«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

حوى الكتاب مادة غزيرة يستفيد منها المؤرخ الاجتماعي ومؤرخ الأدب

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير
TT

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

صدر حديثاً (2024) عن «مركز الملك فيصل للبحوث والدّراسات الإسلاميَّة»، كتاب «أخبار النِّساء» للأمير مجد الدولة أُسامة بن مُنِقذ الشَّيزريّ الكنانيّ (488 - 584هـ)، ضمن سلسة تحقيق التُّراث (52)، من مخطوطات المركز المحققة. عدت مخطوطة الكتاب نسخة فريدة منها بالعالم، مِن مواضيعه: كتاب الأُمهات، كتاب الزَّوجات، كتاب البنات، والأخوات، والجواري، كتاب مراثي النِّساء، كتاب أوصاف النِّساء، كتاب الخطبة والتَّزويج والتَّطليق، كتاب أحكام النِّساء. بلغ عدد صفحات المطبوع (700) صفحة متضمنة الفهارس المفصلة.

كذلك كان «أخبار النِّساء» فريداً في منهجه ومحتوياته، جمع بين التاريخ، والأدب، والسِّير لأشهر النِّساء، جاء زاخراً بالمنثور والمنظوم، والأحكام الفقهيّة؛ فقد صُنفت كتبٌ غير قليلة في أحوال النِّساء، رصدتها مقدمة التّحقيق، لكن ليس لأيٍّ منها الشُّموليّة التي امتاز بها كتاب ابن مُنقذ، وهو أحد أبرز أمراء الحرب مع الإفرنج وما عُرف بالحروب الصّليبيّة، وكان كتابه «الاعتبار» سيرة ذاتية لنفسه، وربّما عُدَّ ابن منقذ أولَ من أهتم بكتابة سيرته بقلمه، وبعده ابن خلدون (ت 808هـ)، وكتابه «التّعريف».

التقى السُّلطان صلاح الدِّين الأيوبيّ (ت 589هـ)، متأخراً، فلم يتمكن من مرافقته في الحروب التي خاضها الأيوبيّ، وذلك لكبر سنه، وقد تجاوز الثمانين، حين التقاه، وتُوفي مناهزاً السادسة والتسعين. كان صلاح الدِّين شغوفاً بشعر ابن منقذ، فضَّل ديوانه على دواوين بقية شعراء تلك الفترة، جمعه له نجله مُرْهف بن أُسامة بن منقذ، وكانت له حظوة عنده، بعد وفاة والده (ابن شامة، كتاب الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريّة والصّلاحيَّة). كان والد وإخوة أسامة شعراء وأدباء، وكذلك ولده أبو الفوارس مُرْهف (ت 613هـ) كان شاعراً وكاتباً وجامعاً للكتب، وحصل أن اشترى منه ياقوت الحموي (ت 622هـ) مجموعة كتب (الحمويّ، معجم الأدباء). لأبي الفوارس شرح لديوان المتنبي، قُدمت مخطوطته أطروحة في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة ، وهي من محفوظات مكتبة الملك فهد الوطنيّة بالرياض.

على الرّغم مِن انشغاله في الحروب، لكن ابن منقذ كان غزير التأليف، فمن غير «أخبار النّساء»، وكتاب «الاعتبار»، له عشرات الكتب مِن المنشورات والمفقودات، و«أخبار النساء» كان مفقوداً، حتّى عُثر عليه بين أكوام مِن الأوراق المخطوطة. كان للمؤرخ تقي الدّين المقريزي (ت 845هـ) فضله في جمع شتات مصنفات ابن منقذ؛ في قائمة ضمنها كتابه «المقتفى الكبير»، شملت أسماء كتبه وعناوين مواضيعها، ما وصَلَنا منها، وما ظلّ مفقوداً، وبينها «أخبار النّساء»، وما ذكره المقريزي عن محتويات الكتاب، جاء مطابقاً لما ورد في المخطوط.

لكنّ باباً مِن أبواب الكتاب، والخاص بالجواري، كان ضائعاً، فالمخطوط فُقدت منه أوراق غير قليلة، من بدايته ونهايته، غير أنَّ جلال الدّين السِّيوطيّ (ت 911هـ) اقتبسه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، ووثّق ذلك بالقول: «قال أُسامة بن مرشد في (أخبار النِّساء)». فمِن غير الوارد أنْ يُصنف ابن منقذ كتاباً في النّساء، وبهذه الشّمولية، ويغفل أخبار الجواريّ، بينما الكتب التي اقتبس منها كانت ملأى بأخبارهنَّ. يمكن إضافة ذلك إلى ما ذكرناه في مقال سابق، على صفحات «الشّرق الأوسط» «خزانة التُّراث.. كُتب تنقذ كُتباً مِن الضِّياع».

إضافة إلى شهرة أُسامة بن منقذ، التي سارت بها البغال الشُّهب مثلما يُقال؛ إلا أنّ اختياره الكتابة في «أخبار النّساء» يلفت النّظر، فقرون ولا تُعرف فهارس خزائن المخطوطات، إلا كتاب «أخبار النّساء» لأبي فرج عبد الرّحمن بن الجوزيّ (ت 597هـ)، الذي عاصر ابن منقذ، مع وجود الأول ببغداد، والأخير بين مصر والشّام، وقد نُسب كتاب ابن الجوزيّ هذا خطأً وتوهماً إلى الفقيه شمس الدين بن القيم الجوزيَّة (ت 751هـ)، بل هناك مَن ظنّه جزءاً من كتاب ابن منقذ، وقد حوى أوصاف النساء، وما يتعلق منهن بالزواج، والأشعار فيهنَّ، وما يتعلق بالغيرة وأخلاقهنَّ، هذا ما أشار إليه الباحث محمد عزيز شمس متوهماً، عندما قال: «هذا كتاب (أخبار النساء) لابن منقذ» (مجلة المجمع العلميّ العربي / العدد 2 السنة 1990). قال ذلك، ولم يطّلع على كتاب «أخبار النساء» لابن منقذ، وكان معروفاً بالاسم فقط، وإلا فالكتابان مختلفان، كتاب ابن الجوزي عنوانه الأصل «أحكام النساء»، واقتصرت موضوعاته على التعاليم والوصايا؛ من الحلال والحرام في معاملتهنَّ، وهو ما يناسب ابن الجوزي الفقيه، لا ابن منقذ الأديب والشَّاعر.

صُنفت، مثلما ذكرنا، مئات الكتب في أحوال النِّساء، وكان أغلبها بأقلام الرّجال، حتّى فترة متأخرة، بدأت النّساء الكتابة عن بنات جنسهنَّ، وربّما كان السّباقَ إلى التصنيف في النساء صاحبُ «كتاب بغداد» الشهير، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور الكاتب (ت 280هـ)؛ «بلاغات النساء».

لكنَّ كلَّ ما صُنف وظهر مطبوعاً، في أحوال النِّساء، لا يجاري كتاب ابن المنقذ، الذي أرّخ للمرأة الأمّ والأخت والبنت والزوجة، وبالأسماء، وفي أزمان مختلفة، ومن غير ما نقله ابن منقذ مِن الكتب التي سبقته، أضاف حوادث عاشها. عندما يأتي على باب الأمهات، أو «كتاب الأمهات»، يتفرع إلى بركاتهنَّ، وخلاف الأبناء معهنَّ، وما تعرضنَّ إليه مِن مِحن، وأخبار الأبناء معهنَّ، وأخبار الآباء مع البنات، وهكذا كان منهجه مع كلّ فئة يتعرض لها، دون إغفال ما يتعلق بالجدات والخالات.

على ما يبدو، ظل الكتاب تتداوله الأيدي حتَّى القرن العاشر الهجري، فمثلما تقدَّم، اقتبس منه جلال الدّين السّيوطي، وهو من أعلام القرنين العاشر والحادي عشر، وبسبب عدم وصول المختصين بفهرسة المخطوطات إليه، فكان بيد أفراد لم يعرفوا قيمته، ولا موضوعه، لا تجد أثراً له عند كبار المفهرسين، مثل كارل بروكلمان (ت 1956) وكتابه «تاريخ الأدب العربيّ»، حتى وقع بيد المحقق والمهتم بالمخطوطات العربيَّة، الباكستاني الدكتور أحمد خان، الذي اشتراه مع مجموعة من الأوراق، وظل يستفسر عن هويته، فاكتشف أنه «أخبار النساء» لابن منقذ، وقد راسلتُ أحمد خان، وعرفتُ منه قصة وصول الكتاب إليه، ومنه إلى خزانة المخطوطات في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات».

هذا، ولكلِّ كتاب قصته، في الضياع والعثور عليه، والأوهام والحقائق التي تدور حول هذا الكتاب أو ذلك، فلسنواتٍ كان المحقق مصطفى جواد يعتقد أن كتابَ «الحوادث» هو كتاب «الحوادث الجامعة والتجارب النّافعة في المائة السَّابعة» للمؤرخ ابن الفوطي (ت 723هـ)، وكان مؤلفه الأقرب لواقعة اجتياح بغداد مِن قبل المغول، لكن بعد المقابلة بين أسلوب الكتاب وكتب الفوطي اكتشف جواد نفسه، ما حققه ونشره (1932)، ليس لابن الفوطي، فأعيد نشره، بعد حين، بعنوان «كتاب الحوادث» بتوقيع: مؤلف مجهول.

غير أنَّ «أخبار النِّساء»، إضافة إلى اعتراف ابن منقذ به، وعدِّه ضمن قائمة كتبه، وما نُقل عنه مِن نصوص، فأسلوبه أسلوب بقية كتب ابن منقذ، ولولا الصّدفة أن يعرض أحد باعة الأوراق القديمة، على مالكه الأول، لربّما راح مستعملاً مِن قِبل البقالين، وكمْ مِن كتب تلفت في الدكاكين للجهل بها، فكان يُصيب الكتب، التي ضمّتها خزائن مكتبات الملوك والوزراء الأقدمين، ما يصيبهم مِن عوادي الزّمان.

حوى الكتاب مادة غزيرة، يستفيد منها المؤرخ الاجتماعي، ومؤرخ الأدب، وما يتعلق بالفقه ومعاملة النّساء، وتراه يرفع شأن النّساء، على خلاف كثير مِن المصنفين الذين تناولوا أحوالهنَّ، إلى جانب ما امتاز به الكتاب من أسلوب المصنف الرشيق في الكتابة، ومادته الثّرية.

لم نقف، بسبب ضياع الصفحات الأولى والأخيرة مِن الكتاب، على دافع ابن منقذ في تصنيف الكتاب، وهو الأديب والشّاعر والمحارب، وقد اعتاد، في مقدمات كتبه، ذِكر دافع التصنيف، فنجده مثلاً ذكر سبب تصنيفه كتابه «المنازل والدّيار»، قائلاً: «ما دعاني إلى جمع هذا الكتاب، ما نال بلادي وأوطاني مِن الخراب، فإن الزَّمان جرَّ عليها ذَيله، وصرف إلى تعفيتها حوله وحِيله، فأصبحت كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، مُوحشة العرصات بعد الأُنس، قد دثر عمرانها، وهلك سُكانها، فعادت مغانيها رسوماً، والمسرّات بها حسراتٍ وهموماً، ولقد وقفتُ بعد ما أصابها مِن الزَّلازل ما أصابها، وهي أولُ أرض مسَّ جلدي تُرابها، فما عرفتُ داري، ولا دُور والدي وإخوتي...» (المنازل والدِّيار، دمشق 1965). هذا، وكان تصنيفه «أخبار النِّساء» قد سبق أهم كتبه، كـ«الاعتبار»، و«المنازل والدِّيار»، و«التّاريخ البدريّ»، ويقصد بدر الكبرى (2هـ)، وهذا واضح مِن تضمين هذه الكتب نصوصاً مِن «أخبار النّساء».

تضمّن كتاب «أخبار النّساء» لابن منقذ، بعد أخبار السيدات الأُول؛ مِن حواء، وأمّ النّبي موسى، والسيدة مريم، وزوجة النبي أيوب، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وبلقيس، والسيدة خديجة الكبرى، وغيرهنَّ، ثم فصل أحوال النِّساء، كأمهات وزوجات وبنات وأخوات، وصفات النساء، بذكر أوصاف الأسنان، والعيون، والأنوف، والحواجب، والأرداف، والمعاصم، والشَّعر، مع الأقوال والأشعار.

عموماً، يُعدّ الكتاب معجماً لكلّ ما يتعلق بالنساء، وقد يكون المفقود مِن أوراقه فيه الكثير، وكان فصل الجواري منه بحكم المفقود، لولا أنَّ السّيوطي حفظه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، على أمل إلحاقه في طبعة جديدة من الكتاب، وإتمام الضائع مِن المظانّ التي أخذ عنها ابن منقذ.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.