع وسقوط أجزاء من الأسوار الدفاعية الشمالية الشرقية. كما سقطت أجزاء كبيرة من قبة منارة الجامع الأيوبي، وتضررت مداخل القلعة وبعض القطع الأثرية المتحفية داخل خزائن العرض، وظهرت تصدعات وتشققات على واجهة المتحف الوطني في حلب.

كما تعرّض حي العقبة التاريخي وحي الجلوم التاريخي لبعض التضرر، وسقط عدد من مآذن الجوامع التاريخية في حلب. وفي مدينة حماة سقطت أجزاء من منازل تاريخية خاصة، وحدثت تشققات وتصدعات في الكثير من المباني الأثرية في المدينة كمصلى خان رستم باشا، ومئذنة جامع الحسنين، وفي طرطوس تضررت بعض المباني داخل قلعة المرقب على مشارف بانياس وسقوط أجزاء من حجارة بعض الجدران وكتلة من برج دائري في الجهة الشمالية، كما سقط الجرف الصخري في محيط قلعة القدموس.


مقالات ذات صلة

تطوير منطقة الكوربة بمصر الجديدة لإبراز طابعها التراثي

يوميات الشرق طُرز معمارية مميزة بمصر الجديدة (وزارة التنمية المحلية)

تطوير منطقة الكوربة بمصر الجديدة لإبراز طابعها التراثي

تُواصل الإدارة المحلية بمصر عمليات تطوير القاهرة التاريخية والقاهرة الخديوية والمناطق المحيطة بها.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق منزل (ديواني) في الشارقة (الشرق الأوسط)

منزل إماراتي يستلهم تراث القاهرة التاريخية والخطوط النادرة

في الشارقة صمم الفنان الإماراتي هشام المظلوم منزله الخاص، وسماه «ديواني»، لكنه ليس مجرد منزل بالمعنى المتعارف عليه، بل يُوصف بأنه «تحفة معمارية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق حفل في منطقة الأهرامات (الشرق الأوسط)

دعوى قضائية تعيد الجدل بشأن الحفلات «الصاخبة» في منطقة الأهرامات

تجدد الجدل في مصر بشأن إقامة الحفلات الفنية الصاخبة في منطقة أهرامات الجيزة، على خلفية دعوة قضائية طالبت السلطات بإلغائها، محذرة من تأثيرها السلبي.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مسكوكات من جزيرة فيلكا

مسكوكات من جزيرة فيلكا

تقع جزيرة فيلكا في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي، وتتبع في زمننا دولة الكويت، ولعلّها أشهر المواقع الأثرية الخاصة بهذه الدولة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق جولة لوزير السياحة والآثار خلال زيارته محافظة الأقصر (وزارة السياحة والآثار) play-circle 01:19

سرقات الآثار تثير غضباً وتساؤلات في مصر

جددت واقعة اختفاء لوحة أثرية من الحجر الجيري من مخزن للآثار بمنطقة سقارة، حالة الغضب في مصر تجاه منظومة حماية الآثار.

رحاب عليوة (القاهرة )

أمراء على إمارة مستحيلة

أمين نخلة
أمين نخلة
TT

أمراء على إمارة مستحيلة

أمين نخلة
أمين نخلة

لم تكن علاقة الشعراء بالسلطة لتستقر يوماً على حال واحد أو شكل نهائي، بل كانت على الدوام محكومة بالكثير من المفارقات والمشاعر المتداخلة والسلوكيات المتناقضة. وقد وجدت هذه السلوكيات تعبيراتها المثلى من خلال إلحاح الشعراء على رفض السلطة الحاكمة من جهة، وسعيهم المقابل إلى امتداحها والالتحاق بها من جهة أخرى. ومع أنهم يعرفون في قرارتهم أن ما أوتوه من عناصر الإلهام يمنحهم جواز سفر صالحاً للخلود، والسلطة على الأبدية، فإن الطبيعة الملتبسة والمؤجلة لهذه السلطة، تجعلهم دائمي السعي لامتلاك سلطة أرضية ذات معالم واضحة ونفوذ مرئي.

وقد يكون في خطاب الأخطل، وقد تعتعه السكْر، لعبد الملك بن مروان: «أتيت أجر الذيل تيهاً كأنني، عليك أميرَ المؤمنين أميرُ»، ما يؤكد أن العقل الباطني للشاعر، كان مسكوناً بهاجس الحلول محل ممدوحه، الأمر الذي يمكّنه بالتالي من التمتع بامتيازات الحكم ومباهجه وجبروته. أما الدليل الأبلغ على ما يستبد بالشعراء من شهوة الحكم، فيتمثل في سعي المتنبي الحثيث لأن ينتزع لنفسه، ولو رقعة متواضعة من الأرض، يحقق من خلالها تطلعه المزمن إلى السلطة، رغم علمه الأكيد بأنه يتربع على عرش شعري، لم يكف الناطقون بلغة الضاد عن محاولة الدنو منه، أو مقاسمته إياه.

أحمد شوقي

والأرجح أن إقرار الشعراء بعجزهم عن منافسة الحكام فوق حلبات الواقع المحسوس، هو الذي جعلهم ينقلون المنافسة إلى حلبات المجاز، بحثاً عن السبق الشعري والمكانة المتقدمة. ولم يكن سخط كعب بن زهير على النابغة الذبياني، إثر تفضيل الخنساء عليه في مباهلات سوق عكاظ، سوى الدليل الأمثل على رغبته الحاسمة في أن ينتزع لنفسه موقع الصدارة الشعرية. لكن سعي الأقدمين إلى تقسيم الشعراء بين مراتب وطبقات، كما فعل ابن قتيبة وابن سلام الجمحي، لم يدفعهم إلى تنصيب أحد منهم أميراً مطلقاً على أقرانه، بحيث ظل لقب الشاعر الأول موزعاً بين التجارب المتنوعة لشعراء المعلقات في الجاهلية، وصولاً إلى المتأخرين كأبي تمام والبحتري وأبي نواس والمتنبي وغيرهم.

كان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يثير تنصيب أحمد شوقي أميراً للشعراء في عام 1927، كل ذلك القدر من ردود الفعل، التي تراوحت دائرتها بين الترحيب الشعبي والوطني الواسع، وبين السخط العارم الذي أبداه إزاء الحدث الاستثنائي بعض الأعلام الكبار. وإذا لم يكن مفاجئاً أن يتخذ كل من العقاد وطه حسين موقفاً سلبياً من تتويج الشاعر، الذي طالما اعتبروه نسخة مكررة عن شعرية الأسلاف، فإن المفاجئ هو أن يشارك في حفل التتويج بعض منافسي شوقي ومزاحميه على اللقب، مثل حافظ إبراهيم وخليل مطران. والأرجح أن الرعاية الرسمية للاحتفال، فضلاً عن البعد الوطني للمناسبة، هي التي حسمت بالنسبة للمترددين وجهة الأمور، دافعة حافظ إبراهيم لمخاطبة صديقه اللدود بالقول:

أمير القوافي قد أتيت مبايعاً

وهذي وفود الشرق قد بايعتْ معي

ورغم أن قصيدة خليل مطران المطولة تضمنت اعترافاً بأهمية شوقي وامتداحاً لشاعريته، فقد حملت في طياتها تعريضاً مبطناً به، ووضعاً لتجربته في دائرة المحاكاة والنسج على منوال الأقدمين، كما في قوله:

لولا الجديد من الحلى في نظمه

لم تَعْزُهُ إلا إلى القدماءِ

كما لا بد من التنويه بأن موقف بعض الشعراء السلبي من الحدث لم يكن ناجماً عن سوء تقديرهم لمنجز المكرَّم الإبداعي، بل بدا اعتراضاً منهم على مبدأ التنصيب، كما هو حال أحمد رامي، الذي كتب في مقالة له: «أعترف أن أحمد شوقي أعظم من قرض الشعر عند العرب، لكنني لا أعترف للشعر بإمارة ولا أمير».

وإذا كانت مبايعة شوقي أميراً للشعراء هي الأولى من نوعها في الشعر العربي، فإنها فتحت شهية الآخرين على مبايعات أخرى مشابهة. وحين وجد الشاعر اللبناني أمين نخلة أن أقرانه الشعراء لم يحركوا ساكناً بشأن تنصيبه، أخرج من أدراجه أبياتاً ثمانية صدّر بها كتابه «الديوان الجديد»، زاعماً أن صاحب «نهج البردة» كان قد خصه بها ذات لقاء حميم جمعهما في لبنان. وإذ أفاد نخلة بأن الأبيات المشار إليها قد كتبت عام 1925، فإن من المفارقات المثيرة للشكوك أن ينصّب شوقي ولياً لعهده، قبل سنتين من حيازته اللقب، وأن يقول مشيراً إلى صاحب «المفكرة الريفية»:

هذا وليٌّ لعهدي وقيّمُ الشعر بعدي

فكلُّ من قال شعراً في الناس عبدٌ لعبدي

ديوانه زفُّ طيبٍ ونشْرهُ نشْرُ وردِ

والعصر عصر «أمينٍ» خيرٌ ومطْلعُ سعْدِ

ومما رفع منسوب الشكوك إلى أقصاه هو كون الأبيات المزعومة لا ترقى إلى شاعرية شوقي المعهودة، حتى في نماذجها الدنيا، بل تبدو شبيهة بأدب المجاملات والإخوانيات الفكاهية المرتجلة. كما أن توصيف المانح للممنوح بالعبد، واعتبار عامة الشعراء عبيداً عنده من الدرجة الثانية، هو أمر يسيء إليهما معاً، وإلى الشعر والشعراء في كل زمان ومكان.

وإذا كان الأمر مختلفاً تماماً مع الأخطل الصغير، الذي حاز اللقب عن طريق المبايعة لا التعيين، فإن الذين أعلنوا مبايعتهم لشاعر «الصبا والجمال»، في سياق الحفل التكريمي الذي أقيم له في بيروت عام 1961، كانوا أقل عدداً وتمثيلاً من أولئك الذين تحلقوا حول شوقي قبل عقود عدة. ومع أن بين من اجتمعوا للمبايعة شعراء من وزن عمر أبو ريشة ومحمد مهدي الجواهري وأمين نخلة وسعيد عقل، الذي استعاض عن الشعر بتطريزاته النثرية المتقنة، فقد اتخذت معظم القصائد الملقاة طابع المجاملة الاجتماعية والكدح التأليفي. وإذ وصف أنسي الحاج الشعراء المشاركين، في مقالة له في «النهار»، بأنهم «أساءوا الأمانة وتعروا من الذوق والصدق، وحتى من البراعة اللفظية»، أبدى بالمقابل حزنه على الأخطل الصغير الذي لم يتكلم عنه أحد، بل جعل المشاركون من تكريمه، حيلة للكلام عن أنفسهم وتلميع نرجسياتهم الفاقعة.

ومع أن صاحب «لن» قد ذهب بعيداً في انتقاده اللاذع لفكرة المبايعة، وتقريعه المرير للمبايعين، فالواضح أن الشعراء المشاركين بالمقابل، لم يقدموا للمكرم ما يتعدى متوفر القول، والصياغات الشائعة، والمعدة سلفاً لمثل هذه المناسبات. فلم يكن الانتشار الواسع لبيت أمين نخلة الشهير «ويقولون أخطلٌ وصغيرُ، أنت في دولة القوافي أميرُ»، ليحجب وقوعه في خانة النظم التقريري. ولم تكن قصيدة صالح جودت في المناسبة سوى ضرب من الأراجيز المسلية والنظم المتهافت، الأمر الذي يؤكده قوله:

كل تلك المعادن المختاره

صاغ منها حبيبنا أوتاره

وجلا من خيوطها أشعاره

فعقدنا له لواء الإماره

وإذا كانت فكرة الإمارة لا تكف عن دغدغة أحلام الكثير من الشعراء، وتعبر عن نفسها عبر أشكال ووسائط وتقنيات مختلفة، فإن ما لا ينبغي إغفاله هو أن الفكرة لم تولد من رحم الاعتبارات الإبداعية وحدها، بل تبلورت في كنف الاعتبارات السياسية والوطنية، التي جعلت من تنصيب هذا الشاعر أو ذاك، مكافأة رمزية لموقع الدولة التي يمثلها. فإذا كان شوقي بالنسبة للكثيرين جديراً بإمارة الشعر، نظراً لتميز تجربته واتساع مروحة موضوعاته، فإن في تنصيبه أميراً للشعراء مبايعة لمصر نفسها كدولة عربية مركزية، ولثقافتها الواقعة من محيطها «في مقام الزعامة»، كما جاء في كلمة أحمد شفيق باشا، رئيس الديوان الخديوي آنذاك. أما حلم أمين نخلة بولاية العهد، ومبايعة الأخطل الصغير «الجزئية» بالإمارة، فقد عكسا إضافة إلى البعد الشخصي، الرغبة الملحة في الاعتراف بشاعرية لبنان، الذي أسهم إلى جانب مصر، وعلى تواضع حجمه الجغرافي والسكاني، في وضع اللبنات المبكرة لما عُرف بعصر النهضة العربي.

إلا أن ما ينبغي التشديد عليه، أخيراً، هو أن الشعراء المتدافعين بالمناكب لكسب السباق على اللقب، إنما يتنافسون في الواقع على خط اللاوصول، أو لبلوغ نقطة دائمة التحول، أو إمارة مستحيلة التحقق. كما أن الشعر، والفن بوجه عام، يظل شأناً نسبياً وحمّال أوجه، وهو بالتالي لا يخضع لقولٍ فصل، بل تختلف معاييره وفقاً لذائقة كل ناقد أو قارئ. ولعل الزمن وحده هو الذي يُصدِر في نهاية الأمر أحكامه وفتاواه، واضعاً بنفسه الحدود الفاصلة بين قمح الشعراء الحقيقيين، وزؤان المقلدين والنظامين. ولذلك فإن الأحجام الحقيقية لشوقي ونخلة والأخطل الصغير، وكثيرين غيرهم، لا يحددها لقب الإمارة وحفلات المبايعة والتنصيب، بل هي منوطة بثراء تجاربهم وتنوع أساليبهم، وعمق مكابداتهم القلبية والرؤيوية.


مسكوكات من جزيرة فيلكا

ثلاث قطع مسكوكة من نوع تترادراخما الإسكندر مصدرها جزيرة من فيلكا
ثلاث قطع مسكوكة من نوع تترادراخما الإسكندر مصدرها جزيرة من فيلكا
TT

مسكوكات من جزيرة فيلكا

ثلاث قطع مسكوكة من نوع تترادراخما الإسكندر مصدرها جزيرة من فيلكا
ثلاث قطع مسكوكة من نوع تترادراخما الإسكندر مصدرها جزيرة من فيلكا

تقع جزيرة فيلكا في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي، وتتبع في زمننا دولة الكويت، ولعلّها أشهر المواقع الأثرية الخاصة بهذه الدولة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية خمسينات القرن الماضي، حيث تولّت بعثة دنماركية عمليات المسح والتنقيب فيها على مدى خمسة مواسم، تواصلت بين عام 1958 وعام 1963. تبعتها بعثات أجنبية عدة، ساهمت أعمالها في إلقاء الضوء على تاريخ هذه الجزيرة التي شكّلت محطة من المحطات التجارية الكبيرة التي ازدهرت على ساحل الخليج العربي.

عُرفت هذه الجزيرة في العصر الهلنستي باسم إيكاروس، وهو اسم الجزيرة الشهيرة في خليج إيجة الممتد بين أوروبا وآسيا، وذكرها عدد كبير من المؤرخين والرحالة اليونانيين في مؤلفاتهم بهذا الاسم. تشكّل هذه المصادر الأدبية مرجعاً للبحث في تاريخ فيلكا الذي لم تتضح معالمه بعد، ويقابل هذا السند مرجع آخر يتمثّل في مجموعات متفرقة من القطع النقدية المسكوكة، عُثر عليها خلال أعمال التنقيب المستمرة منذ أكثر من سبعة عقود من الزمن. تُعرف دراسة العملة المعدنية المسكوكة بعلم المسكوكات، وتكمن أهميتها الأولى في نقوشها وما تحمله من صور وكتابات تشهد للمكانة الاقتصادية والعلاقات التجارية الخاصة بالموقع الذي خرجت منه. غير أن هذا العلم كثيراً ما يصطدم بعناصر تبدو أشبه بألغاز يصعب حلّها، كما يتّضح عند مراجعة الأبحاث التي تناولت المسكوكات التي خرجت من فيلكا.

كشفت أعمال التنقيب الأولى في نهاية الخمسينات عن مجموعة متفرقة من هذه القطع المسكوكة عُثر عليها في أماكن متفرّقة، أهمها ثلاث قطع نحاسية، سكّ إحداها سلوقس الأول باسم الإسكندر الكبير، وسلوقس هذا ملك يوناني ومقدوني من ملوك طوائف الإسكندر، ومؤسس الإمبراطورية المسماة بالسلوقية. تعود هذه القطعة على الأرجح إلى العقد الأول من القرن الرابع قبل المسيح. في المقابل، تعود القطعتان الأخريان إلى عهد أنطيوخوس الثالث، سادس حكام الإمبراطورية السلوقية الذي ساد بين عام 187 وعام 223.

في مارس (آذار) 1961، خرج المنقبون بكنز من المسكوكات تمثّل في كتلة معدنية مرصوصة، تبيّن أنها تحوي 13 قطعة فضية من العملة المعروفة يونانياً باسم تترادراخما. تتفرّد إحدى هذه القطع بحضور صورة أنطيوخوس الثالث على وجهها، وصورة المعبود أبولو، سيد الشمس والفنون، وسلف الأسرة السلوقية.

في المقابل، تتماثل القطع الأخرى، وتجمع بين صورة وجه البطل الإغريقي هيراكليس على وجهها، وصورة سيد السماء والأرض زيوس، جالساً على عرشه، وترافقها كتابة يونانية تذكر اسم الإسكندر، وفقاً لنموذج ثابت شاع في بقاع متعددة من العالم الهلنستي، كما في نواحٍ أخرى من شرق الجزيرة العربية، تمتد اليوم من دولة الكويت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

تعدّدت القراءات في تحديد المصدر الأصلي الذي تمّ فيه سكّ هذه القطع، وظهرت مجموعات أخرى تحمل تفاصيل جديدة، منها كنز اكتُشف في عام 1984، في موقع يُعرف باسم تل خزنة، في الجهة الشمالية الشرقية من تل سع. يحوي هذا الكنز 27 قطعة فضية من نوع التترادراخما، قيل عند دراستها إنها تعود إلى 15 محترفاً مختلفاً. جُمعت هذه القطع في حاوية خلال سنة 285 قبل المسيح، على الأرجح، كما يقول التقرير الخاص بهذا الاكتشاف، وتمثّل أقدم عهود مسكوكات فيلكا، وهو عهد سيادة السلوقيين على الجزيرة، وفيه يتكرّر بشكل خاص النموذج التقليدي الذي يجمع بين رأس هيراكليس وقامة زيوس واسم الإسكندر، في قالب واحد جامع، يُعرف باسم «تترادراخما الإسكندر».

ظهرت علامات الوهن على هذا العهد في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، وسادت سلطة عربية محلية على الجزيرة، يشهد لها كنزان صغيران يحويان مسكوكات تستعيد نموذج تترادراخما الإسكندر، مع ظهور كتابة بلغة جنوب الجزيرة، تشير إلى «شمش»، وهو معبود الشمس وإله العدل في حضارات بلاد الرافدين، وقد بلغت عبادته الجزيرة العربية، وانتشرت في مناطق عديدة منها في الجزيرة العربية القديمة. هكذا يحل شمش مكان زيوس، غير أن الصورة تبقى ذاتها، وهذا التلاقح معروف في العالم الهلنستي، وشواهده لا تُحصى.

يحضر اسم الإسكندر باليونانية أفقياً على عدد من هذه العملات المحلية التي تحاكي «تترادراخما الإسكندر»، ويظهر على عدد آخر من العملات اسم «أبياتا» نُقش بالعربية، وهو اسم غامض يعود على الأرجح إلى ملك من سلالة عربية لم تُحدّد هويتّها بعد، يتكرّر على 11 قطعة نقدية وُجدت إلى جانب قطع تمثّل تترادراخما الإسكندر مع ذكر «شمش»، وثلاث قطع تحمل الطابع السلوقي.

لم يدم هذا العهد العربي طويلاً في فيلكا؛ إذ عاد السلوقيون إليها، وأنشأوا كما يبدو فيها مستوطنة ضمّت محترفاً صغيراً، خرجت منه مسبوكات ظهر منها إلى اليوم عدد محدود للغاية، وهي من نتاج فيلكا بين نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الأول قبل الميلاد؛ إذ لا نجد ما يماثلها في محيطها.

بعد تفكّك الإمبراطورية السلوقية، في عام 140 قبل المسيح، ضُمّت الجزيرة إلى مملكة ميسان الصغيرة التي أنشئت عند مصب دجلة والفرات، وشواهد هذا العهد قليلة للغاية، وقوامها أربع قطع مسكوكة فحسب.


من ينال جائزة «نوبل للآداب» غداً؟

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

من ينال جائزة «نوبل للآداب» غداً؟

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

منذ أيام والتوقعات حول من سيفوز بـ«جائزة نوبل في الآداب» لهذا عام 2025 تتزاحم في العديد من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية وكبريات الصحف الصادرة حول العالم. وفي الوقت ذاته ينشط الصحافيون المحليون والأجانب المهتمون بـ«جوائز نوبل» في التهيئة لتغطية المؤتمر الصحافي، الذي تقيمه الأكاديمية السويدية غداً لإعلان من تختاره فائزاً بهذه الجائزة الأكبر عالمياً من حيث معنويتها وحجم منحتها التي تصل إلى 10 ملايين كرو ن سويدي، ما يعادل مليون دولار أميركي.

يبرز اسم الكندية مارغريت أتوود (Margaret Atwood) في قائمة التخمينات المطروحة لنيل الجائزة، فهي أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، البيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وتعد رواية «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) التي صدرت عام 1985، من أشهر رواياتها، وتتخيل فيها مجتمعاً شمولياً يُجرد النساء من حقوقهن ويُجبرهن على الإنجاب لصالح النخبة الحاكمة. وفيها تسرد قصة «أوفرد»، الخادمة في منزل رئيس جمهورية أسمتها «جلعاد»، وهو شخص غامض متزوج من امرأة حادّة الطّباع. في هذه الجمهورية المتخيلة تُجرد النساء من حقوقهن بالتعلم والقراءة، إذ ينظر لهن كمعامل إنجاب فحسب، لزيادة نفوس الجمهورية التي انخفضت فيها نسب الولادات.

مارغريت أتوود

ومن آسيا، ورد ضمن التخمينات اسم الكاتبة الصينية كان تشوي، أو تسان شيويه، التي يقارن النقاد أعمالها الأدبية بأعمال كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير. وقد وُلدت تشوي خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين. وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية، ولهذا السبب يقارنها بعض النقاد بكافكا في عرضه للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، كما أن أسلوبها التجريبي المتأرجح بين اليوتوبيا والديستوبيا، الذي يحول الأحداث يحوّل الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن الأسماء الأخرى المطروحة الكاتبة الأميركية جامايكا كينكيد، والشاعرة الكندية آن كارسون. وقد تفاجئنا الأكاديمية السويدية، كما يحصل الأمر غالباً، باسم غير معروف كثيراً، مثل بيتر ناداس ولاسلو كراسنا هوراكي من هنغاريا. وهناك تكهنات بأن تذهب جائزة هذا العام إلى كاتب عربي، ويشار بهذا الخصوص إلى الكاتب الروائي الليبي إبراهيم الكوني الذي يعد أحد أبرز الكتّاب العرب المعاصرين، من ناحية غزارة كتاباته، وأسلوبه المتفرد، في تناوله الرموز والدلالات الصوفية. ولكونه ابن بيئة صحراوية أمازيغية فقد تأثر بثقافات هذه المنطقة التي انعكست في أعماله. وقد ولد إبراهيم الكوني في عام 1948 في مدينة غدامس الليبية، ودرس الأدب في موسكو، وعمل في الصحافة والترجمة، قبل أن يتفرغ للكتابة.

كما يجري تداول أسماء مثل مرسيا تشارتريشه من رومانيا، وهاروكي موراكامي من اليابان.

موراكامي

جدير بالذكر أن ثمة أسماء جرى تداولها سابقاً في تكهنات الحصول على «نوبل» في الأدب، ولكنها خفتت الآن، وأعني هنا على وجه الخصوص الشاعر علي أحمد سعيد أسبر «أدونيس»، لكن هناك من يشير إلى أن الوقت حان لينالها... فهل يحصل ذلك؟ كل شيء جائز! فأدونيس يُنظر إليه بوصفه شاعراً يتمتع بقوة شعرية كبيرة وله فلسفته الشعرية الخاصة، ولكن هل ينطبق على أعماله الأدبية شرط «نوبل» في وصيته «مثالية الأدب»؟ الجواب في تفسير «لجنة نوبل» لهذا المفهوم الخاضع لدلالات مختلفة، علماً بأن اسم أدونيس تردد وبكثرة في تكهنات المتابعين لجائزة «نوبل» في الأدب كلما حان موعدها مع بداية أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ولا يعني بالضرورة أنه مرشح لها، فلا أحد يعلم بهذا سوى لجنة الجائزة، وما عدا ذلك فالأمر لا يتجاوز التكهنات. وسنعرف تفاصيل الترشيح من عدمه، بعد وقت طويل طويل جداً على تداول الاسم، بالرغم من أن أدونيس حصل على جوائز عدة، من بينها جائزة «ستيغ داغرمان» السويدية في مايو (أيار) عام 2016، وهي الجائزة التي بُدأ بتوزيعها منذ ثلاثة عقود، ومنحت حتى الآن إلى عدد من الكتاب والكاتبات من السويد ومن بلدان أخرى، بينهم من حصل على جائزة «نوبل للآداب» في السنة نفسها التي حصلوا فيها على جائزة «ستيغ داغرمان» مثل النمساوية ألفريدا يلينيك عام 2004، والفرنسي جان ماري ليكليزو عام 2008. سنعرف ذلك الخميس 9 أكتوبر2025 في الساعة الواحدة بتوقيت السويد.