عبد الواحد المشيخص يروي معارك الجراحين لإنقاذ مرضاهم

يقول إن الجراحة لا تخلو من ساعات فرح وانتصار

عبد الواحد المشيخص يروي معارك الجراحين لإنقاذ مرضاهم
TT

عبد الواحد المشيخص يروي معارك الجراحين لإنقاذ مرضاهم

عبد الواحد المشيخص يروي معارك الجراحين لإنقاذ مرضاهم

«خلال السنوات التطبيقية بالمستشفى؛ كطالب للطب في كلية الجراحين الملكية الآيرلندية بدبلن، لم أكن أحب الجراحين، كنت أعتبرهم مخلوقات متعجرفة، متكبرة ومغرورة، مزهوة بنفسها تعتقد أنها قادمة من الفضاء الخارجي، مزاجهم لا يمكن التنبؤ به، فقلما ارتسمت على شفاههم ابتسامة، وإذا ما ابتسموا ضحكوا ساخرين ومتهكمين...».

بهذه الكلمات يبدأ الجراح السعودي الدكتور عبد الواحد نصر المشيخص، استشاري الجراحة العامة والمناظير الجراحية، سرد تجربته عبر 35 عاماً في كتاب «مذكرات جراح».

يحمل الدكتور المشيخص زمالة كلية الجراحين الملكية البريطانية، وزمالة كلية الجراحين الأميركية، وعمل سابقاً رئيساً للأقسام الجراحية بمستشفى الدمام المركزي، كما عمل أيضاً رئيساً لقسم الجراحة بمستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام.

في بداية مشواره الطبي، كان يتوجس من الأطباء الجراحين، يصفهم في كتابه بأنهم على خلاف أطباء الباطنية الذين «قلما تنتابهم نوبات غضب عارم كتلك التي تنتاب الجراحين، غضب الجراح لا يطفئه سوى تقزيم وتحقير من هو أمامهم».

بعد تخرجه عمل سنة الامتياز في أحد مستشفيات غرب أسكوتلندا. وهناك، كما في بقية أرجاء المملكة المتحدة، لا بد لطبيب الامتياز أن يعمل ستة أشهر متتالية في قسم الجراحة العامة، وستة أخرى في قسم الباطنة قبل أن يصبح ممارساً مسجلاً تسجيلاً كاملاً لدى المجلس الطبي البريطاني (British General Medical Council)، وخلال سنة الامتياز أمكنه معايشة معاناة الأطباء الجراحين. يقول: «يبلغ القلق ذروته أثناء إجرائهم العمليات الجراحية المعقدة، وترافقهم الكآبة عند حدوث مضاعفة جراحية بعد العملية لأحد مرضاهم، أدركت عندها أنه لا عجب أن يغلب على سمات الجراحين التجهم والقلق وسرعة الغضب، أدركت أن وراء غطاء هذه الغطرسة الزائفة يكمن رجل خائف قلق يكاد يفقد ثقته بنفسه».

بداية عمله جراحاً، استُدعي المشيخص لمساعدة فريق طبي (في أسكوتلندا) في عملية استئصال سرطان بالقولون، بعد قضاء 48 ساعة من المناوبة المضنية في عطلة نهاية الأسبوع، ولم يكن وقتها قد تناول وجبة الإفطار، شعر بعد مضي نصف ساعة من بدء العملية بضيق في التنفس وتعرق ودوران، قبل أن يسقط أرضاً، صرخ الجراح على إحدى الممرضات لتسعفه وتأخذه خارج الغرفة... يقول المشيخص: «منذ ذلك الوقت وبناءً على هذه الحادثة الفريدة، يعتقد الجراح (كان) بأني غير قادر جسدياً أن أكون جراحاً، رغم اعتقاده بأنني من أفضل أطباء الامتياز الذين مروا عليه للتدرب في وحدته...»، وختم نصيحته قائلاً: «إذا ما صممت أن تتخصص في الجراحة، فاختر تخصصاً لا يحتاج إلى جهد بدني مثل جراحة الأنف والأذن والحنجرة!».

طريق التحدي

لكنه لم يستمع إلى نصيحة طبيبه المشرف، فبعد انتهائه من سنة الامتياز، عام 1986، كطبيب مقيم في قسم العظام لمدة ستة أشهر، كجزء من متطلبات التحضير لامتحان زمالة كلية الجراحين الملكية، في مستشفى رودرهام بالقرب من مدينة (Rotherham General Hospital) في شِفيلد (Sheffield) بمقاطعة جنوب يوركشاير. وضعه استشاري جراحة العظام وكان اسمه روبسون (Robson) ويصفه بأنه كان «طيباً وهادئاً وحنوناً على غير ما تعودت عليه من الجراحين»، على قائمة العمليات، وأخبره: «غداً سنكون نحن الاثنين فقط، فمساعدي الأول في إجازة»، كانت العملية عبارة عن تبديل مفصل الورك، وهي من عمليات العظام الصعبة والتي قد تستغرق ساعات عديدة، وكان على الطبيب الشاب أن يكون المساعد الأول في عملية صعبة يجريها لأول مرة في حياته العملية كجراح بعد سنة الامتياز، بدأت الجراحة في الساعة الثامنة صباحاً واستمرت إلى الخامسة مساءً، قاوم تعبه وقلقه وأدى عملاً مميزاً نال عليه إشادة الجراح روبسون... وخلال هذه الفترة أكمل متطلبات تدريب الزمالة كلية الجراحين الملكية، يقول المشيخص: «أذكر ذلك اليوم من أيام ديسمبر (كانون الأول) 1989 جيداً، عندما اجتزت امتحان الزمالة بنجاح، وحالاً صار كل من في المستشفى يدعونني (مستر) بدلاً من (دكتور)، شعور غريب وغامر بالفخر والعظمة»، وهذا تقليد بريطاني غريب ويمثل لغزاً بالنسبة للأطباء القادمين من البلدان الأخرى، حيث يتغير مسمى الجراح من «دكتور» إلى «سيد» بعد اجتياز امتحان زمالة (Fellowship) في إحدى كليات الجراحين الملكية (لندن، إدنبرة، جلاسجو، أو دبلن)، وقد جرت هذه العادة من باب الاحترام والتقدير لمهنة الجراحة».

بين الأمل والألم

في كتابه «مذكرات جراح» يسرد المشيخص قصصاً لمرضى أشرف على علاجهم أثناء مشواره الجراحي الطويل، وقصصاً لمرضى تركوا في نفسه أثراً لا يُنسى، وحفروا لهم «في ذاكرته بصمات لا تزول ولا تمحى»، حيث عايش آلامهم وشاركهم أحزانهم وحاول جاهداً مسح دموعهم وامتصاص غضبهم في فترة زمنية صعبة شحت فيها الموارد وانعدمت حينها الإمدادات. ولم يكن تخصص الجراحة وقتها مفروشاً بالورود ومدعوماً بالخدمات الطبية المساندة.

يقول: «طريق الجراحة ليس مفروشاً بالورود، بل محفوف بالمخاطر، قلق قبل وأثناء إجراء العملية الجراحية، ويستمر شبح القلق إلى ما بعد العملية، خوف مستمر من حدوث مضاعفات كبرى قد تودي بحياة المريض، هذا القلق يسلب الجراح سعادته ويقض مضجعه ويعكر عليه صفو يومه».

من المتعارف عليه علمياً أن كل تدخل جراحي لا يخلو من المضاعفات البسيطة أو المعقدة، ومسببات المضاعفات الجراحية كثيرة، إلا أن الجراح غالباً ما يجنح إلى جلد ذاته ويرمي بالمسؤولية الكبرى على عاتقه، فيستحوذ عليه تأنيب الضمير، هل كان قرار التدخل الجراحي صائباً؟ وهل تم تحضير المريض جيداً قبل العملية؟ وهل كانت الطريقة التي أُجريت بها العملية صحيحة؟ وغيرها من الأسئلة التي تستحوذ على فكره وتتزاحم على مطاردته.

يسرد المشيخص قصصاً جراحية واقعية واجهها أثناء عمله جراحاً خلال الـ35 عاماً الماضية: «بعض هذه القصص تعكس كم هي محفوفة حياة الجرّاح بالمخاطر والتعب والقلق. ساعات طويلة مضنية في غرف العمليات لإجراء عمليات إسعافية طارئة بعد منتصف الليل وفي ساعات الصباح الباكر، ساعات حزينة دامعة مع أقارب المرضى في غرف الانتظار، دموع وصراخ وعويل عند إفشاء الأخبار غير السارة، حزن عميق وكآبة لا توصف لفقد مريض بعد جهد وسباق مع الزمن لإنقاذ حياته. ساعات يأس، غضب وكآبة من عدم التمكن من استئصال ورم مستعصٍ أنشب مخالبه في أعضاء مهمة، ليال يستعصي فيها النوم وتستحوذ فيها الكوابيس بسبب مريض يتأرجح بين الحياة والموت في العناية المركزة بعد عملية جراحية كبرى، والقائمة تطول وتطول».

كل تدخل جراحي لا يخلو من المضاعفات البسيطة أو المعقدة إلا أن الجراح غالباً ما يجنح إلى جلد ذاته ويرمي بالمسؤولية الكبرى على عاتقه

يقول: «تتراءى إلى ذاكرتي صورة الجراح (أوور)، أحد الجراحين الذين تدربت على يديهم في بداية مشواري الجراحي، فهو يمتنع عن الكلام ورؤية الآخرين وتصاحبه الكآبة ويطلق لحيته دون حلاقة أو تهذيب إذا ما حصل للمريض تسرب بعد عملية استئصال ورم بالقولون». ويضيف: «أتذكر أيضاً زميلاً جراحاً بريطانياً من أصل هندي عاصرته في بدايات سِني عملي في مستشفى الدمام المركزي يدعى الدكتور باتيا، كان جراحاً متمرساً ذا خبرة جراحية عالية وسمعة جيدة، عندما أرى شعر رأسه الأشيب قد بدا دون أن يجد وقتاً ليصبغه، أعلم أن مريضاً من مرضاه ليس بخير».

ومن القصص الأخرى: «أذكر أيضاً الجراح جون دوثي الذي تدربت على يديه في مدينة مانشستر، كان يملأ غرفة العمليات بالبهجة والسرور والنكات المضحكة أثناء إجرائه أعقد العمليات الجراحية في البطن وخاصة جراحات الجهاز الهضمي المعقدة التي كان يبدع فيها، إلا أنه يكون متوتراً ساكتاً لا ينبس بكلمة، متعرق اليد والجبين أثناء إجراء عمليات استئصال الغدة النكافية، كنت حينها أقول لنفسي لن أجري مثل هذه العملية مستقبلاً ما دامت تجلب هذا القدر من التوتر والبؤس والقلق، لكنني أخلفت الوعد وأجريتها في مستشفى الدمام المركزي لاحقاً».

لكنه يقول: «الجراحة لا تخلو من ساعات جميلة، ساعات فرح وانتصار... ساعة نجاح اجتثاث سرطان من مريض دبّ اليأس في نفسه واستسلم للموت... ساعة تخليص مريض من مرض جراحي طارئ حوّل حياته جحيماً مثل استئصال عضو ملتهب كالزائدة الدودية أو المرارة، إصلاح فتق مختنق، أو فك انسداد بالأمعاء، وغيره... ساعات من البهجة والفرحة ولحظات امتنان وشكر وعرفان المرضى لإنهاء معاناتهم، هذه الساعات الجميلة تمحو كل ما ذكر من الأوقات البائسة والحزينة المرتبطة بالجراحة، أوقات تجعل الجرّاح يجثو على ركبتيه ساجداً لربه وشاكراً له أن وفقه لخدمة مرضاه الذين يعانون أمراضاً جراحية، شاكراً ربه أن هيأ له السبل وذلل الصعاب ليكون جراحاً».


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.