«معرض بيروت للكتاب»... فسحة متجددة

يفتتح دورته الـ66 اليوم في «سي سايد أرينا» ويستمر حتى 25 من مايو الحالي

بازار الكتب في الدورة السابقة من معرض بيروت للكتاب (سبوتنك)
بازار الكتب في الدورة السابقة من معرض بيروت للكتاب (سبوتنك)
TT

«معرض بيروت للكتاب»... فسحة متجددة

بازار الكتب في الدورة السابقة من معرض بيروت للكتاب (سبوتنك)
بازار الكتب في الدورة السابقة من معرض بيروت للكتاب (سبوتنك)

يفتتح اليوم (الخميس) «معرض بيروت الدولي للكتاب» دورته الـ66، بمشاركة 134 دار نشر، غالبيتها لبنانية. بيروت تلتقط أنفاسها من جديد، وتحاول استنهاض ما فات. فهذه الدورة كان يفترض أن تبصر النور في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، لكن أجواء الحرب الإسرائيلية كانت لا تزال ترخي بظلالها على العاصمة. لم يرد «النادي الثقافي العربي» الذي ينظم المعرض منذ عام 1956 إلى اليوم أن يُسقط هذه الدورة، رغم صعوبة الظروف، وهو الذي جاهد باستمرار لأن يبقى الكتاب موجوداً والمناسبة قائمة. يذكّر القيمون على النادي بأنهم تغلبوا على الاجتياح الإسرائيلي حين داهم بيروت عام 1982، وعلى مخاوف الانفجارات التي ضربت العاصمة أكثر من مرة، وأجواء التوترات، وها هم يقولون إن «عميد المعارض العربية» سيبقى يمارس دوره ويستعيد ألقه تدريجياً، ويفتح أبوابه وسط بيروت في «سي سايد أرينا» ويستمر حتى 25 من الشهر الحالي، يترافق مع ما يقارب 60 نشاطاً على مدى الأيام العشرة، أي بمعدل ستة أنشطة ثقافية في اليوم، بين ندوة وأمسية وحوار، ومحاضرة. وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مدير المعرض د. عدنان حمود عن إقبال جيد من جانب الناشرين أفضل من الدورة التي سبقتها، والتي عقدت في ظرف لا نحسد عليه، كانت حرب غزة يومها اندلعت، والجنوب مشتعل.

من دوراته السابقة

صعوبات وخلافات

لكن المعرض أثناء التحضير واجه صعوبات من نوع آخر. فنقابة الناشرين اللبنانيين أيضاً تريد أن يكون لها معرضها الخاص، وهو ما تسبب بانعقاد معرضين في سنة واحدة، قبل ذلك. ويمكن أن يتكرر العام الحالي. وهو أمر مربك ومكلف، لا يحبذه كثير من الناشرين، بسبب ما يرتب عليهم الاشتراك في معرضين من جهد دون مردود مناسب. وبناء عليه حاول وزير الثقافة غسان سلامة رأب الصدع بين الطرفين، لكن الوساطة لم تؤت أؤكلها لغاية اللحظة، وبين من يقول إن معرضاً ثانياً سيعقد لنقابة الناشرين، ومن يجزم بأن الأمر سيكون صعباً، تبقى الأمور معلقة.

وهذا بسبب الخلافات الداخلية بين نقابة الناشرين و«النادي الثقافي العربي» الذي يعدُّ أن له الأحقية في تنظيم معرض يعتبره تاريخياً ودوره فيه لا ينكر على مدى أكثر من ستة عقود.

إحجام وعتب

لكن ذلك لم يقنع العديد من الدور عن الإحجام عن المشاركة، منها «هاشيت - أنطوان » و«مكتبة لبنان» و«الرافدين» و«المكتبة الشرقية» وغيرها، وهو ما يأسف له ناشرون آخرون، مثل سليمان بختي، صاحب «دار نلسون» الذي يعتبر أن المسألة تتجاوز الحاجة إلى البيع والشراء والاتجار... «هذا يحدث كل يوم، لكن اللبنانيين، بعد كل المآسي التي مروا بها، يحتاجون فسحة أمل. والاحتفاء بالكتاب يخرجهم من الأجواء التعيسة والباهتة». ويذكر بختي بأن للبنان ثلاثة مداميك رئيسية يتوجب المحافظة عليها، وهي هامش الحرية، والتنوع، والمستوى التعليمي والثقافي لجامعاته ومؤسساته. «لهذا فأن يترك الكتاب لمنازلات السياسة وتجاذباتها، هو أمر يحزّ في نفوسنا، لأننا كنا نريد لهذا العيد أن يكون جامعاً ومتعالياً على كل الخلافات التي تبدو هامشية أمام المصلحة العامة». لكن مدير المعرض د. حمود يعتقد أن العام المقبل سيكون الوضع أقرب لتوحيد المعرضين والخروج بمعرض جامع كما يتمنى الجميع، قائلاً: «نحن معرض عمره أكثر من ستين عاماً لا نستطيع أن نستغني عن تاريخنا، ونوقف عملنا ونترك مهمتنا من أجل معرض عمره عامان».

إبراز المبدعات

تعلق رنا إدريس، مديرة «دار الآداب»، «بأن المعرض لا يأتي في وقته المعتاد، أي في ديسمبر (كانون الأول)، ويعقد بعد أزمة كبيرة، ومعاناة، وكذلك متزامناً مع الانتخابات البلدية التي تشغل الناس، إلا أنني لم أتردد ثانية واحدة في المشاركة، لأنه في النهاية معرض بيروت، أياً تكن الأوضاع، ومهما كانت الظروف بيروت تبقى بيروت، لا تخذلنا ولا نخذلها». وتذكّر إدريس بأن العقبات والحروب لم تمنعا الدار من الاستمرار في إصدار كتب تحظى بمصداقية القارئ وتنال الجوائز.

وترى إدريس أن وجود الدار بعد إنجاز هذه الإصدارات في معرض بيروت هذا العام أمر مهم، «نريد أن نلقي الضوء على الكتب التي برزت من خلالها كاتبات مبدعات، مثل هدى بركات وروايتها (هند أو أجمل امرأة في العالم)، ونجوى بركات وروايتها الجديدة (غيبة مي)، وحنين الصايغ التي ثبتت مكانتها من خلال (ميثاق النساء)، وعندنا ضيفة هي الروائية العمانية جوخة الحارثي التي بالتعاون مع الجامعة الأميركية وكرسي الشيخ زايد مدعوة إلى المعرض، وكذلك تأتي حنين الصايغ من برلين، وريم بسيوني التي انطلقت من (دار الآداب)، وهناك الجزء الثاني من (قناع بلون السماء) للروائي الأسير باسم خندقجي (سادن المحرقة)، وقد لقيت صدى ونالت استحساناً كبيراً». تعدُّ إدريس أن «أفضل الطرق لإبراز هذه الأعمال هو المعرض، رغم الجراح وألم كثيرين من القراء الذين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى منازلهم. فلا بد أن الكتاب يخفف بعضاً من الأحزان».

مساحة أوسع

هناك عتب وانزعاج من الفرقة والخلافات، لكن المعرض يمضي قدماً. وقد تمت توسعة مكان العرض عن الدورة الماضية التي كان خلالها محدود المساحة، مزعجاً للرواد. فانفجار مرفأ بيروت أتى على الصالات التي تعقد فيها المناسبة، والآن تم استكمال البناء وعادت المساحة إلى ما كانت عليه، مما يمنح المعرض مدى وحيوية، وفرصة لاستقبال عدد أكبر من الزوار والأنشطة. وتمت الاستفادة لتوسيع الأجنحة، كما خصصت قاعتان للندوات والأمسيات والحوارات، إحداها لبرنامج النادي الثقافي العربي والأخرى لدور النشر. كما أن المعرض يستقبل هذه السنة خمسة معارض فنية تشكيلية، أحدها للغرافيك تنظمه الجامعة الأميركية في بيروت، وآخر عن تاريخ السينما، وثالث عن طرابلس عاصمة عربية للثقافة، وثمة معرض رابع عن الكتاب العربي، وخصص لغزة معرض خاص أيضاً.

وإذا كانت الدور المشاركة في غالبيتها لبنانية، بسبب الظروف الاستثنائية الحالية، فإن هذا لم يمنع وجود جناح لمعرض الدوحة الدولي للكتاب، كما مشاركة «دار الشروق» المصرية، و«معهد العالم العربي» في باريس الذي سيكون مديره الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير موجوداً للاحتفاء بكتابه «أحجار تفضح الصمت»، ولإحياء أمسية شعرية.

ويلفت الناشر سليمان بختي إلى أن وضع الكتاب العربي سيئ أصلاً، والناشرون يعانون. وإذا كانت الكتب لا تزال تطبع فبفضل وجود كاتب حالم وناشر مجنون، «بالتالي فإن الخلافات، والإصرار على إقامة معرضين، ضربة تأتي في وقت غاية في السوء للنشر وصناعة الكتب، حيث الحاجة للملمة الجراح، والالتقاء حول الكتاب الذي هو نتاجنا جميعاً، وصوتنا جميعاً، وأن لا نترك الجانب المظلم يتغلب على الوجه الجميل».

يذكر أن دوراً عديدة أصدرت كتباً جديدة أرادتها متزامنة مع المناسبة كما جرت العادة. و«دار نلسن» نفسها تصدر كتاب «ثلاثون عاماً من الشعر» وهو نصوص غير منشورة سابقاً للشاعر يوسف الخال، وكذلك كتاب هو جزء أول من سلسلة عن تاريخ اليابان للكاتب بسّام طيارة. كما لـ«دار النهضة» عدد من الكتب الجديدة بينها ديوان الشاعر حسين بن حمزة «كمن يريد أن يمحو». وفي «الدار العربية للعلوم» كتابان صدرا للمفكر علي حرب «الأممية الشيعية إلى أين؟» ومجموعة مقابلات له في مؤلف يحمل عنوان «إنسانيتنا تفضحنا». أما «دار الساقي» فبين إصداراتها «الإسلام والديمقراطية في العالم العربي» لهشام العلوي، وهو ترجمة لأطروحته التي نال عنها درجة الدكتوراه وكتبها باللغة الإنجليزية. وكتاب «ذاكرة ليست تمضي» لوداد حلواني، الذي توقعه خلال المعرض.

«عميد المعارض العربية» سيبقى يمارس دوره ويستعيد ألقه تدريجياً

أنشطة متنوعة

ومن بين الأنشطة والندوات الثقافية المرافقة للمعرض ندوة مخصصة لمجلة «العرفان»، وأخرى تحية لروح الشاعر شوقي أبي شقرا، مع قراءات شعرية له من الفنان رفعت طربيه، وندوة حول «مئوية ملوك العرب» لأمين الريحاني، وكذلك احتفاء بمئوية سليمان البستاني، وندوة مخصصة لذكرى مرور نصف قرن على وفاة كوكب الشرق أم كلثوم، وأمسية موسيقية مخصصة لمئوية توفيق الباشا، يحييها ابنه عبد الرحمن الباشا، عزفاً على البيانو في الجامعة الأميركية (الأسمبلي هول)، وتم تخصيص ندوة لذكرى رحيل الروائي إلياس خوري. سوف يتحدث فيها أهم أصدقائه وأقربهم إليه فواز طرابلسي وماهر جرار وصقر أبو فخر، الذي عمل معه في «مؤسسة دراسات فلسطينية» لفترة طويلة أيضاً سوف تحضر عائلته.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.