الثقافة في لبنان مورد رزق 200 ألف شخص وتدرّ ملياري دولار سنوياً

رؤية غير منظورة تخضع لدراسات وتمويلات

معرض بيروت الدولي للكتاب في دورة سابقة
معرض بيروت الدولي للكتاب في دورة سابقة
TT

الثقافة في لبنان مورد رزق 200 ألف شخص وتدرّ ملياري دولار سنوياً

معرض بيروت الدولي للكتاب في دورة سابقة
معرض بيروت الدولي للكتاب في دورة سابقة

منذ أكثر من عشر سنوات، ودول كثيرة تُعنى بالنهوض بما باتت تسمى «الصناعات الثقافية والإبداعية». يُعنى بذلك كل المهن ذات العلاقة بالخلق والابتكار، بما فيها التصميم والرقص والتصوير الفوتوغرافي والموسيقى. إضافة كلمة «صناعة» إلى المهن الإبداعية والأنشطة الفنية المختلفة، لفتت النظر في زمن الكلمة الأولى والأخيرة فيه للربح، إلى أن المثقفين والفنانين ليسوا عالة على مجتمعاتهم، بل هم من المساهمين الرئيسيين في تحقيق المداخيل الوطنية، وبمبالغ لا يستهان بها، لكنها بقيت مدة طويلة غير منظورة.

دراسات إحصائية

قبل عامين، صدرت دراسة تحت عنوان «المساهمة الاقتصادية للصناعات الثقافية والإبداعية في لبنان - التشخيص والإمكانات والتوصيات»، كانت السفارة الفرنسية في بيروت، بالشراكة مع الوكالة الفرنسية للتنمية قد كلفت بها «معهد باسل فليحان» من أجل تقييم وضع الصناعات الثقافية والإبداعية، ومعرفة وزنها الاقتصادي وأهميتها الاستراتيجية. وجاءت الدراسة بعد الانهيار الاقتصادي العارم الذي حلّ بالبلاد، وانفجار 4 أغسطس (آب) الذي أتى ليس فقط على مئات العمارات التراثية، وإنما عشرات المؤسسات الثقافية من غاليريات ومسارح ومكاتب ومراكز تصميم... وغيرها؛ لكنها في الوقت نفسه تمكنت من رصد الحركة الثقافية قبل أن تنزف الكثير من فنانيها.

لم تأت النتائج مفاجئة لمن كان يتابع دراسات سابقة، قامت بها مؤسسات جامعية ولم يتح لها الانتشار؛ فالغالبية تظنّ أن المهن التي تتسم بالابتكار هي في العموم محكومة بالحاجة إلى من يمولها.

الأرقام تقول العكس، وتؤشر إلى مدى أهمية الإبداع في المجتمع اللبناني، والدور الكبير الذي تحتله الفنون في حياة الناس، وفي تنمية الحركة السياحية، وإنعاش الاقتصاد والإسهام الذي لا مجال للشك فيه في إسعاد الناس، وتأمين مصادر دخل لآلاف الأسر.

أظهرت الأرقام أن ما يقارب 5 في المائة من الناتج المحلي اللبناني، يأتي من الصناعات الثقافية والإبداعية. وهذه النسبة تشكل مبلغاً وازناً يصل إلى ملياري دولار في السنة. وتوظف هذه القطاعات نحو 200 ألف شخص. فلو أحصينا من يعملون في مجال النشر من تأليف وطباعة وتصحيح وتجليد ونقل وتوزيع، لوجدنا أن عددهم وحدهم يصل إلى المئات، وإن أضفنا إليهم العاملين في مجالي السينما والتلفزيون، وكذلك في المسرح والتصوير والتصميم، والرسم والنحت والرقص، والمتاحف... وغيرها من المجالات، لوجدنا أن العدد يفوق مائتي ألف على الأرجح، خصوصاً أن الدراسات الحديثة ترى أن كل المجالات المستفيدة من الزخم الثقافي في بلد ما، من فنادق ومواصلات وسياحة، يمكن أن تحتسب ضمن المكاسب التي تعود بها الثقافة على المجتمعات الحديثة.

ما بعد الانهيار الاقتصادي

لكن كل هذه الأرقام اللبنانية المتفائلة تعرضت لنكسة منذ الانهيار الاقتصادي وما أتى بعده بسبب انفجار المرفأ. يقدّر البعض في ظل غياب إحصاءات دقيقة، أن أكثر من نصف العاملين في المجال الثقافي قد غادروا البلاد بالفعل، بسبب الضغط الاقتصادي المتزايد، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة عند تعداد أسماء الفنانين الذين لم يعودوا على الساحة، أو الكتّاب الذين التحقوا ببلدان اغتراب أبنائهم، أو السينمائيين الذين باتوا يفضلون العمل من الخارج. وبسبب غياب كل هؤلاء باتت هناك حلقة مفرغة بين جيلين، بحيث لا يستطيع الجيل الأكبر نقل خبراته للجيل الجديد، الذي يعمل كأنه أحياناً يبدأ من الصفر. ويزيد الوضع تعقيداً الغياب التام لأي مشروع رسمي أو خطة وطنية شاملة، متسعة الرؤية للتعويض عما جرى تدميره.

لهذه الأسباب مجتمعة، نلاحظ أنه منذ انفجار الرابع من أغسطس تحاول هيئات دولية ودول أجنبية بينها فرنسا وإيطاليا وسويسرا وحتى ألمانيا، الدفع باتجاه استعادة لبنان بعضاً من زخمه الإبداعي المثمر الذي فقده، ليس فقط من أجل تغذية روح الابتكار، وإنما بشكل رئيسي للمساعدة في نمو الاقتصاد. وكان كل من «المورد الثقافي» و«آفاق»، وجهات مانحة أخرى قد عملت منذ بدء الوباء على إعادة لملمة شمل ما تداعى. فعلى سبيل المثال، من أصل 43 مسرحاً كانت في بيروت، لم يبقَ سوى نحو 7 مسارح ناشطة. هذا عدا المهرجانات التي تعطلت بسبب شح التمويل، وهي الآن تحاول العودة إلى الحياة ببرامج نابضة، مثل مهرجانات بعلبك وبيت الدين.

قبل ثلاثة أشهر، أي في شهر فبراير (شباط) الماضي، جرى الإعلان عن مبلغ سخي، لكنه يبقى قليلاً، لتمويل الصناعات الثقافية. وفتح باب تقديم الطلبات الذي ينتهي آخر هذا الشهر. والمبلغ الذي سيجري توزيعه على أكثر من 60 مشروعاً لمؤسسات وأفراد، يصل إلى 2.2 مليون دولار، ستخصص للفاعلين الثقافيين في قلب بيروت عموماً، وفي المناطق التي طالها دمار انفجار المرفأ بشكل خاص. ويأتي هذا التمويل بمبادرة من المكتب الإقليمي لـ«اليونيسكو» في إطار مشروع «بيريت» المكون من شقَّين: إعادة تأهيل المساكن التراثية في بيروت، وإنعاش الصناعات الثقافية والإبداعية، يموله الصندوق الائتماني المخصص للبنان، ويديره البنك الدولي.

مساعدات غير كافية

مشروع «بيريت» بالمليوني دولار، قد يسهم في مساعدات يمكن القول إنها تحدّ من الخسائر؛ لكنها ليست كافية لإنقاذ الوضع برمته بشكل جذري؛ إذ يعرف الممولون أن هذه الصناعات، بتنوعاتها في لبنان، كانت دائماً من بين الأكثر نشاطاً وحيوية، ومساهمتها الغنية، قبل بدء الأزمة الحالية، شكلت عاملاً حاسماً في تكوين الثروات في البلاد. ولكنّ انفجار المرفأ أدى إلى اضطراب شديد في أنشطة القطاع الثقافي، وهي كانت في الأصل تعاني الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي شهدها لبنان في السنوات الثلاث الأخيرة. فالأحياء المتضررة من الانفجار هي الأكثر كثافة بالغاليريات والمسارح والمؤسسات الإبداعية على أنواعها، وهي قد تضررت بشكل بالغ، فمنها ما أغلق، وبعضها تعطّل لبعض الوقت، ومنهم من وجد الهجرة أفضل وسيلة.

المساعدات الخارجية حتى الآن هي التي ساعدت على صمود كثير من المؤسسات. متحف سرسق الذي أتى الانفجار على جزء مهم من مبناه ومحتوياته، قد يكون المثال الأبرز، فهو بفضل المساعدات وإسعاف لوحاته المتضررة في متاحف عالمية، سيعيد فتح أبوابه بعد أيام في حلة جديدة.

لكن هذا الدعم المجلوب لن يكفي، فمشروع «بيريت» مثلاً يدعم المشاريع الفردية بمبالغ صغيرة تتراوح بين ألفين وخمسمائة دولار إلى عشرة آلاف دولار، بينما قد تتراوح مساعدة المؤسسة الواحدة بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألف دولار.

تشمل النتاجات الثقافية التي يدعمها هذا المشروع، ورش العمل القصيرة لتنمية مهارات الإبداع، كذلك إدارة المسارح، وهندسة الصوت والضوء، وتصميم الأزياء، ومهن التراث الثقافي غير المادي، التي تتداولها الأجيال.

حقائق

توظف القطاعات الثقافية في لبنان نحو 200 ألف شخص



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».