قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

مجلة الفلسفة الفرنسية تعيد فتح ملف «القبول أو الصمت»

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون
TT

قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون

في ظل عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية كونية بفضل التكنولوجيا المتطورة من جهة، وبسبب ميل الإنسان نحو السيطرة على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان من جهة أخرى، نشهد كل يوم تطورات وظواهر تجعلنا نتساءل حول مصير الإنسان والنزعة الإنسانية، وحول القيم التي تسود في المجتمعات المعاصرة والمشكلات المطروحة على الإنسان المعاصر. ومن بين هذه المشكلات التي تحدث في كافة المجتمعات المتطورة والمتخلفة، هناك مشكلة التحرش الجنسي ومحاولات الاغتصاب وكيفية التعامل قانونياً وقضائياً مع المرتكبين ومع الضحايا. ومن دون شك، فإن هذا الموضوع يحتمل الكثير من التأويلات والتحليلات القانونية والنفسية والاجتماعية، ويختلف التعامل معه بين مجتمع وآخر. وحول هذا الموضوع عرضت مجلة الفلسفة الفرنسية في عددها الجديد الصادر هذا الشهر كتاب المحامية الأميركية الراديكالية كاثرين ماكينّون (Catharine Mackinnon) تحت عنوان «le viol redéfini» (إعادة تعريف الاغتصاب)؛ إذ تنتقد مصطلح «القبول أو الصمت» بالاستناد إلى القانون الفرنسي. إذن، كيف تنظر هذه الشخصية الكبيرة المناصرة للحركة النسوية إلى حقوق النساء؟

الفصل الأول من الكتاب تخصصه حول «اللحظة الفرنسية»؛ إذ تبين فيه أنه على عكس البلاد الأنغلوسكسونية التي تضع مصطلح «القبول أو الصمت» في صلب القانون ضد الاغتصاب، فإن التشريع الفرنسي يعترف بأربعة نماذج من القوة ويعرّف الاغتصاب بأنه «كل فعل إيلاج جنسي مرتكَب تجاه الآخر بواسطة العنف أو بالجبر والتهديد أو بالمفاجأة». وقد اعترضت الحكومة الفرنسية على التوحيد الأوروبي لتعريف الاغتصاب القائم على غياب القبول، مفضلةً الإبقاء على تعريفها. أما المحامية ماكينّون المؤيدة للتعريف الفرنسي فتعدّ أن «نعَم لا تعني دائماً نعَم»؛ إذ إن الضحية «يمكن أن تقول (نعم) لتجنب عقوبات إضافية وليس رغبة في الجنس». وبالتالي، فإن الصمت أو القبول يمكن أن يستخدم سلاحاً من قبل المعتدي كي ينكر العنف والإلزام الذي مارسه تجاه الضحية. هنا تستشهد ماكينّون برواية الكاتبة الفرنسية فانيسّا سبرنغورا التي تروي قصتها تحت عنوان «القبول أو الصمت»؛ إذ كانت ضحية الكاتب الفرنسي غابريال ماتزنيف. وبالفعل، فإن ماكينّون تقتبس غالباً من الكاتبات الفرنسيات، ولاحظت أن هذه الكتابات دفعت الحكومة الفرنسية إلى تعديل القانون الفرنسي بحيث أصبح هذا القانون منذ عام 2020 يمنع العلاقات الجنسية بين قاصر عمره خمسة عشر عاماً وبين راشد يكبره بخمس سنوات. إذن، هذا الجو الفرنسي الأدبي دفع المحامية الأميركية إلى نقد مفهوم «القبول» أو «الصمت» حول هذا الموضوع. ومع ذلك، فإن البيئة الأدبية الفرنسية لم تكن مرحّبةً بالأفكار التي أطلقتها ماكينّون. على سبيل المثال، فإن أحد الناشرين الفرنسيين خاطبها بالقول: «سيدتي، كتابتك عنيفة جداً. إن النساء الفرنسيات لا تهتم بهذه المواضيع»، ولكن كاثرين ماكينّون تلاحظ أن في فرنسا عدداً مهماً من ضحايا المشاهير أشاروا إلى المفارقة المؤلمة بين قانون يتطور وبين نجوم ذكورية لا يمكن المساس بهم. وإذا كانت ماكينّون تخيف أولئك الذين يتمنون بشكل واعٍ، إلى حد ما، الحفاظ على هذا النظام المسيطر؛ فإنها تصدم أيضاً بعض المناضلات في الحركة النسوية؛ وذلك لأن هجومها على مفهوم «القبول أو الصمت» من الممكن ألا يكون مرحّباً به في أوساط المناضلات على الأرض المنتميات إلى عالم الجمعيات واللواتي تحرّكن دائماً هذا المفهوم من أجل مكافحة حالات العنف القائمة، وأيضاً للوقاية من حالات العنف المستقبلية عبر التربية على الجنس بالتراضي... ومواقفها ضد الدعارة وأفلام الجنس الإباحية لم تلقَ استحساناً في الأوساط النسوية، ولكن بعد نشر كتاب «ألم مبرح» في عام 1980 الذي يعرض مذكرات الممثلة الإباحية السابقة ليندا لوفلاك التي تعرضت للاغتصاب والمعاملة السيئة والتي أُجبرت من قبل شريكها على تمثيل فيلم «deep throat»؛ بدأت المحامية ماكينّون تخوض معركتها ضد صناعة الأفلام الإباحية إلى جانب الكاتبة والناشطة في الحركة النسوية أندريا دووركن؛ إذ خاضتا المعركة في الميدان الحقوقي وتعاونتا على تحرير إنذار قضائي ووثيقة رسمية حول الحقوق المدنية في مجال صناعة الأفلام الإباحية من أجل اعتبار هذه الصناعة بمثابة تمييز وإساءة ضد النساء. غير أن هذا الموقف أثار عاصفة لدى نصيرات الحركة النسوية الأميركية. ولكن إذا كانت مواقف المحامية ماكينّون تجاه الدعارة والأفلام الإباحية لم تحظَ بالإجماع، فمن الصعب نكران مساهمتها الأساسية في مسألة التنمر أو التحرش. ففي عام 1986 اعترفت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية وأقرت بأن موظفة في مصرف قد تعرضت لتحرش جنسي من قبل مديرها.

يجب صياغة القانون بمفردات الضحايا ولمصلحتهن لا بمفردات المعتدي

لأول مرة في التاريخ تستند المحكمة إلى تعريف التحرش بمثابة تمييز جنسي مبتكر من قبل المحامية ماكينّون منذ عام 1979 عندما تخرجت في جامعة يال، وذلك لم يحصل في فرنسا إلّا منذ عام 2012 عندما أدان القانون الفرنسي فعل التنمر والتحرش. وبالفعل، فإن استخدام كلمة «تحرش» أو «تنمّر» في القانون أحدث ثورةً في تعريف العنف. تقول ماكينّون: «إن فعل الاعتداء الجسدي هو بشكل عام يعدّ خطيراً بما يكفي كي يشكل تحرشاً جنسياً في القانون الأميركي على الرغم من أن ذلك لم يكن مقرراً بشكل حاسم. إن كلمة (تحرش) لا تتضمن أفعال الاعتداءات الجسدية فقط، ولكن أيضاً تلك التي تنتج عن العنف اللفظي». هكذا إذن هي تبيح الحكم على العنف المحدود كما الاعتداءات المستمرة، وصولاً إلى الحاضرة بشكل دائم والتي تأتي عبر الكلام. إذن، ترفض ماكينّون أيضاً الفصل الجذري بين «الجنسانية» من جهة، وبين العنف من جهة أخرى. بالنسبة إليها، هذا الفرق يساهم في تأييد وتطبيع حالات العنف المتعلقة بالحياة الجنسية «التقليدية» والتي نعدّها بشكل خاطئ خالية من أي شكل عدواني، مستندة في ذلك إلى شهادات فتيات تعرّضن لمضايقات جنسية. وفي سبيل إثبات وجهة نظرها تلجأ المحامية في كتبها إلى الأرقام؛ إذ رصدت أن عدد ضحايا العنف الجنسي بأشكاله المختلفة والمسجلة في محاضر قوى الأمن، وذلك بحسب رسالة المرصد الوطني لحالات العنف المرتكبة بحق النساء، قد تضاعف مرتين في فرنسا منذ عام 2017. ولكن كيف يمكننا الخروج من هذا الوضع؟ وما هي المخارج والوسائل الممكنة كي لا نستسلم لليأس؟ توصي بأنه يجب أن نحاول مواجهة المشكلة ونتجنب الاستسلام للنكران؛ إذ إن لحظة الوعي ليست أبداً سهلة؛ وذلك لأن الناس يرون العالم من خلال الأوهام التي خلقوها كي يجعلوا حياتهم أكثر راحة. إذن، فإنهم يتحولون إلى ما يقال لهم عن شخصياتهم باعتباره ضرورة لنجاحهم، ثم يعودون ذات يوم ويكتشفون أن هذه الشخصيات لا تشبههم حقاً. وتدعو ماكينّون النساء للتوقف عن فعل ما يُطلب منهن، وإلى العمل على تطوير القانون كي لا يكون مصوغاً بمفردات المعتدي، بل يجب أن يصاغ بمفردات الضحايا ولمصلحتهن. وفي مقال تحت عنوان «الجنس والعنف»، تقول: «يجب المشاركة في تحديد المفردات التي تبدع المعيار وتكون الصوت الذي يشارك في تحديد الحدود». وهي تدرك أن ذلك لن يتم بشكل آلي، بل هي تؤمن بقوة بـ«مفعول الفراشة» الذي يسمح بتحويل الأفعال الصغيرة المقاومة إلى إعصار، وصولاً إلى زلزال الأرض. تقول: «ذات يوم قال لي أحدهم إنه إذا حدث أن كل سكان الصين دقوا أقدامهم اليمنى في الوقت نفسه، فإن الأرض سوف تتزحزح عن محورها». واستناداً إلى ذلك، تعدّ أن كل النساء اللواتي، كل واحدة على طريقتها، يقاومن ويقفن بوجه كل أشكال الاستغلال، يستطعن تحريك الأرض وحرفها عن مسارها. وتعدّ ماكينّون أن هذا التغيير ممكن أن يحصل من خلال الفلسفة، ومن خلال الثورة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.