بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟
TT

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

لم تولد السينما إلا من رحم الرواية التي كان قد مضى على ظهورها نحو 3 قرون، إذا عددنا ملحمة «دون كيشوت» الساخرة لسيرفانتس الصادرة عام 1615 بداية انطلاق هذا النوع الأدبي الجديد.

لقد أسس الروائيون الكبار خلال القرن التاسع عشر على الخصوص ما يمكن تسميته المشهد الروائي، حيث يتحدد المكان والزمان اللذان تدور فيهما أحداث الرواية بدقة، وبالطبع كان الروائي يقوم بتقديم كل التفاصيل التي يتطلبها المشهد من ديكور إلى ملابس إلى طقس إلى تحديد الوقت، إلخ... بالمقابل، فإنه اعتمد على مخيلة القارئ بقدرتها على تحويل الكلمات إلى مشهد يراه في عين العقل. وكما يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور ما معناه: «نحن نفهم أي فكرة بتحويلها إلى صورة»، وإذا طبقنا فكرته على الرواية فإن كلمات أي فقرة في الرواية سواء أكانت فكرة أو وصفاً، أو حواراً، تتحول إلى سلسلة من الصور في أذهاننا وهذه هي الطريقة التي تجعلنا نستوعب هذه الفقرة، وكأنها جزء من حقيقة نجحت الرواية في إيهامنا يها.

وإذا كان المخرجون السينمائيون الرواد قد استندوا إلى هذا الإرث الكبير الذي أبدعه أسلافهم الروائيون في صياغة الحبكة والمشهد والحوارات وغيرها، فإنهم إضافة إلى ذلك، اعتمدوا على الموروث الروائي الكبير في إنتاج أفلامهم، وهكذا أصبحت روايات مثل «سندريللا» (1897) و«الملك جون» (1899) لجورج ميلييز (1899) و«فرانكشتاين» (1910) لماري شيلي (1910) من أوائل الأعمال التي اقتبسها المخرجون الأوائل لأفلامهم السينمائية، وفيها اتبعوا خطوات كُتّابها.

غير أن هذا الفن الحديث النشأة بدأ تدريجياً يجد أساليبه الخاصة في التعبير الشائق لرواد السينما الجدد. لعل أهم شيء اكتشفه أولئك السينمائيون الأوائل أن البصر الذي هو حلقة الوصل بين الفيلم والإدراك سريع الملل، فالصورة كي تُدرك ذهنياً بحاجة إلى أن تتحول إلى فكرة، وهذه الفكرة تدور في رأس المتلقي بالكلمات، بينما الحال مقلوبة مع الرواية؛ فالجملة المقروءة التي تشبه إطاراً واحداً من فيلم تتحول مع جمل مجاورة أخرى إلى صورة في العقل قبل استيعاب الرسالة التي تتضمنها. لذلك؛ فإن الرواية المقروءة قادرة على التعبير عن أفكار وتتحرك بين أزمنة الماضي والحاضر، في حين أن العين تتعقب حركة الزمن المتحرك إلى أمام.

مع بدء السينما الناطقة في أوائل الثلاثينات ونشوء «هوليوود» تطورت الأدوات التي يستخدمها مخرجو الأفلام مع بروز حرف جديدة مثل كتابة السيناريو، وتأليف الموسيقى التصويرية الملازمة للفيلم لتعميق الحالة الشعورية التي يتركها هذا المشهد أو ذاك في نفس المُشاهد، وخلق سرد موسيقي متجاور مع سلسلة أحداث الفيلم، بحيث يكون الأول متماشياً مع الحالة العاطفية التي يريد المخرج السينمائي أن ينقلها فيلمه على امتداد شريطه.

حتى ذلك الوقت ظلت الرواية قادرة على جذب القراء مستثمرة تلك الفجوة في طريقة التلقي المختلفة تماماً عن الفيلم.

في هذه المرحلة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ اعتماد السينما على الروايات يتقلص، وهذا مع بروز كتّاب سيناريو مؤهلين كي يقدموا مخطوطات عامة (غير أدبية) تتكون من مشاهد مرقمة يستطيع المخرجون أن يغيروا بعضها أو يطلبوا من كتابها إضافة أو حذف هذا المشهد أو ذاك. كذلك أصبح هناك إنتاج موسيقي خالص خاص بكل فيلم وأصبحت الموسيقى التصويرية جزءاً من هوية الفيلم المعني. إضافة إلى ذلك تطورت حرفة المونتير الذي يقوم بإزالة كل جزء غير ضروري من الفيلم قبل عرضه بحيث يجعله شبيهاً بسيمفونية لا تحتمل أي زيادة تجدها الأذن نشازاً حتى ولو لوقت قصير جداً، في الوقت نفسه يقوم المونتير بضمان أن العين أداة التلقي الأولية للصورة لا تشعر بالملل حالها حال الأذن مع الموسيقى التصويرية.

حتى نهاية القرن العشرين ظل للرواية المطبوعة ورقياً قراؤها الواسعون الذين هم في الوقت نفسه مشدودون إلى السينما الجادة.

ولعل وقت الفراغ ظل كافياً لاحتواء هذين الصنوين: الرواية والفيلم الروائي (feature film)، فالتنقل بين البيت ومكان العمل ذهاباً وإياباً يتطلب في الغالب استخدام وسائل نقل عامة مثل قطارات الأنفاق أو الحافلات، يشجع على قراءة الروايات للاستمتاع بهذا الوقت الذي يمتد عادة لأكثر من ساعتين، ناهيك من ملازمة القراءة على شواطئ البحار خلال العطلات السنوية، أما مشاهدة الأفلام سواء أكانت في قاعات السينما أو باستخدام أقراص الفيديو (التي انتشرت محلات تأجيرها في الكثير من المناطق داخل أي مدينة) فقد تضاءلت لصالح المنصات. غير أن هذا التوازن في اقتسام الوقت كُسِر مع بداية القرن الحادي والعشرين واتساع سريع لرقعة استخدام الجوالات الذكية، ومعها اتسعت جملة تطبيقات راحت تتسلل إليها أو إلى الحواسيب. وكلها راحت تتنافس مع الرواية المكتوبة سواء أكانت بصيغة ورقية أو رقمية (إلكترونية).

كانت فكرة ستيف جوبز مدير شركة «أبل» أشبه بضربة قاضية لعدد كبير من الصناعات التي ظلت قائمة خلال أكثر عقود القرن العشرين؛ مثل الكاميرات وأدوات التسجيل، وفي الوقت نفسه شجع إنتاج الجوالات القادرة على استيعاب عدد متزايد من التطبيقات مثل ألعاب الفيديو و«يوتيوب» الذي أتاح عدداً هائلاً من الإمكانيات لاستخدام الصورة والصوت بدلاً من القراءة، على تقديم برامج مبسطة قصيرة الأمد عن كل ما ظلت الكتب الفلسفية والعلمية تحاول تقديمه بشكل معمق وتفصيلي. بل حتى الروايات المقروءة بأصوات جذابة أصبحت تحل تدريجياً محل تلك المطبوعة.

هذا الاتساع الهائل في التطبيقات مع تطبيق «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«واتساب» و«يوتيوب» كان على حساب الوقت المخصص للقراءة بشكل عام وخصوصاً قراءة الروايات والقصص.

ومع دخول وسائل إمتاع أخرى هدفها تنشيط الذاكرة وقتل الملل أصبحت ألعاب الفيديو وتبادل الأخبار والآراء مع وسط أوسع بكثير من دائرة الأقارب والأصدقاء، ما جعل الشباب الذين ولدوا مع بداية ثورة الاتصالات أكثر استغراقاً في هذا العالم الافتراضي الذي تعكسه شاشات جوالاتهم والألواح الذكية من ألعاب فيديو إلى مواقع غير محدودة تغطي الكثير من الموضوعات التي تجذبهم، كلٌّ وفق اهتمامه. ولعلي لا أغالي إذا قلت إنهم مقتنعون بوجودها منذ الأزل. لقد شجعت الجوالات والألواح الذكية ظهور تطبيقات أدت إلى تقليص الانجذاب إلى وسائل اللهو خارج البيت، فحل موقع «نتفليكس» محل قاعات السينما إلى حد كبير، ما أدى إلى تقلصها كثيراً في المدن الكبرى مثل لندن وباريس.

مع ذلك، فإن الفيلم الروائي ظل حتى يومنا هذا نقطة جذب إلى جانب اتساع الاهتمام بالفيلم الوثائقي.

ما مصير الرواية مع تقلص الوقت المتوافر لقراءتها أمام كل هذه التطبيقات المغرية التي ترضي قدراً كبيراً من الغرور الشخصي وحب الظهور، فضلاً عن قدرتها على تقديم أشكال كثيرة ومتزايدة من الإمتاع؟

تظل أسئلة كثيرة ما زال علماء النفس واللغويون لم يقدموا إجابات عنها: ما الفرق بين قراءة الرواية المطبوعة والاستماع إليها؛ أي تسلمها عبر البصر أو السمع؟ وماذا يعني هذا التشتت الذهني الهائل للشباب بين مواقع وتطبيقات تتزايد يوماً بعد يوم على درجة التركيز التي تتطلبها قراءة الرواية؟ وما مصيرها على الأمد الأبعد ككتاب مطبوع ورقياً أو رقمياً؟

هل سيكون مكانها المتحف إلى جانب ما أبدعه الإنسان من أثريات قيّمة خلال رحلته في الزمن منذ ابتكاره الكتابة والقراءة؟


مقالات ذات صلة

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

ثقافة وفنون أحمد قعبور

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات

شوقي بزيع
ثقافة وفنون 3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استط

أحمد الفاضل
ثقافة وفنون «سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».