صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

كانت الفترة من 1880 - 1955 العصر الذهبيّ لمجلات المرأة خصوصاً في العالم الأنجلو ساكسوني

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية
TT

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

صعود مجتمعات وانحدارها من خلال مجلاتها النسائية

منذ صدور «ذا ليديز»، المجلّة النسائيّة الرائدة في بريطانيا عام 1770، أصبح لدى مؤرخي الحياة الاجتماعيّة مصدر توثيقيّ آخر لتتبع تطور أدوار المرأة في المجتمعات عبر العقود، وتلقب مزاج التوقعات التي تضعها على كاهل نصفها اللّطيف. ففي فضاء القرن الثامن عشر الذي كان يمور بتحولات عميقة في أوروبا الغربيّة في موازاة صعود البرجوازيات وتراجع البنى التقليدية، حفلت المجلات النسائيّة بمحتوى رصين يدفع باتجاه مشاركة فاعلة للمرأة في مختلف جوانب الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، بينما عكست خلال القرن التالي هيمنة الذكوريّة البرجوازية، التي بفضل النجاح الفائق لثورتها الصناعيّة، تمكنت من فرض إيقاع نموذج العائلة النووية المثالية على المجتمعات، فتمحور مضمون المجلات النسائية حينها حول الإدارة المنزلية، وتقديم المشورة العملية للنساء بنبرة أخلاقيّة بدلاً من الترفيه، وافتقدت تماماً لروح الدّعابة ونزعة الاستقلال التي كان تلمس في محتوى تلك المجلات خلال القرن السابق، قبل أن تشرع مجدداً في توسيع آفاق القارئات بداية من الربع الأخير للقرن التاسع عشر وعشيّة مولد القرن العشرين ترافقاً مع التحولات النوعيّة التي شهدها العالم: في الصناعة، والملاحة، والتمدن، والتعمير، والتعليم، والطب ومكافحة الأوبئة الكبرى، كما في ظهور الأنساق السياسية الجديدة كالاشتراكية والماركسيّة والحركات النسائيّة والتعاونيات، وتكرّس نموذج الدّولة القوميّة.

ويمكن الآن وصف الفترة من 1880 - 1955 بالعصر الذهبيّ للمجلات النسائيّة، لا سيّما في العالم الأنجلو ساكسوني، حيث أصبحت صناعة واسعة تشغّل أعداداً كبيرةً من الصحافيين والمحررين والرسامين، فظهرت مجموعة من الدورياّت الجديدة عالية الجودة مثل «هاربر بازار» (1867) في الولايات المتحدة، وكل من «ذا ليدي» (1885) و«ذا جينتل وومان» (1890) في بريطانيا، التي كانت موجهةً بالأساس لنساء الطبقات العليا، وتوسعت في نشر الإعلانات التجاريّة، كما العديد من المجلات الأسبوعية زهيدة الثمن التي لعبت دوراً مهماً في تثقيف نساء الطبقات الوسطى بأساسيات النظافة، والتغذية، ورعاية الأطفال مع التسلية، والأزياء، وأخبار المشاهير.

ونجحت في الفترة ذاتها مجلات مثل «ليدز هوم» (1883)، التي اقترب توزيعها في وقت ما من النصف مليون نسخة شهريّاً، و«غود هاوس كيبينغ» (1885) التي أصبحت مرجعاً للسيدات في اكتشاف أحدث منتجات السلع الاستهلاكيّة، و«فوغ» (1892) أسبوعيّة بداية ثم شهريّة، وتخصصت بالأزياء والجانب الاحتفالي من الحياة المرفهة لنخبة مدينة نيويورك في تثوير طباعة وإخراج المطبوعات الدوريّة عموماً وتلك الموجهة للنساء خصوصاً، إذ أصبحت التصاميم الغرافيكيّة للصفحات أكثر جاذبيّةً، وتمّ تعزيز استخدام الألوان، والصور، وتعاظمت جهود المعلنين في إنتاج صفحات دعائيّة محفّزة نجحت في تسهيل الانتقال من سجن الصفحات الخلفيّة إلى مكانة بارزة في قلب الأقسام الرئيسيّة. ولا شكّ بأن هذا كله كان انعكاساً مباشراً لتحسن الدّخول وتوسع نطاق الطبقات الوسطى، وأيضاً التطور المتسارع في تكنولوجيا الطباعة وإنتاج الورق، وتوسع مجلات التوزيع بفضل انتشار شبكات السكك الحديدية والمطارات ومحلات التجزئة، والدّفق المستمر من مبادرات شركات المواد الاستهلاكيّة، كما تعملق صناعة الإعلان والدّعاية.

على أنّ النجاح التجاري للصحافة النسائيّة في عصرها الذهبي تضمّن أيضاً عناصر أدت بها في النصف الثاني من القرن العشرين لأن تفقد استقلالها على المستوى التحريري لمصلحة المعلنين، إذ مثّل هؤلاء مصدر التمويل الرئيس للمجلات، وكانت توجهاتهم غالباً محافظة اجتماعيّاً، تكرّس الأوضاع القائمة وتدفع لتشكيل وعي المرأة في قوالب من الامتثال والاستهلاك المسرف، ولعب الأدوار التي تخدم مصالح الرأسماليين. وقد انتهى ضعف المحتوى التحريري إلى تراجع تأثير المجلّة النسائيّة الرئيسة وفقدانها ولاء القارئات، ما فتح الباب أمام ظهور مجلات متخصصة للأعمار مثلاً المراهقات، أو التخصص (الطهو)، أو أخبار المشاهير والنميمة والموضة، فيما كان عمر غالب الدوريات النسائيّة الجذريّة قصيراً بحكم انعدام وجود بدائل تمويل كاف بغياب الإعلان.

وبالطبع فإن العالم ليس أنجلوساكسونياً بالمطلق، إذ إن مجتمعات عديدة أخرى أنتجت تجارب صحافة نسائيّة مهمة، سواء في مصر - كانت مجلة «الفتاة» التي أصدرتها اللبنانية هند نوفل بالإسكندرية عام 1892 أوّل مجلة نسائية تصدر في العالم العربي - أو الهند أو جنوب أفريقيا أو دول أمريكا اللاتينية، وأيضاً على البرّ الأوروبيّ في فرنسا وألمانيا وإسبانيا، ولكن إذا قبلنا الإيجاز لوصف تطور علاقة الصحافة النسائيّة بمجتمعاتها فسنجد أن أغلبها عاش دورة صعود وعصر ذهبي ثم هبوط وتشتت مماثلة - مع فروق محلية وزمنية - لما عاشته الصحافة النسائيّة الأنجلو ساكسونيّة، لا سيّما بشأن هيمنة المعلنين لاحقاً على المضمون التحريري، مع ضرورة استثناء تجارب روسيا والصين التي لعبت فيها المجلات النسائيّة في القرن العشرين أدواراً آيديولوجيّة محضة موجهة وممولة من الدّولة.

ويبدو أن القرن الحادي والعشرين سيشهد تلاشياً تدريجيّاً لمفهوم «المجلّة» النسائيّة على عمومه، بدلالة تراجع الصحافة المطبوعة على عمومها وبشكل كبير لمصلحة الصحافة الإلكترونيّة العامّة، وتلك التحوّلات الجذريّة في سلوكيات الأجيال الجديدة بشأن مصادر حصولهم على المعلومات والمعارف مع التقلبات السريعة في تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت، والانتشار المتشظي لاستعمال وسائل التواصل الاجتماعي على تنوعها. وتحاول معظم العناوين النسائية التي لم تتوقف عن الصدور الورقيّ حتى الآن إعادة اختراع ذاتها كمنتج يصلح للبقاء أقله في إطار العالم الافتراضي، مع قصص نجاح جدّ قليلة.

الملفت أن هذا الموت البطيء المعلن للصحافة النسائيّة قد أثار عند القراء المعاصرين موجة من الحنين للمجلات النسائية في أوقات أفضل تمثلت في سعي محموم عند كثيرين لاقتناء أعداد قديمة من تلك المجلات، وارتفاع أسعار المتوفر منها إلى مستويات قياسيّة غير معهودة في سوق تستمر بالازدهار. ويقول خبراء في تجارة الكتب والمجلات القديمة إن الطّلب تزايد على هذه النوعيّة من النسخ بشكل مضطرد منذ عام 2000 مع توقف العديد من العناوين عن الصدور، وأن أسعارها تضاعفت بمعدل سنوي يقترب من 20 بالمائة سنويّاً، حتى أن عدداً من مجلّة «فوغ» من عام 1940 - بطبعتها البريطانيّة - بُيع مؤخراً في لندن بما يقرب من 1000 دولار أمريكيّ.

كانت مجلة «الفتاة» التي أصدرتها اللبنانية هند نوفل بالإسكندرية عام 1892 أوّل مجلة نسائية تصدر في العالم العربي

وبغض النّظر عن الحنين النوستالجيّ المفهوم للقديم، تعدد الدوافع لدى الهواة في سعيهم لاقتناء الأعداد القديمة من المجلات النسائيّة، فبعضهم يبحث عنها كأيقونات فنيّة من عصر ذهبي، لا سيّما عندما كانت الأغلفة تنجز بمعرفة الرّسامين، ويراها آخرون سجلاً لتطور التصوير الفوتوغرافي لاحقاً وأعمال رواده، فيما يطارد البعض الآخر أعداداً فيها مقالات لكتابات لامعات مثل سوزان سونتاغ، أو عناوين عكست استقلالاً تحريرياً ظاهراً أو مقابلات مع شخصيات مشهورة في مراحل سابقة، أو تغطية لأحداث تاريخيّة مهمّة على مستوى ما. ولا شكّ أن حالة النسخة، كما تسلسلها ضمن الأعداد العشر الأولى للإصدار، تضيف جاذبيّة ترفع بشكل عام من الأسعار، لا سيّما وأن المضمون التحريري فيها يكون عادة في أوجه مع سعي العنوان لتأسيس هويته وموقعه في أذهان القارئات.

وقد سهلت التجارة على الإنترنت على هواة اقتناء الأعداد القديمة من المطبوعات النسائيّة مشقة العثور على الأعداد التي يبحثون عنها إذا أصبح العالم كله مجالاً لبحثهم، ووجد كثيرون أيضاً ممن تراكمت لديهم نسخ من مجلات كانت تقتنيها أمهاتهم - وربما جدّاتهم - وتشغل مساحات ميتة من أماكن التخزين لديهم أن تلك أصبحت اليوم أشبه بثروة صغيرة. وهكذا، حتى في لحظات احتضارها الماديّ، فإن المجلات النسائية ما زالت تحمل في طياتها توثيقاً عميقاً لطبيعة الحياة الثقافيّة للمجتمعات، وتعاقب صيغ تبادل الأفكار والمقتنيات، وفوق ذلك كله تفاوت الأدوار المتوقعة من النساء في المراحل المختلفة.


مقالات ذات صلة

«الفجيعة»... رواية ترصد التاريخ الألماني بحس شاعري

ثقافة وفنون «الفجيعة»... رواية ترصد التاريخ الألماني بحس شاعري

«الفجيعة»... رواية ترصد التاريخ الألماني بحس شاعري

حظيت هذه الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة باحتفاء لافت في الصحافة الغربية، باعتبارها أحد أهم الأعمال الأدبية الصادرة في ألمانيا بالسنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «عالمية الثقافة العربية» لمحمد غبريس

«عالمية الثقافة العربية» لمحمد غبريس

ضمن مشروعها الثقافي بـ«طباعة المنجز الإبداعي العربي (طبعة بغداد)»، صدر حديثاً عن سلسلة «ثقافة عربية»

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
آسيا وكالة التجسس الصينية تحذر بعد كشف كتب عسكرية سرية تُباع بأقل من دولار

وكالة التجسس الصينية تحذر بعد كشف كتب عسكرية سرية تُباع بأقل من دولار

عثر على كتب تحتوي على مواد تتعلق بالجيش الصيني في محطة إعادة التدوير وبيعت بأقل من دولار واحد.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق أكثر من مجرّد كتب (أ.ف.ب)

مكتبة الكونغرس الأكبر في العالم تكشف بعض كنوزها (صور)

تحتوي مكتبة الكونغرس الأميركية، وهي الأكبر في العالم، على ما هو أكثر من مجرّد كتب، إذ تضمّ ملايين القطع المتنوّعة البالغة الأهمية برمزيّتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
كتب العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة

كلٌّ منا له عالمه النوعي الخاص. العالم ليس كينونة سكونية نتعاملُ معها برؤية نسقية موحَّدة؛ بل هو نتاج تفاعل معقَّد بين أدمغتنا والمادة التي يتشكَّل منها العالم.

لطفية الدليمي

العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة
TT

العيشُ في عوالم متعدِّدة

العيشُ في عوالم متعدِّدة

 

كلٌّ منا له عالمه النوعي الخاص. العالم ليس كينونة سكونية نتعاملُ معها برؤية نسقية موحَّدة؛ بل هو نتاج تفاعل معقَّد بين أدمغتنا والمادة التي يتشكَّل منها العالم. أدمغتنا هي الأخرى ليست كتلة مادية ساكنة. إنها حصيلة التطوُّر المستدام لخبراتنا المستجدة التي نصنعها بجهدنا الذاتي وشغفنا المدفوع برغبة لتغيير العالم، أو -على الأقل- المساهمة في تشكيله.

العالم الفقير تقنياً الذي عاشهُ أسلافنا يتمايز –بالتأكيد- عن العالم المعقَّد تقنياً الذي نعيشه، والعالم الذي يعيشه أحد الأشخاص ممن عاشوا في قلب الغابات الأمازونية المطيرة، أو قريباً من تخوم القطب الشمالي، سيختلف حتماً عن ذاك الذي يعيشه شاب نيويوركي في قلب مانهاتن. كلٌّ منا له عالمه الخاص الذي تؤثر عناصر كثيرة في تشكيله، مثلما أن لنا دورنا الخاص -عندما نرغب- في المساهمة بقدر ما في صناعة العالم.

عاش برتراند رسل، الفيلسوف الإنجليزي الأشهر في القرن العشرين، ما يقارب القرن (من عام 1872 حتى عام 1970). بدأ حياته مع مشهد العربات التي تجرها الخيول، ثم تُوفِّي بعد سنة شهد فيها كيف وطأ الإنسان القمر، عبر صورة منقولة لحظياً بواسطة اتصالات فضائية متقدِّمة. من يعشْ طويلاً في بيئة لا تلبث تتغيَّر تقنياً بكيفية مستدامة، سيكون كمن عاش في عوالم متعدِّدة بدلاً من عالم واحد. ربما أراد رسل من كتابه «صورٌ من الذاكرة» (Portraits from Memory) الذي نشره بداية خمسينات القرن الماضي، الإشارة إلى هذه العوالم المتعددة بطريقة استعارية، بعد أن عاش نحو قرن من الزمان على الأرض. كلُّ صورة من صور الذاكرة التي كتب عنها رسل هي عالم كاملٌ يتمايز عن سواه.

ألبرت آينشتاين، الفيزيائي النظري مبتدعُ النظرية النسبية الخاصة والعامة، كتب هو أيضاً كتاباً عام 1934، سمَّاه «العالم كما أراه» (The World as I See It)، ولعلَّه أراد العالم المادي الذي تتعامل معه الفيزياء بمعادلاتها المثيرة. لم يعش آينشتاين عالماً واحداً؛ بل شهد انتقالات كثيرة في حياته: من ألمانيا القيصرية إلى ألمانيا النازية، ثم الانتقالة المثيرة إلى معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستون الأميركية.

يبدو أنَّ مثل هذه الأفكار -أو ربما قريباً منها- قد طافت بذهن فاي- فاي لي، Fei-Fei Li، عالمة الحواسيب الأميركية صينية المولد، عندما اختارت لمذكراتها هذا العنوان: «العوالم التي أرى» (The Worlds I See). المذكرات منشورة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2023، وهي مزيج محبب ومتوازن من سيرة شخصية ومهنية يتداخل فيها الكفاح الشاق لعائلة لي مع شغفها وفضولها العلمي، ورغبتها في وضع بصمتها المميزة والمفيدة في هذا العالم.

السيرة العلمية والتقنية للبروفسورة لي مميزة: ولدت عام 1976 في بلدة صينية فقيرة، ثم استطاعت بجهودها وجهود عائلتها أن تتبوَّأ مواقع مرموقة على الصعيدين الأكاديمي والصناعي. شغلت موقع أستاذة علم الحاسوب في جامعة ستانفورد الأميركية، وأسَّست مع بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين موقع البيانات المسمَّى «ImageNet» الذي ساهم في تحقيق تقدُّم سريع في حقل الرؤية الحاسوبية (Computer Vision). إلى جانب هذا عملت لي في مجلس مديري «تويتر»، وساهمت في تأسيس معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر، كما شاركت في إدارة مختبر جامعة ستانفورد للرؤية والتعلُّم الحاسوبي.

يشتمل طيف اهتمامات الدكتورة لي على حقول متعددة: الذكاء الاصطناعي، وتعلُّم الآلة، والتعلُّم العميق، والرؤية الحاسوبية، وعلم الأعصاب الإدراكي (المعرفي).

تشارك لي في مذكراتها القارئ بحكاية الرحلة الملهمة لها، من طفولتها المتواضعة في الصين حتى آخر إنجازاتها المتفوقة في الحقل الأكاديمي وصناعة الذكاء الاصطناعي. تفتتح لي كتاب مذكراتها بسرد عن الساعات المشحونة بالقلق التي سبقت الإدلاء بشهادتها عام 2018، أمام لجنة الكونغرس الأميركي المختصة بشؤون العلم والفضاء والتقنية. كانت لي واحدة من أوائل المختصين الذين دعاهم الكونغرس للإدلاء بشهادتهم حول الذكاء الاصطناعي، وقد جاءت شهادتها بياناً مُعَقلناً حول آفاق تطور الذكاء الاصطناعي، كما كانت هذه الشهادة انطلاقة معقولة شرعت منها لي في سرد مذكراتها المثيرة.

في الفصول اللاحقة للمقدمة التمهيدية، تشرع لي في حكاية رحلتها، ابتداء من سنوات الطفولة وبواكير المراهقة في الصين، عندما أحبَّت الفيزياء وأرادتها أن تكون محور حياتها. عندما بلغت لي الخامسة عشرة سافرت برفقة أمها لتلتحق بأبيها في الولايات المتحدة الأميركية، وكان قد غادر قبل 3 سنوات. استقرَّت العائلة في نيوجيرسي، وعانت كثيراً من مشقات الهجرة المعروفة إلى عالم مختلف عمَّا عهدته العائلة في الصين. وكان اعتلال قلب الأم سبباً إضافياً في تراكم المشقات على الأب والابنة.

التقت لي في دراستها الثانوية بالسيِّد سابيلا، مدرس الرياضيات الذي سيصبح مرشدها وراعيها، ثم ستنعقد بينهما صداقة تستمر حتى اليوم. جاهد سابيلا في تخليص لي من آثار الصدمة الثقافية، وعزَّز الثقة في نفسها، كما عمل على حصولها على مقعد دراسي في جامعة برنستون النخبوية التي كانت مستقراً لبطلها السابق الذي أحبته دوماً، ورأت فيه مثالها الأعلى: ألبرت آينشتاين. اقتنعت لي بأنَّ آينشتاين كان مهاجراً مثلها في أميركا؛ فلِمَ لا تكون مثله؟

بعد أن حصلت لي على شهادتها الجامعية في الفيزياء من جامعة برنستون، غادرتها إلى معهد كاليفورنيا التقني «كالتك» (Caltech)؛ حيث حازت شهادتَي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية. ركَّزت بحثها في الدكتوراه على العلاقة بين العلم العصبي (Neuroscience) والرؤية الحاسوبية، وكان هذا خياراً غريباً ونادراً حينذاك؛ لكنها تفوقت فيه حتى صارت أحد أعمدته على مستوى العالم. تحكي لي عقب هذا ذكرياتها عن كتابة ورقتها البحثية الأولى، والظروف التي عاشتها عندما قدَّمت هذه الورقة في مؤتمر عالمي للرؤية الحاسوبية.

بموازاة هذا الاستذكار الشخصي، لا تنسى لي تذكير القارئ ببدايات الذكاء الاصطناعي في خمسينات وستينات القرن العشرين، وتأشير مواضع الانتصارات والانكفاءات في هذا الحقل البحثي الذي صار عنوان عصرنا الحالي. نجحت لي -كما أحسب- نجاحاً مبهراً في عرض حكايتها الشخصية في سياق التطوُّر التاريخي للحقل البحثي الذي تحكي عنه؛ لذا لا انفصال بين العالمين، وربما هذه هي الخصيصة المهمة لكلِّ من يبتغي المساهمة في دفع عجلة التقدم العلمي والتقني: ثمة دوماً اشتباكٌ بين الشأن الخاص والعام.

قلت سابقاً إنَّ صحَّة والدة لي المعتلَّة جعلت من حياتها في أميركا سلسلة زيارات للمستشفى، وقد شجَّعها هذا للبدء في تطوير أنظمة حاسوبية خاصة بالعناية الصحية الجماعية. شكَّلت لي، بمعية زملاء لها من الكلية الطبية الخاصة بجامعة ستانفورد، نظاماً حاسوبياً سمُّوه «Ambient Intelligence» قصدوا منه مساعدة الأطباء ومزوِّدي العناية الطبية في مهامهم اليومية. تصف الدكتورة لي هذا المشروع بأنَّه أكثر المشروعات تطلباً بين المشروعات التي عمل مختبرها الحاسوبي في جامعة ستانفورد على جعله حقيقة عملية فعالة.

تحكي لي في أحد فصول الكتاب عن عملها في شركة «غوغل». عام 2016 طلبت لي سنة تفرغ جامعية (Sabbatical) من ستانفورد، لتعمل عالمة قائدة لمشروع «غوغل» في الحوسبة السحابية (Google Cloud). كان هذا أول عمل تشرع فيه لي خارج نطاق الأكاديميا، ورأت فيه وسيلتها وفرصتها المتاحة للمساعدة في «دمقرطة» استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإتاحتها لأوسع جمهور ممكن من المستخدمين. كان الذكاء الاصطناعي حتى تلك السنة احتكاراً بحثياً نظرياً في أقسام علم الحاسوب الجامعية؛ لكن حصل عقب عام 2016 ميل عظيم من جانب عمالقة التقنية الرقمية («غوغل» و«مايكروسوفت» بالتحديد) لاستثمار ملايين الدولارات في البحوث وتطوير المنتجات الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهو ما شهدنا بوادره في سنوات لاحقة، مثل تطوير محركات البحث التي يديرها الذكاء الاصطناعي. صار الذكاء الاصطناعي منذ ذلك الحين ميزة (Privilege) نوعية، تتسابق لتوظيفها الشركات الكبرى.

مذكّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة... منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية

عقب انتهاء عملها في شركة «غوغل» عادت لي إلى قسم علم الحاسوب في جامعة ستانفورد عام 2018، ومنذ ذلك الحين تركَّز عملها على تطوير فكرة الذكاء الاصطناعي المتمركز على البشر (Human-centered AI).

تحكي لي في الفصول الختامية من مذكراتها، التطورات التي حصلت في حقل الذكاء الاصطناعي منذ تأسيسها برنامج «ImageNet» وحتى أيّامنا هذه التي شهدنا فيها التعامل الحاسوبي المباشر مع نماذج اللغة الواسعة (LLM) والذكاء الاصطناعي التكويني (Generative AI).

تنهي لي مذكراتها بالحديث عن توقعاتها لما يمكن أن تثمر عنه جهودها المستقبلية المكتنفة بطموح لا يهدأ، في السعي للإنجاز وتحقيق انعطافات تقنية مهمة.

أظنُّ أنَّ مذكَّرات لي تستحقُّ أن تلقى مقروئية واسعة لأسباب كثيرة، منها أنها تحكي لنا قصة الكفاح لخلق عالم جديد في بيئة تنافسية شرسة كالبيئة الأميركية، ثم إنها تقدِّمُ لمن يسعى لتحقيق انتقالة جدية علمية ومهنية في حياته، خريطة طريق مقترحة لتحقيق النجاح، في واحد من أكثر الحقول التقنية تسارعاً في العالم، وهو حقل الذكاء الاصطناعي الذي سيجعلنا نرى العالم بعيون جديدة كلَّ بضع سنوات، وربما كل بضعة أشهر في زمن قريب من اليوم.

العوالم التي أراها: الفضول والاستكشاف والاكتشاف في فجر الذكاء الاصطناعي

The Worlds I See: Curiosity, Exploration, and Discovery at the Dawn of AI

مؤلفة الكتاب: Fei-Fei Li

الناشر: Flatiron Books

عدد الصفحات: 324

تاريخ النشر: 2023