بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟
TT

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

بين الصورة والحرف المطبوع... هل هناك مستقبل للرواية؟

لم تولد السينما إلا من رحم الرواية التي كان قد مضى على ظهورها نحو 3 قرون، إذا عددنا ملحمة «دون كيشوت» الساخرة لسيرفانتس الصادرة عام 1615 بداية انطلاق هذا النوع الأدبي الجديد.

لقد أسس الروائيون الكبار خلال القرن التاسع عشر على الخصوص ما يمكن تسميته المشهد الروائي، حيث يتحدد المكان والزمان اللذان تدور فيهما أحداث الرواية بدقة، وبالطبع كان الروائي يقوم بتقديم كل التفاصيل التي يتطلبها المشهد من ديكور إلى ملابس إلى طقس إلى تحديد الوقت، إلخ... بالمقابل، فإنه اعتمد على مخيلة القارئ بقدرتها على تحويل الكلمات إلى مشهد يراه في عين العقل. وكما يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور ما معناه: «نحن نفهم أي فكرة بتحويلها إلى صورة»، وإذا طبقنا فكرته على الرواية فإن كلمات أي فقرة في الرواية سواء أكانت فكرة أو وصفاً، أو حواراً، تتحول إلى سلسلة من الصور في أذهاننا وهذه هي الطريقة التي تجعلنا نستوعب هذه الفقرة، وكأنها جزء من حقيقة نجحت الرواية في إيهامنا يها.

وإذا كان المخرجون السينمائيون الرواد قد استندوا إلى هذا الإرث الكبير الذي أبدعه أسلافهم الروائيون في صياغة الحبكة والمشهد والحوارات وغيرها، فإنهم إضافة إلى ذلك، اعتمدوا على الموروث الروائي الكبير في إنتاج أفلامهم، وهكذا أصبحت روايات مثل «سندريللا» (1897) و«الملك جون» (1899) لجورج ميلييز (1899) و«فرانكشتاين» (1910) لماري شيلي (1910) من أوائل الأعمال التي اقتبسها المخرجون الأوائل لأفلامهم السينمائية، وفيها اتبعوا خطوات كُتّابها.

غير أن هذا الفن الحديث النشأة بدأ تدريجياً يجد أساليبه الخاصة في التعبير الشائق لرواد السينما الجدد. لعل أهم شيء اكتشفه أولئك السينمائيون الأوائل أن البصر الذي هو حلقة الوصل بين الفيلم والإدراك سريع الملل، فالصورة كي تُدرك ذهنياً بحاجة إلى أن تتحول إلى فكرة، وهذه الفكرة تدور في رأس المتلقي بالكلمات، بينما الحال مقلوبة مع الرواية؛ فالجملة المقروءة التي تشبه إطاراً واحداً من فيلم تتحول مع جمل مجاورة أخرى إلى صورة في العقل قبل استيعاب الرسالة التي تتضمنها. لذلك؛ فإن الرواية المقروءة قادرة على التعبير عن أفكار وتتحرك بين أزمنة الماضي والحاضر، في حين أن العين تتعقب حركة الزمن المتحرك إلى أمام.

مع بدء السينما الناطقة في أوائل الثلاثينات ونشوء «هوليوود» تطورت الأدوات التي يستخدمها مخرجو الأفلام مع بروز حرف جديدة مثل كتابة السيناريو، وتأليف الموسيقى التصويرية الملازمة للفيلم لتعميق الحالة الشعورية التي يتركها هذا المشهد أو ذاك في نفس المُشاهد، وخلق سرد موسيقي متجاور مع سلسلة أحداث الفيلم، بحيث يكون الأول متماشياً مع الحالة العاطفية التي يريد المخرج السينمائي أن ينقلها فيلمه على امتداد شريطه.

حتى ذلك الوقت ظلت الرواية قادرة على جذب القراء مستثمرة تلك الفجوة في طريقة التلقي المختلفة تماماً عن الفيلم.

في هذه المرحلة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ اعتماد السينما على الروايات يتقلص، وهذا مع بروز كتّاب سيناريو مؤهلين كي يقدموا مخطوطات عامة (غير أدبية) تتكون من مشاهد مرقمة يستطيع المخرجون أن يغيروا بعضها أو يطلبوا من كتابها إضافة أو حذف هذا المشهد أو ذاك. كذلك أصبح هناك إنتاج موسيقي خالص خاص بكل فيلم وأصبحت الموسيقى التصويرية جزءاً من هوية الفيلم المعني. إضافة إلى ذلك تطورت حرفة المونتير الذي يقوم بإزالة كل جزء غير ضروري من الفيلم قبل عرضه بحيث يجعله شبيهاً بسيمفونية لا تحتمل أي زيادة تجدها الأذن نشازاً حتى ولو لوقت قصير جداً، في الوقت نفسه يقوم المونتير بضمان أن العين أداة التلقي الأولية للصورة لا تشعر بالملل حالها حال الأذن مع الموسيقى التصويرية.

حتى نهاية القرن العشرين ظل للرواية المطبوعة ورقياً قراؤها الواسعون الذين هم في الوقت نفسه مشدودون إلى السينما الجادة.

ولعل وقت الفراغ ظل كافياً لاحتواء هذين الصنوين: الرواية والفيلم الروائي (feature film)، فالتنقل بين البيت ومكان العمل ذهاباً وإياباً يتطلب في الغالب استخدام وسائل نقل عامة مثل قطارات الأنفاق أو الحافلات، يشجع على قراءة الروايات للاستمتاع بهذا الوقت الذي يمتد عادة لأكثر من ساعتين، ناهيك من ملازمة القراءة على شواطئ البحار خلال العطلات السنوية، أما مشاهدة الأفلام سواء أكانت في قاعات السينما أو باستخدام أقراص الفيديو (التي انتشرت محلات تأجيرها في الكثير من المناطق داخل أي مدينة) فقد تضاءلت لصالح المنصات. غير أن هذا التوازن في اقتسام الوقت كُسِر مع بداية القرن الحادي والعشرين واتساع سريع لرقعة استخدام الجوالات الذكية، ومعها اتسعت جملة تطبيقات راحت تتسلل إليها أو إلى الحواسيب. وكلها راحت تتنافس مع الرواية المكتوبة سواء أكانت بصيغة ورقية أو رقمية (إلكترونية).

كانت فكرة ستيف جوبز مدير شركة «أبل» أشبه بضربة قاضية لعدد كبير من الصناعات التي ظلت قائمة خلال أكثر عقود القرن العشرين؛ مثل الكاميرات وأدوات التسجيل، وفي الوقت نفسه شجع إنتاج الجوالات القادرة على استيعاب عدد متزايد من التطبيقات مثل ألعاب الفيديو و«يوتيوب» الذي أتاح عدداً هائلاً من الإمكانيات لاستخدام الصورة والصوت بدلاً من القراءة، على تقديم برامج مبسطة قصيرة الأمد عن كل ما ظلت الكتب الفلسفية والعلمية تحاول تقديمه بشكل معمق وتفصيلي. بل حتى الروايات المقروءة بأصوات جذابة أصبحت تحل تدريجياً محل تلك المطبوعة.

هذا الاتساع الهائل في التطبيقات مع تطبيق «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«واتساب» و«يوتيوب» كان على حساب الوقت المخصص للقراءة بشكل عام وخصوصاً قراءة الروايات والقصص.

ومع دخول وسائل إمتاع أخرى هدفها تنشيط الذاكرة وقتل الملل أصبحت ألعاب الفيديو وتبادل الأخبار والآراء مع وسط أوسع بكثير من دائرة الأقارب والأصدقاء، ما جعل الشباب الذين ولدوا مع بداية ثورة الاتصالات أكثر استغراقاً في هذا العالم الافتراضي الذي تعكسه شاشات جوالاتهم والألواح الذكية من ألعاب فيديو إلى مواقع غير محدودة تغطي الكثير من الموضوعات التي تجذبهم، كلٌّ وفق اهتمامه. ولعلي لا أغالي إذا قلت إنهم مقتنعون بوجودها منذ الأزل. لقد شجعت الجوالات والألواح الذكية ظهور تطبيقات أدت إلى تقليص الانجذاب إلى وسائل اللهو خارج البيت، فحل موقع «نتفليكس» محل قاعات السينما إلى حد كبير، ما أدى إلى تقلصها كثيراً في المدن الكبرى مثل لندن وباريس.

مع ذلك، فإن الفيلم الروائي ظل حتى يومنا هذا نقطة جذب إلى جانب اتساع الاهتمام بالفيلم الوثائقي.

ما مصير الرواية مع تقلص الوقت المتوافر لقراءتها أمام كل هذه التطبيقات المغرية التي ترضي قدراً كبيراً من الغرور الشخصي وحب الظهور، فضلاً عن قدرتها على تقديم أشكال كثيرة ومتزايدة من الإمتاع؟

تظل أسئلة كثيرة ما زال علماء النفس واللغويون لم يقدموا إجابات عنها: ما الفرق بين قراءة الرواية المطبوعة والاستماع إليها؛ أي تسلمها عبر البصر أو السمع؟ وماذا يعني هذا التشتت الذهني الهائل للشباب بين مواقع وتطبيقات تتزايد يوماً بعد يوم على درجة التركيز التي تتطلبها قراءة الرواية؟ وما مصيرها على الأمد الأبعد ككتاب مطبوع ورقياً أو رقمياً؟

هل سيكون مكانها المتحف إلى جانب ما أبدعه الإنسان من أثريات قيّمة خلال رحلته في الزمن منذ ابتكاره الكتابة والقراءة؟


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.