«سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني

عالم بريطاني يدعو لإعادة التفكير في موروثات «الاستشراق الوبائي»

«سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني
TT

«سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني

«سردية الطاعون»... الواقع والمتخيل الفني

يطرح كتاب «الطاعون: الصورة والخيال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة» بحثاً ثقافياً موسعاً في عالم هذا المرض الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية، مقتفياً في ذلك تصويره في الأدب والفن بشكل عام. وحسب المحرر، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني كرستوس لنتيرس، فإن الكتاب يهدف لحث المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا لفهم العلاقة بين صورة الطاعون والخيال المُتصل به.

صدر الكتاب أخيراً عن دار «البحر الأحمر للنشر» بالقاهرة، وهو من ترجمة الدكتور أحمد الشيمي الذي يطرح في مقدمة الكتاب ملامح عن خصوصية مرض الطاعون الذي لم يكن اختباراً صعباً للمرضى وحدهم، ولكن لأهالي المرضى أيضاً؛ حيث الوباء لا يسمح للناس بأن يتواسوا ولا أن يتزاوروا؛ بل يدفعهم للتنكر بعضهم لبعض، والفرار بعضهم من بعض، وكأنه صورة من صور يوم القيامة.

ويتناول الشيمي لمحة من هذا الرعب في رواية «الديكاميرون» للإيطالي جيوفاني بوكاشيو، الذي رصد مشاهده في منتصف القرن الرابع عشر: «الخوف تمكَّن من القلوب، والرعب سرى في النفوس. تفرق الإخوة بعضهم عن بعض، وعن أخواتهم البنات، والأعمام عن أبناء إخوتهم، والزوجات تركن أزواجهن. وهناك ما هو أسوأ من ذلك كله وأقسى على النفس، وهو أن الآباء والأمهات يتقززون من أبنائهم ولا يزورونهم ولا يأبهون بهم، كأنهم لا يعرفونهم، ولم ينحدروا من أصلابهم».

لم يكن هذا المشهد الذي تناوله بوكاشيو خيالياً؛ بل رصده بنفسه في فلورنسا الإيطالية، في الفترة التي اجتاح فيها الوباء أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية، وامتدت شروره لتصل إلى فلسطين ومصر وشمال أفريقيا، فمات 25 مليوناً في أوروبا وحدها، ومثلهم في البلاد المجاورة؛ حيث الطاعون «لم يحل في بلد إلا أباده، ولا في شجر إلا أحرقه، ولا في نظام سياسي أو اقتصادي إلا قلبه رأساً على عقب، ولا في إيمان إلا هزه من الأعماق، ولا في عقيدة إلا وضربها بالشك والريبة» كما يقول الدكتور أحمد الشيمي في تصديره للكتاب.

توثيق وتأمل

يفتح الكتاب أفقاً لتأمل التوثيق الأدبي لبلاء الطاعون، فقد جعل نجيب محفوظ، «عاشور»، بطل ملحمته «الحرافيش» يرصد أثره على حارته التي غلب عليها الحزن المفجع والنحيب: «يسير النعش وراء النعش. في كل بيت نواح، وبين ساعة وأخرى يُعلَن عن ميت جديد. لا يفرق هذا الموت الكاسح بين غني وفقير، قوي وضعيف، امرأة ورجل، عجوز وطفل، إنه يطارد الخلق بهراوة الفناء»، ألم يُلقِّب نجيب محفوظ عاشور بـ«الناجي» لأنه نجا من هذا الوباء؟

وعالمياً، عكس الأدب تمثيلات الطاعون من بوابة عبثية الحياة وشدة هشاشتها، بداية من «أوديب ملكاً» لسوفوكليس، وألبير كامو في «الطاعون»، وماري شيللي في «الإنسان الأخير»، وديفو في «يوميات الطاعون».

ويشير الكتاب الذي يقع في 564 صفحة، إلى أن وباء الطاعون الذي ضرب أفريقيا وآسيا في منتصف القرن الرابع عشر (1346- 1353) قتل نحو 40 في المائة إلى 60 في المائة من سكانها، بينما «الموت الأسود» يشير للجائحة الأولى لوباء الطاعون الثاني الذي استمر على صورة سلسلة من النوبات المتكررة على مدى قرون عدَّة، فأصبح «الطاعون الأسود حدثاً تاريخياً عظيم الشأن». ومن ثم يطرح الكاتب سؤالاً حول جذور تعبير «الطاعون الأسود»، بداية من اسمه المستمد من البقع السوداء والأنسجة الميتة التي كانت تظهر على أجساد بعض ضحايا الطاعون، إلا أنه يرى أن هذا التعريف الإكلينيكي ليس هو المرجع الوحيد لهذا التعبير الذي تبدو له أصول ثقافية خاصة، فنسبته إلى اللون الأسود تم تداولها بشكل خاص في القرن التاسع عشر، وهو يبدو مصطلحاً مثقلاً بحمولة آيديولوجية هيمن فيها الفهم الأوروبي لتاريخ الطاعون في القرن التاسع عشر.

حكايات متنوعة

يشار إلى أن كتاب «الموت الأسود» لمؤرخ الطب، الطبيب الألماني يوستوس هيكر، الصادر عام 1832، قد رسخ فكرة المرض بوصفه قوة من ضمن القوى التي تحرك التاريخ البشري، وهو الكتاب الذي نظرت له أوروبا بوصفه المرجع الأهم في تاريخ الأوبئة. ويلفت الكاتب النظر إلى أن السياق الزمني الذي كتب فيه هيكر كتابه كان ضمن سياق الرومانسية الأوروبية في ذلك القرن، بما في ذلك الميل إلى تمجيد الماضي البعيد في العصور الوسطى، واستثمار العواطف الفردية وحكايات البطولة في سرد التاريخ.

ويُعدُّ كتاب «الموت الأسود» في الوقت نفسه بداية الدراسات الأكاديمية التاريخية الحديثة حول الطاعون. ويرى مؤلف كتاب «الطاعون: الصورة والخيال...». أن هيكر لم يكن فقط مسؤولاً عن صياغة وإشاعة مصطلح «الموت الأسود» وإنما كان مسؤولاً أيضاً عن التأسيس للنغمة العاطفية المتصلة بعلم الأوبئة التاريخية، أو ما يُسمى علم «الأوبئة القوطي»، بتركيزه على الموت والمرض والهلاك.

ولم تكن علوم الأوبئة القوطية تتجه نحو المركز الأوروبي فقط، بقدر ما كانت استشراقية بشكل كبير.

ويُعرِّف الكتاب «الاستشراق الوبائي» بأنه مجموعة الممارسات الخطابية التي انطلق منها الأوروبيون الغربيون في تصوير الشرق بوصفه موطناً للأوبئة، واستمرت هذه النظرة الاستشراقية على مدار القرن الـ19؛ حيث يشير الكتاب لأكثر من مثال لتصوير علماء الوبائيات الأوروبيين الغربيين للطاعون بوصفه «مرضاً شرقياً»، والشرق بوصفه مصدر «الموت الأسود»، وبالتالي مصدر جميع الطاعونات السابقة. فعلى سبيل المثال، في نهايات القرن الـ18، يسجل عالم الأوبئة الألماني سبرنغل، في كتابه «دليل علم الأمراض»: «إن الطاعون شائع في الشرق شيوعاً كبيراً؛ لأن الأتراك يلقون بالطعام في الطرقات، ويتركون جثث الحيوانات تتعفن في الشوارع». ويكتب في موضع آخر: «أغلب المرات التي تفشى فيها الطاعون أتت إلى أوروبا من الشرق، من أمكنة مثل القسطنطينية وإزمير والقاهرة وأصفهان». ويقول الكاتب إن مثل هذه الأحكام لم تعد مقصورة على كتب علم الأوبئة الأوروبي في القرن التاسع عشر وحسب، وإنما أصبحت حقائق راسخة فيما كُتب من تاريخ الأوبئة الحديث حتى عهد قريب.

يُعرِّف الكتاب «الاستشراق الوبائي» بأنه مجموعة الممارسات الخطابية الخاطئة التي انطلق منها الأوروبيون الغربيون في تصوير الشرق بوصفه موطناً للأوبئة

مسار سردي

ويبدو أن تلك الرؤية المحددة قد خدمت الغرب في ترسيخ مسار سردي يأخذنا في النهاية إلى نهوض أوروبا الغربية، بينما يبدو «الموت الأسود» وكأنه منعطف مصيري أو تحدٍّ كان يتحتم على المجتمع الأوروبي قهره والانتصار عليه، ليصبح جزءاً من «تاريخ التفوق الأوروبي»؛ حيث يبدو «الموت الأسود» نازلة من نوازل الزمن التي ابتُلي بها الأوروبيون من الخارج، ولا يمكن أن تكون قادمة من الداخل بأي حال من الأحوال، دون اعتراف بأنه ربما يعود للانتشار في مكامنه المحلية بأوروبا، ليصبح «الموت الأسود»، حسب تعبير الكتاب: «مسطرة تقاس بها الأوبئة التي سجلها التاريخ الأوروبي بعد ذلك».

ويدعو الكتاب إلى إعادة التفكير في موروثات الاستشراق الوبائي هذه، أو «الآفة» كما يصفها، ورصد دورها في كثير من الخيال التاريخي الحديث حول جوائح الطاعون، وأثرها الثقافي أيضاً.


مقالات ذات صلة

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».