قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

مجلة الفلسفة الفرنسية تعيد فتح ملف «القبول أو الصمت»

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون
TT

قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون

في ظل عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية كونية بفضل التكنولوجيا المتطورة من جهة، وبسبب ميل الإنسان نحو السيطرة على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان من جهة أخرى، نشهد كل يوم تطورات وظواهر تجعلنا نتساءل حول مصير الإنسان والنزعة الإنسانية، وحول القيم التي تسود في المجتمعات المعاصرة والمشكلات المطروحة على الإنسان المعاصر. ومن بين هذه المشكلات التي تحدث في كافة المجتمعات المتطورة والمتخلفة، هناك مشكلة التحرش الجنسي ومحاولات الاغتصاب وكيفية التعامل قانونياً وقضائياً مع المرتكبين ومع الضحايا. ومن دون شك، فإن هذا الموضوع يحتمل الكثير من التأويلات والتحليلات القانونية والنفسية والاجتماعية، ويختلف التعامل معه بين مجتمع وآخر. وحول هذا الموضوع عرضت مجلة الفلسفة الفرنسية في عددها الجديد الصادر هذا الشهر كتاب المحامية الأميركية الراديكالية كاثرين ماكينّون (Catharine Mackinnon) تحت عنوان «le viol redéfini» (إعادة تعريف الاغتصاب)؛ إذ تنتقد مصطلح «القبول أو الصمت» بالاستناد إلى القانون الفرنسي. إذن، كيف تنظر هذه الشخصية الكبيرة المناصرة للحركة النسوية إلى حقوق النساء؟

الفصل الأول من الكتاب تخصصه حول «اللحظة الفرنسية»؛ إذ تبين فيه أنه على عكس البلاد الأنغلوسكسونية التي تضع مصطلح «القبول أو الصمت» في صلب القانون ضد الاغتصاب، فإن التشريع الفرنسي يعترف بأربعة نماذج من القوة ويعرّف الاغتصاب بأنه «كل فعل إيلاج جنسي مرتكَب تجاه الآخر بواسطة العنف أو بالجبر والتهديد أو بالمفاجأة». وقد اعترضت الحكومة الفرنسية على التوحيد الأوروبي لتعريف الاغتصاب القائم على غياب القبول، مفضلةً الإبقاء على تعريفها. أما المحامية ماكينّون المؤيدة للتعريف الفرنسي فتعدّ أن «نعَم لا تعني دائماً نعَم»؛ إذ إن الضحية «يمكن أن تقول (نعم) لتجنب عقوبات إضافية وليس رغبة في الجنس». وبالتالي، فإن الصمت أو القبول يمكن أن يستخدم سلاحاً من قبل المعتدي كي ينكر العنف والإلزام الذي مارسه تجاه الضحية. هنا تستشهد ماكينّون برواية الكاتبة الفرنسية فانيسّا سبرنغورا التي تروي قصتها تحت عنوان «القبول أو الصمت»؛ إذ كانت ضحية الكاتب الفرنسي غابريال ماتزنيف. وبالفعل، فإن ماكينّون تقتبس غالباً من الكاتبات الفرنسيات، ولاحظت أن هذه الكتابات دفعت الحكومة الفرنسية إلى تعديل القانون الفرنسي بحيث أصبح هذا القانون منذ عام 2020 يمنع العلاقات الجنسية بين قاصر عمره خمسة عشر عاماً وبين راشد يكبره بخمس سنوات. إذن، هذا الجو الفرنسي الأدبي دفع المحامية الأميركية إلى نقد مفهوم «القبول» أو «الصمت» حول هذا الموضوع. ومع ذلك، فإن البيئة الأدبية الفرنسية لم تكن مرحّبةً بالأفكار التي أطلقتها ماكينّون. على سبيل المثال، فإن أحد الناشرين الفرنسيين خاطبها بالقول: «سيدتي، كتابتك عنيفة جداً. إن النساء الفرنسيات لا تهتم بهذه المواضيع»، ولكن كاثرين ماكينّون تلاحظ أن في فرنسا عدداً مهماً من ضحايا المشاهير أشاروا إلى المفارقة المؤلمة بين قانون يتطور وبين نجوم ذكورية لا يمكن المساس بهم. وإذا كانت ماكينّون تخيف أولئك الذين يتمنون بشكل واعٍ، إلى حد ما، الحفاظ على هذا النظام المسيطر؛ فإنها تصدم أيضاً بعض المناضلات في الحركة النسوية؛ وذلك لأن هجومها على مفهوم «القبول أو الصمت» من الممكن ألا يكون مرحّباً به في أوساط المناضلات على الأرض المنتميات إلى عالم الجمعيات واللواتي تحرّكن دائماً هذا المفهوم من أجل مكافحة حالات العنف القائمة، وأيضاً للوقاية من حالات العنف المستقبلية عبر التربية على الجنس بالتراضي... ومواقفها ضد الدعارة وأفلام الجنس الإباحية لم تلقَ استحساناً في الأوساط النسوية، ولكن بعد نشر كتاب «ألم مبرح» في عام 1980 الذي يعرض مذكرات الممثلة الإباحية السابقة ليندا لوفلاك التي تعرضت للاغتصاب والمعاملة السيئة والتي أُجبرت من قبل شريكها على تمثيل فيلم «deep throat»؛ بدأت المحامية ماكينّون تخوض معركتها ضد صناعة الأفلام الإباحية إلى جانب الكاتبة والناشطة في الحركة النسوية أندريا دووركن؛ إذ خاضتا المعركة في الميدان الحقوقي وتعاونتا على تحرير إنذار قضائي ووثيقة رسمية حول الحقوق المدنية في مجال صناعة الأفلام الإباحية من أجل اعتبار هذه الصناعة بمثابة تمييز وإساءة ضد النساء. غير أن هذا الموقف أثار عاصفة لدى نصيرات الحركة النسوية الأميركية. ولكن إذا كانت مواقف المحامية ماكينّون تجاه الدعارة والأفلام الإباحية لم تحظَ بالإجماع، فمن الصعب نكران مساهمتها الأساسية في مسألة التنمر أو التحرش. ففي عام 1986 اعترفت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية وأقرت بأن موظفة في مصرف قد تعرضت لتحرش جنسي من قبل مديرها.

يجب صياغة القانون بمفردات الضحايا ولمصلحتهن لا بمفردات المعتدي

لأول مرة في التاريخ تستند المحكمة إلى تعريف التحرش بمثابة تمييز جنسي مبتكر من قبل المحامية ماكينّون منذ عام 1979 عندما تخرجت في جامعة يال، وذلك لم يحصل في فرنسا إلّا منذ عام 2012 عندما أدان القانون الفرنسي فعل التنمر والتحرش. وبالفعل، فإن استخدام كلمة «تحرش» أو «تنمّر» في القانون أحدث ثورةً في تعريف العنف. تقول ماكينّون: «إن فعل الاعتداء الجسدي هو بشكل عام يعدّ خطيراً بما يكفي كي يشكل تحرشاً جنسياً في القانون الأميركي على الرغم من أن ذلك لم يكن مقرراً بشكل حاسم. إن كلمة (تحرش) لا تتضمن أفعال الاعتداءات الجسدية فقط، ولكن أيضاً تلك التي تنتج عن العنف اللفظي». هكذا إذن هي تبيح الحكم على العنف المحدود كما الاعتداءات المستمرة، وصولاً إلى الحاضرة بشكل دائم والتي تأتي عبر الكلام. إذن، ترفض ماكينّون أيضاً الفصل الجذري بين «الجنسانية» من جهة، وبين العنف من جهة أخرى. بالنسبة إليها، هذا الفرق يساهم في تأييد وتطبيع حالات العنف المتعلقة بالحياة الجنسية «التقليدية» والتي نعدّها بشكل خاطئ خالية من أي شكل عدواني، مستندة في ذلك إلى شهادات فتيات تعرّضن لمضايقات جنسية. وفي سبيل إثبات وجهة نظرها تلجأ المحامية في كتبها إلى الأرقام؛ إذ رصدت أن عدد ضحايا العنف الجنسي بأشكاله المختلفة والمسجلة في محاضر قوى الأمن، وذلك بحسب رسالة المرصد الوطني لحالات العنف المرتكبة بحق النساء، قد تضاعف مرتين في فرنسا منذ عام 2017. ولكن كيف يمكننا الخروج من هذا الوضع؟ وما هي المخارج والوسائل الممكنة كي لا نستسلم لليأس؟ توصي بأنه يجب أن نحاول مواجهة المشكلة ونتجنب الاستسلام للنكران؛ إذ إن لحظة الوعي ليست أبداً سهلة؛ وذلك لأن الناس يرون العالم من خلال الأوهام التي خلقوها كي يجعلوا حياتهم أكثر راحة. إذن، فإنهم يتحولون إلى ما يقال لهم عن شخصياتهم باعتباره ضرورة لنجاحهم، ثم يعودون ذات يوم ويكتشفون أن هذه الشخصيات لا تشبههم حقاً. وتدعو ماكينّون النساء للتوقف عن فعل ما يُطلب منهن، وإلى العمل على تطوير القانون كي لا يكون مصوغاً بمفردات المعتدي، بل يجب أن يصاغ بمفردات الضحايا ولمصلحتهن. وفي مقال تحت عنوان «الجنس والعنف»، تقول: «يجب المشاركة في تحديد المفردات التي تبدع المعيار وتكون الصوت الذي يشارك في تحديد الحدود». وهي تدرك أن ذلك لن يتم بشكل آلي، بل هي تؤمن بقوة بـ«مفعول الفراشة» الذي يسمح بتحويل الأفعال الصغيرة المقاومة إلى إعصار، وصولاً إلى زلزال الأرض. تقول: «ذات يوم قال لي أحدهم إنه إذا حدث أن كل سكان الصين دقوا أقدامهم اليمنى في الوقت نفسه، فإن الأرض سوف تتزحزح عن محورها». واستناداً إلى ذلك، تعدّ أن كل النساء اللواتي، كل واحدة على طريقتها، يقاومن ويقفن بوجه كل أشكال الاستغلال، يستطعن تحريك الأرض وحرفها عن مسارها. وتعدّ ماكينّون أن هذا التغيير ممكن أن يحصل من خلال الفلسفة، ومن خلال الثورة.


مقالات ذات صلة

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

كتب مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران

شرف الدين ماجدولين
ثقافة وفنون قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

قصر الحير الشرقي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

كشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة

رشا أحمد (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».