سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة

عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة
TT

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة

يأتي كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة - فصل من سيرة كاتب» (تكوين - دار الرفدين - 2023)، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ليضيء جانباً من سيرته الذاتية انطلاقاً من العلاقة التي ربطته بعالم القراءة. وهو الدافع الرئيس لتحديد «فصل من سيرة كاتب». لكن السيرة الذاتية للرفاعي لا تنحصر بالتحديد في هذا الجانب، وإنما تمتد لتشمل فصولاً أخرى يتداخل فيها الحياتي بالثقافي والفكري.

من ثم فـ«مسرات القراءة ومخاض الكتابة» جزء من حياة دون أن يعني كونه الحياة في كليتها. وهو ما يوحي على السواء بكون هذه السيرة سوف تتشكل من أجزاء أخرى وفق ما طالعنا، مثلاً، في تجربة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولاً إلى الأدباء جلال أمين ومصطفى الفقي وغيرهما. ويحق الحديث على أن المفهوم الذي يرسخه الرفاعي للسيرة الذاتية، يتجسد - كما سلف - في الجمع بين عالمين: عالم القراءة وعالم الحياة. وبذلك، فإنه يغاير ويخالف السائد والمتداول في كتابة السيرة الذاتية. ويمكن التمثيل بما كتبه هنري ميللر في «الكتب في حياتي» وكولن ويلسون في «الكتب في حياتي» (والعنوان متداخلان)، وإيتالو كالفينو في «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، وألبرتو مانغويل منذ «تاريخ القراءة» إلى «حياة متخيلة». وإذا كان الصوغ في هذه المؤلفات مباشراً، فإنه في غيرها تحقق على نمط كتابة روائية، كمثال «عاشق الكتب» و«جنون كتاب» لهوفر بارتليت. وأما عربياً فيمكن التمثيل بكتابات عبد الفتاح كيليطو في أغلبها، إلى الروائي والقاص لؤي حمزة عباس في كتابة «النوم إلى جوار الكتب»، وبثينة العيسى في «الحقيقة والكتابة»، وطريف الخالدي في «أنا والكتب»، وصفاء ذياب في «أن نحكي»، وحسن مدن في «حبر أسود».

تشكل الوعي

تبدو صيغة الوعي بالقراءة في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بسيطة، لتتحول لاحقاً إلى التعقيد. فالبسيطة ترتبط بالفضاء كما الزمن، وهي انتقالات في حياة الشخصية وتكوينها. ذلك أن مرحلة التعليم الابتدائي في حياة الرفاعي لم تعرف سوى الكتب المدرسية، بحكم الارتباط بالواقع القروي وسواد الأمية بين الفلاحين على مستوى القراءة والكتابة. وفي سياق هذه المحدودية، فإن أفق التوسع والاضطلاع لم يمتلك مؤهلات التطوير وروافد الإغناء. من ثم فإن الصورة التي جاءت عليها المكتبة الشخصية الأولى، اتسمت على السواء بالبساطة ما دامت قد ضمت ما يشبه كراسات تتم العودة إليها بين فترة وأخرى في نوع من التكرار وشح الإضافة:

«لم أر في المرحلة الابتدائية كتاباً غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أني رأيت كتاباً في بيت أحد في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون». (ص/13)

«قرأت قصص: المياسة والمقداد والسندباد البحري وغزوة بئر ذات العلم وعنترة بن شداد». (ص/13)

«نشأت مكتبتي بهذه الكراسات وأشباهها، أصبحت أكرر مطالعتها، وأضيف لها ببطء وعلى فترات متباعدة ما أظفر به». (ص/14)

بيد أن الانتقال إلى بغداد بداية السبعينات بهدف الدراسة سيجسد تحولاً مغايراً على مستوى التكوين، ذلك أن ما بدا في السابق بسيطاً، سيغدو معقداً أمام وفرة الكتب وتعدد سبل المعرفة وما يترتب من دهشة وحيرة في الاختيار وتوقاً إلى امتلاك مكتبة غنية تتضمن مراجع معتمدة، علماً بأن هذه المكتبة الشخصية ستخضع لظروف قاسية تتحدد في الإجهاز عليها بالاغتيال - إذا حق - ثم القيام مجدداً بالبناء والإنشاء، وكأن الأمر يتعلق بسيرتين متداخلتين: سيرة تكوين وتكون القارئ، وسيرة نهضة مكتبة - مكتبات لا تتوقف وظيفتها في تشكيل صورة القارئ، وإنما الكاتب على السواء، من منطلق كون كل قراءة عميقة دقيقة موضوعية تقود إلى بناء شخصية الكاتب التي تقولها وفق صيغة خاصة تتفرد على مستوى التفسير والتأويل وترسيخ الفهم المغاير:

«أتذكر أولى زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالباً ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم». (ص/23)

«بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكم الكتب يتنامى ويضيق معه فضاء الصندوق بالكتب المضافة». (ص/ 44)

«تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية». (ص/55)

وتأسيساً على السابق، فإن تشكل الوعي بالقراءة تجسده نوعية المقروء. بمعنى آخر، إنه أمام فيض وغزارة المكتوب تحتم الضرورة انتقاء ما ينبغي قراءته من منطلق كون الزمن والحياة لا يسمحان بالإحاطة الشاملة. ثم إن التخصص المتعلق، سواء بحقل التدريس أو الكتابة، يستدعي القراءة، وبالضبط ضمن حدود المحفل، حيث تتمثل كيفية تصريف المقروء في المكتوب، إلى توظيفه التوظيف الملائم.

يقول الرفاعي في فقرة دالة مكثفة وجامعة تضعنا أمام المفهوم الحق للقارئ:

«ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثره في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه». (ص/29)

إن ما تقود له/ إليه صورة القارئ، ميلاد الكاتب ونشأته. والأصل أن الميلاد والنشأة يرتبطان بالقراءة. فلا يمكن ولا يتأتى خلق النص في غياب المرجعيات التي يتم الامتياح منها بغاية إنتاج المعنى الجديد الذي لا يقول الشيء نفسه، وإنما ما يغايره ويختلف عنه. وثم تتحقق الفرادة والخصوصية. على أنه ومثلما تحققت ولادة القارئ في زمن مبكر، تسنى أيضاً للكاتب فرض قوة حضوره في المراحل التي قطعها تكوينه التربوي والجامعي، وكأن تمرين الممارسة التعبيرية الإبداعية نصاً وموضوعاً يعلن عن ذات تمتلك مشاعر وأحاسيس قيض لها الاستمرار وليس التوقف كي تغدو بنفسها مرجعاً معتمداً لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه:

«كتاباتي خلاصة مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي لم ولن تتوقف، وما زالت، كما كانت أول مرة، خلاصة عواصف ذهنية وتأملات فرضها علي عقلي الذي لا يكف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسب بأعماقي من جراح محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك تأثيره في فهمي». (ص/69)

ويبرز الاختلاف بين العالمين: عالم القراءة وعالم الكتابة، في كون الأخير كما ورد في التعريف المقتبس عن الروائية الفرنسية آني إرنو: «الكتابة كخنجر»، عالم عذابات ومعاناة ومتعة أيضاً. ذلك أن كتابة نص، أقول ولادته، لا يمكن على الإطلاق استسهالها. على أن أولى هذه العذابات والمعاناة يعكسها مكون اللغة بما هي أداة التواصل والاتصال بين الكاتب والقارئ. إذ الكاتب وهو يخوض مهمة الإنجاز يحلم بأن يكون منجزه دقيقاً من حيث الكتابة والتحرير، وهو ما يفرض عليه انتقاء العناصر المكونة للغته وبناء أفقه الإبداعي الخاص. فلا قيمة البتة لما يكتب بانتفاء القارئ الذي تصنعه الكتابة. وهذا ما يشير إليه الرفاعي بالاشتراك أو المشاركة، بحكم كون بناء النص تتداخل فيه كفاءتان: كفاءة الكاتب وكفاءة القارئ.

«اللغة كأداة هي ما يرهقني في الكتابة أكثر من الفكرة، أعيد تحرير النص عدة مرات. حين أكتب أمارس وظيفة تشبه وظيفة المهندس المعماري الذي لا يغفل عن وجه البناء الجمالي». (ص/ 69)

«الكتابة فن الحذف والاختزال». (ص/70)

«لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً». (ص/74)

«الكتابة اقتصاد الألفاظ وتدبير الدلالات. الكتابة تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. كل كتابة إعادة كتابة كتابة على كتابة». (ص/ 166)

إن ما يمكن استخلاصه من السابق: كون تشكل شخصية القارئ يتداخل وصورة الكاتب كما سلف، اعتبار بدايات الوعي بالقراءة والكتابة، تحقق منذ سنوات التكوين الدراسي والجامعي، والغاية التأسيس لمنطلقات في التعبير وعلى التفكير تتفرد في خصوصياتها وتصوراتها، وهو ما يلمس في الآثار الفلسفية للرفاعي.

في سؤال السيرة

لعل السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه الكتابة النقدية: أترى يتعلق الأمر في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة - فصل من سيرة كاتب» بسيرة محض، سيرة ذاتية، أم أنها سيرة ذهنية؟

إن التحديد الذي أقدم عليه المؤلف، والمتمثل في «فصل من سيرة كاتب»، يجسد ميثاق التعاقد الذي يربط بين المؤلف والقارئ. بمعنى آخر إننا أمام سيرة توازي بين القراءة والكتابة دون أن تشمل تفاصيل ترتبط بالحياة أو الذات برمتها كما مر مطلع هذه الكتابة، ومثلما المتداول والمعهود في السيرة الذاتية العربية التي نزع بعض مؤلفيها إلى ضبطها بالتحديد الدقيق، في حين غيب البعض التحديد، ومنهم من اختار تمرير وقائع ذاتية في كتابة روائية يتعامل معها في هذا السياق.

على أنه وإلى ميثاق التعاقد، فإن الإشارة «فصل من سيرة» تؤكد بأن أفق التلقي المنتظر مستقبلاً، سيكون أمام فصول أخرى تستكمل السيرة وتشمل الغائب مما لم يتم ذكره، وآنئذ تستوفي السيرة بعدها الذاتي في شموليته، ولئن كانت بعض الإشارات الذاتية الحياتية وردت في هذا الكتاب وفق تدقيق زمني صارم.

بيد أن اختيار الأستاذ عبد الجبار لهذه الصيغة، وليد قناعة واقتناع بأن المؤلف قارئ وكاتب بمثابة ذات، وجود وكينونة تنتج وعياً بالثقافي والفكري في ثوابته ومتغيراته. والواقع أن الاختيار يهدف في مستوى آخر من الفهم والتأويل إلى الاختلاف عن السائد في كتابة مادة السيرة، إلى التنويع والإضافة، وهو ما جنح إليه أكثر من كاتب ممن ذكرت سابقاً البعض منهم:

«كتابة السيرة بهذا الشكل من أمهر أنواع الكتابة وأكثفها وأثراها. كتابة السيرة تعني إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً لوجود الإنسان يبعث في حياته ولادة مستأنفة». (ص/75)

ويحق أن نضيف بأن الاختيار تمثيل عن إضاءة لجوانب من وفي حياة المؤلف. الفضول يتنازع القارئ الذي عرف الرفاعي من خلال دراساته وأبحاثه، والآن انطلاقاً من هذا الكتاب يخبر ما لم يكن يعرفه، وأقصد صورة القارئ والكاتب. ومن ثم، فإن «مسرات القراءة ومخاض الكتابة - فصل من سيرة كاتب» بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة وتعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات: «كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتها بوصفها تجربة وجود. تجربة الوجود فردية، كل ما هو فردي ليس ملزماً لأي إنسان». (ص/75)

* كاتب مغربي


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».