قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)
TT

قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)

كانت السمة عام 2023 بالنسبة لقراءات مجموعة من الأكاديميين والنقاد والروائيين في الخليج اهتمامهم بالقراءات التي تبحث في التاريخ السياسي والأدبي للمنطقة، مع اهتمام بارز في الاطلاع على كتب عالمية، وقراءة الأعمال الأدبية شعراً ورواية. الملاحظ أيضاً العودة للكتب القديمة، سواء فيما يتعلق بتاريخ الفنون قبل الإسلام، أو القراءات الفكرية والأدبية القديمة، ومعها القراءات التي يقصد منها إثراء البحوث، وكتابة الأعمال السردية.

قطر

د. أحمد عبد الملك: تاريخ وروايات

دأبتُ على قراءة الكتب المتنوعة، وإن كانت معظم قراءاتي من الروايات. ومن الأعمال التي قرأتها عام 2023، كتاب: «تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان»، تأليف الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو بحث علمي رصين، منذ ولاية الشيخ أحمد بن سعيد البوسعيدي والي صحار عام 1734 وحتى وفاة الإمام سعيد بن سلطان عام 1856، بعد أن تمت تسوية النزاعات مع الحكومة البريطانية. وهذا متنٌ مهم كجزء من تاريخ عُمان.

تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان

الكتاب الثاني: «قوة النونتشي» للباحثة إيوني هونج، وهو أحدث ما قرأته عن قوة تقييم الإنسان لغيره عبر العين! ويقتربُ النصُ من علم النفس. وتأتي الباحثة مؤلفة الكتاب؛ بنماذج من الحياة العادية لأثر وتأثير قراءة العين للطرف الآخر، وكيف يفشل البعضُ في تقييم الآخرين، كما تأتي الباحثة بمثال عن تدنّي قوة «النونتشي» لدى النرجسيين وافتقارهم إلى هذه القوة، مما يكشفهم لدى الآخرين.

الكتاب الثالث: «يوميات ساخرة لخائف كورونا» لكامل النصيرات. والكتابة الساخرة، كما هو معروف، نوع صعبُ من الكتابة، وتحتاجُ إلى دقة في الملاحظة، ومراعاة تأثير وتفسير هذا النوع من الكتابة. كما أن هذا النوع من الكتابة يداعب جانب المرح لدى القارئ.

الكتاب الرابع: رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي، الرواية الفائزة بجائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023، وهي ترصد أحداثاً في عُمان، وتجربة حرب ما قبل الاستقلال، وحفلت الرواية بعدد غير قليل من المُساعدات السردية الجميلة، وتاريخ المنطقة، وملامح الصراع مع الإنجليز ومن والاهُم.

والكتاب الخامس، رواية «نادي السيارات» لعلاء الأسواني، وهي رواية تبدأ باستهلال عن لقاء (كارل بنز) بـ(بيرتا) عام 1872 في مدينة (مانهايم) الألمانية، وفي الكنيسية يقسم لها بأنه يريد الزواج منها. وما (كارل) إلا صاحب سيارات «مرسيدس بنز» الألمانية. في الفصل الثاني يدخل المؤلف حياةَ (رقية) وزوجها (عبد العزيز)، وحواراتها مع صديقتها (نوال) زوجة (عبد العال) كبير ناس البلم. كان نادي السيارات يشكل معقل الطبقة الراقية، ويعالج فيه الكاتب قضية الفروقات الاجتماعية، والتباين الطبقي. رسائل مهمة في الرواية، تنطبق على حياتنا هذه الأيام.

الكتاب السادس، رواية «الوعد»، للكاتب القطري الشاب ناصر يوسف، وتُعالج الروايةُ مفاهيمَ اجتماعية تتمثل في قضية (وعد) الأخ لأخيه بخطبة ابنته لابنه، حيث تدور حوادثُ مؤلمة حول عدم انسجام البنت مع ابن عمها، وكانت تحبُّ أخاه وليس هو. وتنتهي الرواية بمقتل العريس على يد أخيه، ويدخل السجن. الكاتب ناصر روائي واعد، ويحتاج إلى تشجيع دائم.

أما الكتابان السابع والثامن، فكان: «كيف تكتب رواية أو قصة قصيرة»، للكاتب: أحمد المنزلاوي، وكذلك كتاب: «مهارات الكتابة والتأليف» للكاتب نفسه، وهي من الكتب الثرية، التي تُعلّم القارئ كيفية الكتابة، خصوصاً في مجال الرواية والقصة القصيرة، ولقد استفدتُ كثيراً من هذين الكتابين، وأعتقد أنه لا بد لأي كاتب للقصة أو الرواية من الاطلاع عليهما، فهما يُعدّان خريطة طريق للكتابة الإبداعية.

«الصمت، لغة المعنى والوجود»

د. حسن الرشيد: روايات ودراسات... وموسيقى

خلال هذا العام تنوعت قراءاتي بين الدراسات الأدبية، والبحوث العلمية، والسيرة الذاتية وغيرها. كما قرأتُ أعمالاً قطرية، لعدد من الكتاب مثل الشاعرين علي عبد الله الأنصاري، والشاعر محمد على المرزوقي، والروائي خلف الخلف، والروائي محمد الجفيري، هذا عدا رواية الدكتورة كلثم جبر الكواري «فريج بن درهم»، بالإضافة إلى كتاب «الجواري والشعر في العصر العباسي»، تأليف الدكتور سهام عبد الوهاب الفريح، وكتاب «الزندقة في دار الإسلام في القرن الثاني للهجرة»، لمؤلف ملحم شكر، وكتاب «حركة بابك الخرمي الدينية والسياسية»، لعبد العزيز آل سعيد، وغيرها من الكتب والدراسات.

حسن الرشيد - (قطر)

كما أتوقف عند كتاب «تاريخ الموسيقى العربية قبل الإسلام» للدكتور عبد الحميد حمام وهو يطرح تساؤلاً مهماً: هل كان للعرب دور في فنّ الموسيقى؟، وما مدى معرفتهم بالموسيقي؟ وهو يجيب بأننا كانت لنا ثقافتنا الموسيقية المرتبطة بالحياة في الشدة والرخاء، في الحضر والبدو، في الحرب والسلم، كما قام بالمسح الجغرافي عبر الجزيرة العربية.

وكذلك كتاب: «الأعمال الصوفية»، لمحمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، وهو واحد من المتصوفة جمع بين العلم والمعرفة و«الوقفة»، وهي المقولات الأساسية التي ينطوي عليها مذهب النفري، وتخضع لتراتب دقيق، حيث يأتي العلم أولاً، وهو المدخل للمعرفة، والمعرفة مدخلاً للوقفة. والوقفة، في النهاية، هي نور الله الذي لا تجاوره الظلم.

الحارس في حقل الشوفان

ولا بدّ من التوقف عن رواية «إهانة غير ضرورية» تأليف إياد عبد الرحمن، وهى رواية عن المسكوت عنه في الثقافة العربية، وهو موضوع العنصرية. فالكثير تناولوا واقع العبيد منذ عنترة بن شداد وسحيم عبد بني الحسحاس، وثورة الزنج، وتاريخ الرق والعبودية، ورائعة ألكسي هيلي «الجذور»، ورائعة الروائي القطري محمد علي عبد الله؛ «فرج»، وهذه الرواية تأخذ ثيمة العبودية نحو منحى آخر، وهي تصلح للترشح لعمل درامي.

وأختم بكتاب شيّق بعنوان: «الأغنية الشعبية.. مدخل إلى دراستها»، للدكتور أحمد علي مرسي، حيث ‏يمثل هذا الكتاب جولة متنوعة حول الإرث المصري عبر تراث غرف منه أبرز الملحنين على رأسهم العبقري بليغ حمدي.

سلطنة عُمان

د. هلال الحجري: تاريخ عمان وكتب تخصصية

قرأتُ هذا العام طائفة متنوعة من الكتب، أغلبها تخصصية تتعلق باهتماماتي البحثية المتمركزة حول علاقات الغرب بالشرق، وعمان خاصة. من بين هذه الكتب، كتاب صدر في 2013 باللغة الإنجليزية، وعنوانه: «أقلمةُ عُمان» استطاع فيه ستِفن ويبل، وهو أستاذ ألماني متخصص في الاقتصاد ومعنيٌّ بدراسات الأقلمة، خاصة في عُمان والمغرب، أن يجمع باحثين من تخصصات مختلفة من الإعلام، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والدراسات الإسلامية، والدراسات الحضرية، واللسانيات، والسياسة الدولية، والتاريخ، والجغرافيا الاقتصادية، والاقتصاد السياسي، لدراسة عُمان بمنهج جديد يأخذ بالدراسات البينية ويستكشف هذا البلد؛ لا بكونه طَرَفاً معزولاً في أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وإنما بكونه مركزاً لدينامياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ امتدت من شرق أفريقيا مروراً بالمحيط الهندي، وبحر العرب إلى آسيا وأوروبا.

د. هلال الحجري «عُمان»

إنه رؤية بانورامية واسعة تمتح من التاريخ والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع في دراسة الحركة الفاعلة والديناميات المعقدة للمجتمع والدولة في عُمان، عبر زمان يمتد من القرن السادس عشر إلى الآن، وعبر مكان يمتد من زنجبار إلى الخليج العربي والهند والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من أصقاع العالم.

هكذا استطاع الكتاب أن يخرج من فخ الدراسات التي تنحو إلى تبسيط العالَم وفقَ أطرٍ مسلَّمٍ بها، أو ما يسميه ويبل بـ«الميتاجغرافيَّات الراسخة».

تكمن أهمية الكتاب في تجاوزه للمفاهيم الجغرافية الضيقة وفتحِ المجال لتعددية التخصصات (Multidisciplinarity) من أجل الوصول إلى فهم أوسع للديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ارتبطت بعُمان لا بصفتها إقليماً محدودَ المعالم «سلطنة عُمان»، وإنما بكونها «إمبراطورية» متعددةَ الأقاليم وعابرةً للقارات والثقافات. تشتغل على ترجمة الكتاب حالياً المترجمة العمانية المتميزة عهود بن خميس المخيني، ولعله يصدر مطلع العام المقبل 2024.

الكويت

بسام المسلم: تاريخ البلد... وروايات

الروائي الكويتي بسام المسلم، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قراءتي الأخيرة كانت محكومة بالحقبة التي سيتناولها مشروع كتابي القادم، وهي أواخر القرن التاسع عشر إلى العقد الرابع من القرن العشرين، في الخليج وشبه الجزيرة.

بسام المسلم (الكويت)

لذا ضمت قائمة الإعداد للمشروع كتباً عن تاريخ المنطقة، أهمها «تاريخ الكويت» لمؤلفه عبد العزيز الرشيد، وسيرة حياته التي كتبها الدكتور يوسف الحجي، وكتاب «معركة الصريف»، الذي يدرس فيه مؤلفه فيصل السمحان المعركة على ضوء المصادر التاريخية والشفهية، وهو كتاب ممتاز فاز عنه السمحان بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لأفضل مؤلف عن الكويت 2008. كما اطلعت على «الثقافة في الكويت» للدكتور خليفة الوقيان، وعلى كتاب «الكويت وتاريخها البحري» لأحمد المزيني، وعلى مجموعة من كتب الفنان أيوب حسين، وأخرى متعلقة بالعمل قيد الكتابة.

يضيف المسلم: أما عن قراءتي خارج الإعداد للمشروع، وكانت قليلة، فأذكر منها رواية الأميركي «سالنجر» بعنوان «الحارس في حقل الشوفان» التي ربما تعدّ من كلاسيكيات الأدب الأميركي رغم أني وجدتها قصة سطحية في «أدب البلوغ»، كانت من المبالغة في التقدير أن وصفت بـ «واحدة من أفضل روايات القرن!» حيث اتفق مع رأي الناقد الأميركي المخضرم في صحيفة واشنطن بوست جوناثان ياردلي، المولود في ثلاثينيات القرن، الذي تساءل بالإشارة إلى رواية سالنجر: لماذا يطلب معلمو اللغة الإنجليزية، الذين يتوجب عليهم تعليم الكتابة الجيدة، من الطلاب مراراً وتكراراً قراءة كتاب مكتوب بشكل سيء مثل هذا؟ وقد وجدته تساؤلاً مستحقّاً.

الإمارات

صالحة عبيد: فلسفة وعلم اجتماع

أحاول قدر الإمكان أن تكون قراءاتي منوعة وهي تتراوح بين «السرد»، وهو مجال اختصاصي وتركيزي، يليه «الشعر» لدوره الهام والحيوي في منح اللغة اتساعها، ثم «الفلسفة» و«علم الاجتماع» وأخيراً «السيرة» لما تضيفه من بُعد معرفي هام لكل مشتغل في مجال الكتابة الإبداعية.

صالحة عبيد (الامارات)

هنا أرشح كتاباً عن كل فئة، من خلال قراءاتي لهذا العام.. بداية بالسرد الذي سأختار منه التجربة السردية الفريدة للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا «أقمار ملاي ألميدا السبعة» التي حازت على جائزة البوكر بنسختها البريطانية في عام 2022، وتحملنا هذه التجربة السردية إلى عالم سوريالي وتاريخي ساخر يحاول من خلاله ملاي ألميدا، وهو بطل العمل أن يفتش عن قاتله، وهو شبح في دوائر ما بعد الموت السبعة، وبُعداً بعد آخر تتورط أكثر في ذلك العالم الساخر والساحر والمربك متعرفاً على مرحلة مهمة من تاريخ وحياة الإنسان السيريلانكي.

أما فيما يرتبط بالشعر فأود أن أشير للسلسلة الشعرية الجميلة التي أطلقتها مؤخراً «دار التكوين» السورية تحت عنوان «هي أنت» والمخصصة للتجارب الشعرية النسوية الجديدة في العالم العربي، وشدني من هذه المجموعة «رأس الوعل» لراما وهبة، حيث لا نستطيع اختزال الشعر بملخص ما أو تعريف بقدر ما نصف تجربة هذه المجموعة بالفريدة من نوعها والتي تستحق الاهتمام.

وفي مجال الفلسفة سأذهب إلى فلسفة «آلان واتس» في كتابه «حكمة انعدام الأمن رسالة إلى عصر القلق»، وهو كتاب لافت عن ضرورة أن يحركنا القلق اليوم بدلاً من أن نتفاداه، وهو صادر عن «دار سدرة» الإماراتية للنشر.

وفي مجال الفلسفة هناك كتاب «فلسفة العنف» لإلزا دورلين، وهو تتناول الفلسفة التاريخية للعنف وتراكمها الذي أفضي لعنف العالم المتفجر اليوم، وهو صادر عن «دار الساقي» للنشر بنسخته العربية.

وفي علم الاجتماع والتأريخ الاجتماعي هناك كتاب مهم لديفيد لوبروتون يحمل عنوان: «الصمت، لغة المعنى والوجود»، عن «المركز الثقافي العربي»، وهو يحلل البعد الاجتماعي للصمت ودوره الحيوي في تطور البعد الفكري لإنسان اليوم.

أخيراً في مجال «السيرة الذاتية» سأختار كتاب «نوارة نجم»، وهي تمزج سيرتها بسيرة والدها الشاعر أحمد فؤاد نجم، وذلك في كتابها: «وأنت السبب يابا» لتتناول بشكل مؤثر تلك العلاقة الشائكة والمرتبكة والعاصفة والدافئة أيضاً مع والدها الشاعر الشهير، وهو كتاب صادق جداً ومؤثر لن تتمالك نفسك أمام الدموع فيه في مواضع كثيرة.

السعودية

حمد الرشيدي: روايات وشعر... وتاريخ

قرأتُ هذا العام عشرات الكتب واطلعت على كثير منها، لكن بعض الأعمال الأدبية من شعر ونثر التي اطلعت عليها هذا العام، أو تلك الكتب التي تهتم بالشأن الثقافي العام هي التي استأثرت بنصيب أوفر من اهتمامي وأعجبتني، ولا زالت عالقة في ذهني، وقد كتبتُ عن كثير منها ونشرت بعض ما كتبته عنها، وأذكر منها: رواية «قبل أن يوصد الباب»، لسعد الغريبي، وهي رواية اجتماعية انفردت بجمال لغتها وحبكتها المثيرة. و⁠«الأعمال الشعرية للشاعر جاسم الصحيّح» في ثلاثة مجلدات، والصحيّح يعدُّ واحداً من أبرز الشعراء العرب في الوقت الراهن كما هو معروف.

تاريخ الكويت

وكذلك ⁠كتاب «تاريخ الشعر في الكويت»، للدكتور سليمان الشطي، ويتناول هذا الكتاب الحراك الشعري بدولة الكويت، منذ ظهور بواكيره الأولى بدولة الكويت في القرن الثامن عشر حتى العصر الراهن.

و⁠كتاب «إبحار مع القلم» للدكتور خليفة الوقيان، وهي مجموعة كبيرة مختارة من مقالات سبق نشرها للكاتب في الصحف الكويتية حول الشأن الثقافي العام.

وكتاب «الحضارة العربية الإسلامية وعوامل تأخرها»، للدكتور أمين زين العابدين، وهو كاتب ومفكر سوداني، والكتاب يبحث في الحضارة العربية والإسلامية منذ ظهورها، وما مرت به من مراحل مختلفة، وأثر هذه الحضارة في الحضارات الأخرى.

ورواية «خان جليلة» للكاتب السعودي ماجد سليمان، وهي رواية تاريخية رائعة تدور أحداثها في «إقليم اليمامة» قديماً، وكذلك ⁠كتاب «غزوة خيبر»، وهو كتاب قيم، اشترك في تأليفه كاتبان سعوديان، هما: الدكتور تنيضب الفايدي، وصيفي الشلالي، وهو بحث تاريخي «ميداني» اعتمد مؤلفاه على التحقيق الحقلي الميداني لغزوة خيبر، حين فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 7 للهجرة، حيث يتناول هذا الكتاب خط سير جيش المسلمين من المدينة المنورة إلى خيبر، وتلك المواضع التي مر بها خط سير الجيش، من جبال وأودية ومعالم طبيعية للأرض. وقد دُعِّمَ هذا الكتاب بكثير من الصور والخرائط التي توضح هذه المواقع.

رجاء البوعلي: «القصة» سعودياً وعربياً

الكاتبة والروائية السعودية رجاء البوعلي، قالت: تتزامن عندي برامج القراءة مع برامج الكتابة، فقد اعتدت على إعداد خطة سنوية ثقافية، تتناسب مع أهدافي المعرفية والإبداعية الإنتاجية، فكما شهدنا في ديسمبر الحالي صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» وهي ثمرة قراءة 2023 لفن السرد القصصي، على مسارين متوازيين: قراءة السرد في أعمال أمير القصة العربية يوسف إدريس، وتجارب متفرقة من الأدب العربي والسعودي تحديداً.

رجاء البوعلي ( السعودي)

فاعتباراً ببحثي عن نموذج عربي يمثل القصة بمدلولاتها الثقافية كاملة، ولأني لم أكن بداية هذا العام راغبة في قراءة الأدب المترجم، جاءت البداية مع يوسف إدريس وأعماله الكاملة، الذي يظل يبهرك بسلاسة أسلوبه وملامسته معظم ملامح الحياة المصرية بقصص قصيرة لا تنتهي، تتغلغل في تفاصيل الإنسان بكل وجوهه، وتعكس أوجاعه الداخلية وصراعاته الخارجية.

ومن إدريس انتقلت إلى المكتبة العراقية لأقرأ إنعام كجه جي وعدنان الصائغ، وتعززت رغبتي لمواصلة قراءة التجارب الوطنية المعاصرة قراءة كاملة، لاستيعابها جملة واحدة، فوقفت على آخر إنتاج الروائية السعودية بدرية البشر، ومنه دخلت لتجارب روائية وطنية أخرى.

«أقمار ملاي ألميدا السبعة» للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا

أما في القص؛ فقرأت متفرقات من القصة المصرية، ووقفت بتمعن على تجارب عبد الله السفر، فوزية العيوني، وعبد الله الوصالي ولا جدل أنني استرحت على شواطئ الشعر الرهيف لمحمد الثبيتي وفوزية أبو خالد وعبد الله السفر ومحمد الحرز وإبراهيم زولي وقاسم حداد من البحرين.

لا يخلو الطريق من القراءات الفكرية، التي تشعل الضوء كلما خفت وهج الحياة.


مقالات ذات صلة

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

ثقافة وفنون هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون فوكوياما

فوكوياما وتهافت «النهاية»

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة

ندى حطيط
ثقافة وفنون «عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

«عين جالوت»... رحلة الانحدار نحو الجنون

تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى،

دكستر بالمر
ثقافة وفنون حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة

هاشم صالح

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.


«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي
TT

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

فريد الزاهي
فريد الزاهي

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت (دار نلسن - 2026) مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي، نشأت بينهما صداقة أدبية بدأت من القراءة قبل أن تتحوّل إلى مراسلة، وتغذّت على ما كتب الزاهي وترجم، ولا سيّما ترجمته لكتابَي المستشرق الفرنسي هنري كوربان «الخيال الخلاّق في تصوّف ابن عربي»، و«مقدمة لمؤلفات شهاب الدين السهروردي الفلسفية والصوفية».

فمثل هذه القراءة، على الرغم من وجاهتها، تفوّت البنية العميقة للكتاب. إذ خلف الصداقة التي تنمو بين بيروت والمغرب، ثمة شخصية ثالثة لا تكتب رسالة واحدة فيه، ولا تظهر كموضوعٍ مباشر، لكنها حاضرة في تكوينه، عنيت شخصية الأب والصحافي والشاعر الغائب، أنسي الحاج، «موطن ندى»، على حدّ قول الزاهي، الذي جعله الرحيل أكثر حضوراً، وربما أكثر استعصاءً على الغياب.

ندى الحاج

تبدأ الحكاية، إذاً، من علاقة ابنة بأبيها، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود السيرة العائلية، لتطرح سؤال الوجود وجمال المعرفة واللغة والأدب والموسيقى والترجمة والكلمات والتصوّف والحقيقة والروح والجسد والحرب والموت والأديان والكتابة والقراءة الورقية في زمن التقنيات الرقمية، ودور المقهى والصحافة واللقاء الثقافي في تشكيل الذاكرة الأدبية وغيرها من أسئلة الحياة. لذلك تبدو الرسائل في هذا الكتاب ذات وجهين متكاملين: رسائل تُوجَّه إلى فريد الزاهي، وردودٌ تخرج عن «المسالك المعبَّدة للكتابة»، تحلّق في فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والشعر والفكر، وتتداخل فيه التجربة الإنسانية مع التأمل في الأسئلة الوجودية الأعمق، مستعيدةً بذلك تقليداً أصيلاً في الحوار، يعود إلى قرون بعيدة مع رسائل سينيكا إلى لوقيليوس ورسائل أبيقور إلى تلاميذه ومريديه، ورسائل شيشرون إلى أتيكوس، وديكارت ولوك، وروسو وديدرو، وفلوبير وجورج صاند، وصولاً إلى رسائل ألبير كامو وماريا كاساريس وسواهم، التي تجاوزت وظيفتها التواصلية صائرةً «وسيطاً للتفكير» واستكشاف الذات في حوار غير متزامن يتجاور فيه الحضور والغياب.

منذ الصفحات الأولى للكتاب يتبين أن الرسائل لا تنشأ من فراغ. إنها تأتي من تاريخ من الشعر والكتابة والذاكرة، ومن علاقة طويلة بين ندى وإرث أبيها. لكن الزاهي لا يكتفي بمجاراة ندى في استدعاء أنسي الحاج. لعله يعيد قراءة تجربتها في إعادة تركيب لما تفتحه الرسائل من أفقٍ تأمليّ وثقافيّ واسع. ولهذا فإن الحوار معه لا يمكن فصله عن السؤال الآتي: ماذا تفعل الابنة حين يكون الأب شخصاً تحبه، وكاتباً وشاعراً سبقها إلى اللغة، واسماً صار جزءاً من هويتها الأدبية؟

هنا تحديداً تتجاوز الرسائل بعدها الشخصي لتصبح نصّاً عن الميراث الشعري، والأبوة، والغياب، وفعل الحب، وتكوّن الذات والنسب الأدبي.

ومنذ الردّ الأول على رسالة «سَفرُ المرايا»، يلتقط الزاهي ما يتصل بالكتابة والشعر والنقد والترجمة والدين والرمزية، ليفتح فضاءً مشتركاً للشعر والفكر، مؤكداً أن الكتابة الحقيقية كشفٌ واكتشاف، وأن النّص حين يكون حيّاً يتحول من «شريك» إلى «فكر»، ومن تجربة فردية إلى معرفة. والأهم أن الزاهي لا يقرأ ندى بمعزل عن أبيها. فهو يعرف الحاج من داخل تجربته الثقافية، ويعرف موقعه في المشهد الشعري والفكري العربي. فإذا كانت ندى تملك الذاكرة الحميمة، فإن الزاهي يملك ذاكرة القارئ. وبين الذاكرتين يتشكل أنسي الحاج الذي لا يعود شخصية أحادية. إنه الأب الذي عاش في البيت، والشاعر الذي عاش في اللغة، والاسم الذي ترك أثراً في جيل كامل من الشعراء والكتّاب. ولذلك فإن رسائل الزاهي تبدو أحياناً وكأنها تحاول أن تحمي ندى من اختزال نفسها في نسبها الأدبي، دافعاً الحوار باتجاه ما فعلته الابنة بهذا الإرث وخطواتها على طريق الاستقلال عنه.

وتتجلى شخصية الزاهي بصورة أوضح في رسائله التي تتناول تجربته المغربية، والقراءة والكتابة والترجمة، وعلاقته بلبنان وبالتراث العربي. ففي رسالته «خطّ وقدر»، يستعيد تاريخ علاقته بالورق والقلم، ثم ينتقل إلى القرآن، وإلى بدايات وعيه باللغة والحفظ وإلى تجربته مع الكتابة اليدوية والصحافة والترجمة. هذه الاستطرادات ليست خارج موضوع المراسلة، إنها تكشف شيئاً جوهرياً: الزاهي لا يفسر تجربة ندى من الخارج، بل يضع سيرته وتجربته الخاصة إزاء تجربتها، فيصبح الحوار تبادلاً للسيرتين. ندى تتحدث عن الذاكرة، فيستدعي الزاهي ذاكرته كما في «جنوحٌ نحو القصيدة»؛ تتحدث عن الأب، فيستعيد هو أباه الأمي وسيرته وطفولته وآباءه الثقافيين؛ تتحدث عن الكتابة في «حرية وخفّة»، فيعود إلى تاريخ كتابته وقراءاته؛ تتحدث عن لبنان وبيروت والتجاور والتعايش الديني، فيعود إلى المغرب ومدنه ومساجده ومواقعه وأديرته المسيحية ومكتاباتها العامرة زمن الوجود الفرنسي وانفتاحها على الآخر كما في رسالته حول «التجاور الديني»، التي يقرأ فيها فضاء المغرب التاريخي والثقافي والديني، مستعيداً علاقته بالتراث المسيحي، ليصل إلى فكرة أعمق عن التعدد والحوار. وفي المقابل تستجيب ندى لهذه الرؤية من موقعها اللبناني، فيصبح المغرب ولبنان تجربتين مختلفتين لكنهما تلتقيان في سؤال التعدد والتعايش والذاكرة؛ وتتحدث عن الروحانية والتوق إليها، فيدخل معها إلى نصوص وحكم محي الدين بن عربي، وتردّ ندى محدثةً إياه عن تآلفها مع روح القرآن، وقد أتيح لها قراءته وحضور حلقات ذكر للشيخ النقشبندي محمد هشام قبّاني. فيحدثها الزاهي عن قراءاته للكتاب المقدس وتعاليمه وتأثيرها على بعض من تحوَّل إليها. وهكذا لا تسير الرسائل في خط مستقيم من سؤال إلى جواب، وإنما في «دوائر متراكبة»، كأن تفتح كل رسالة باباً لا يغلقه ردّ الزاهي بقدر ما يفتح باباً آخر يزخر بشتّى أنواع المعارف، معرّجاً على أسماء أدباء وفنانين كبار تأثروا بالثقافة المغربية الأصيلة التي فتنت «العابر والمقيم»، وغدت «منبعاً لمتخيل أدبي وبصري لا ينضب».

وتتناول الرسائل أيضاً موضوعات الجفاف والمطر والتقنيات الرقمية وتدويناتها النرجسية وتجارب الفنانين الكبار كبول كلي وماتيس وثقافته الفلسفية والكتابة السيرية والصمت والحب الذي يربطه الزاهي باللغة والزمن والوجود. ففي رسالة بعنوان «الحبُّ الجارف» يقارب الزاهي الحب كقوة تتجاوز إمكانية امتلاكها أو تحديدها، فيصله بالحياة وبالعلاقة بالآخر، ثم يجد له أفقاً صوفياً في قراءة ابن عربي الذي يفتح أمام ندى صورة أخرى للأبوة: أبوة روحية وثقافية تُكتسب بالاختيار والقراءة، لا بالدم. فإذا كان أنسي الحاج هو الأب الذي جاءت به الحياة، فإن ابن عربي واحد من الآباء الذين تختارهم الروح. هكذا يتسع مفهوم النسب، نسب الجسد، ونسب الشعر، ونسب الروح الذي يخرج علاقة ندى بأبيها من حدود العائلة إلى فضاء أوسع تتداخل فيه القراءة والتلمذة والبحث عن الذات. وهذا تحديداً ما يجعل الزاهي طرفاً ضرورياً في الكتاب: إنه لا يرد على ندى، بل يعيد صياغة أسئلتها. فإذا كانت الحاج تنطلق من التجربة لكي تصل إلى الفكر، فإن الزاهي كثيراً ما ينطلق من الفكر لكي يعود إلى التجربة، وبين الاتجاهين تنشأ حركة الكتاب كلها.

إن رسائل الزاهي تؤدي في الكتاب وظيفة «المرآة النقدية». لكنها ليست مرآة تعكس ندى كما هي؛ إنها مرآة تغيّر زاوية النظر إليها وإلى الأسئلة التي تثيرها. ولعل هذه الازدواجية هي التي تمنع الكتاب من التحول إلى سيرة وجدانية صائراً سؤالاً أدبياً وفكرياً يهم القارئ أينما كان.

ولا بدّ في هذا السياق من الإشارة إلى أن الزاهي ليس «المخاطَب» في هذه المراسلات فحسب؛ إنه «القارئ الأول الذي يشارك في صناعة النصّ». فمن خلاله تنتقل رسائل ندى من حميمية المراسلة إلى أدبية الحوار، ومن الاعتراف الشخصي إلى التفكير في الشعر والكتابة والذاكرة والموت. فالزاهي الآتي من خارج ذاكرة ندى العائلية، يستطيع أن يرى ما تعجز الذاكرة الحميمة أحياناً عن رؤيته. لذا يصبح شاهداً وقارئاً ورفيقاً في إعادة بناء المعنى. ولعله في قراءته لما تقوله ندى، يعيد السؤال إليها في صورة أخرى أو حركة متبادلة تمنح الكتاب حيويته، بحيث يصبح حواراً يتسع كلما اختلف الصوتان.

ومن الخاص إلى العام يمتد الكتاب نحو لبنان. وطن ندى الحاضر هنا كذاكرة وجرح وتجربة عيش. الأزمة اللبنانية، وانهيار الحياة العامة، والشباب الذين يحاولون مواصلة حياتهم وسط الانهيار، كلها تدخل في نسيج المراسلات. الكتابة تصبح مقاومة لفقدان المعنى؛ وحين يهدد الواقع بتفكيك الحياة، تستعيد الرسالة قدرتها على بناء علاقة وذاكرة وصوت للبنان الذي يظهر في هذه الصفحات كوطن محبوب ومجروح في آن، والذي تصعب مغادرته حتى حين يصبح العيش فيه امتحاناً يومياً عسيراً.

تنبع جاذبية الكتاب الأدبية من صعوبة وضعه في خانة واحدة. هو رسائل، وتأملات، واعترافات، وحوار فكري، ونصّ شعري موزع بين صوتين يفتحان جسوراً بين لبنان والمغرب، وبين الشعر والموسيقى والترجمة، وبين التراث والحداثة، والحوار الديني والتجربة الصوفية، والعيش المشترك والعبور بين الثقافات. قيمته في جعله الفكر يحدث أمامنا كتجربة حيّة لا تنتهي عند صفحاته الأخيرة. ذلك أن الحوار الحقيقي يبدأ حين يصمت كاتبا الرسائل، ويتركان للقارئ فسحةً يواصل فيها التفكير، ليكتشف أن الكتابة متصلة بالحياة اتصالاً عميقاً، وأنها إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها صياغة علاقته بذاته، وبالآخر، وبالماضي؛ متجذّراً في ما وراءه، وممتدّاً نحو ما ينتظره، وساعياً إلى آفاق فكرية لا حدَّ لها.

* كاتبة لبنانية


حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة
TT

حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

في هذا الكتاب، يتتبع المؤلف عدداً من الكتب لمؤلفين عالميين خضعت لسلطة الرقابة، لكنه يميّز بين تلك الأعمال التي مُنعت فعلاً لأسباب رقابية، وليست المؤلفات التي حاولت الاستفادة من مفهوم الرقابة في الترويج والانتشار. وقبل ذلك، يحاول تتبع مفهوم «منع الكتاب»، كما يسعى لتفكيك ظاهرة المنع نفسها، وإعادة قراءتها في صورة أشمل لمفهوم «سلطة الرقابة» التي تتعدى الجهات الرسمية إلى منظومة واسعة تساهم في غياب/تغييب الكتاب، وتشمل مشكلات التوزيع، أو رفض الناشرين، أو الشائعات التي تحيط بالكتاب أو الكاتب وتضعه في القائمة السوداء.

والكتاب لا يهدف إلى الترويج لكتب لمجرد أنه تمّ منعها، بل يسعى إلى فهم ما تخشاه السلطات من الكلمة، وتتبع رحلة النص والمعركة المقامة حوله، رصداً للمسافة الفاصلة بين اليد التي حاولت إبعاد الكتاب واليد التي أعادته إلى الرف.

مفهوم «منع الكتب»

يستهل الكاتب تمهيده بسرد تجربته الشخصية مع الكتب والأشرطة المحظورة منذ الصغر؛ حيث كان لوصم العمل بكلمة «ممنوع» جاذبية خاصة تدفع القراء لاكتشاف المستور واختبار الحدود، بدءاً من كتب الثقافة الجنسية المتداولة سرّاً، مروراً بأشعار نزار قباني، وصولاً إلى استنساخ الكتب النادرة والأشرطة الصوتية في المرحلة الجامعية.

يتساءل الكاتب: ماذا نعني حين نقول إن كتاباً ما «ممنوع»؟ وهو يميز بين الحظر القانوني والإداري، والمصادرة، والمنع من التوزيع أو العرض، والرقابة السابقة على النشر، والمحاكمة، والاستبعاد من المناهج والمكتبات، والضغط غير المعلن. ويدعو لضبط مفهوم الرقابة.

ويوضح أن للمنع حكايتين: حكاية النص وأفكاره، وهي تتصل باللغة والشخصيات والأفكار والظروف التي وُلد فيها العمل. وحكاية ما جرى له بعد النشر، حين يصل الكتاب إلى قارئ، أو رقيب، أو قاضٍ، أو موظف جمارك، فيقرأ فيه شيئاً يراه خطراً أو خروجاً على المألوف.

لكنه يؤكد أن المنع ليس «شهادة جودة» للأعمال الضعيفة، بل واقعة تاريخية واجتماعية. فقد تصنع الرقابة ضجة حول نص عابر، مثلما قد تدفع عملاً مهماً إلى العزلة والنسيان.

وهو هنا يبحث عن حياة الكتاب بعد المنع، ويتناول الأثر المترتب على الحظر؛ فقد يندثر الكتاب أو يكتسب انتشاراً أوسع وترجمات متعددة، مع مراعاة أن قيمة النص تتجلى في جوهره لا في قرار رقيبه.

وفي محاولة لفصل الكتب الممنوعة بقرار فعلي، والأخرى التي بنت سمعتها على إشاعة المنع، يشير إبراهيم زولي إلى أن كل فصل في هذا الكتاب يعتمد على تتبع ولادة العمل، ووثائقه الرقابية، واللغة المستخدمة في حظره، مع إدراج بطاقة توثيقية دقيقة للمعلومات والمصادر.

الرقابة كظاهرة عالمية

يقول مؤلف الكتاب إن الرقابة لا تقتصر على ثقافة أو نظام معين؛ بل تتجاور الحالات العربية مع نظيراتها العالمية لتسليط الضوء على الخوف المشترك من أثر الكلمة وحرية التعبير. فقد «أظهرت النماذج العربية والعالمية أن الرقابة لا تنتمي إلى ثقافة بعينها، ولا تختفي لمجرد أن دولة ما تصف نفسها بالديمقراطية أو الحداثة».

والرقابة برأي المؤلف «تتغير درجاتها وأدواتها، ويتفاوت العنف المصاحب لها، لكن الرغبة في احتكار المعنى تتكرر كلما شعرت مؤسسة بأن كتاباً يربك صورتها عن نفسها». وقد تكون المؤسسة هنا «دولة، أو محكمة، أو هيئة دينية، أو إدارة تعليمية، أو جماعة ضغط. وفي كل مرة يُختزل النص في تهمة واحدة، مع أن الأدب الجيد يرفض بطبيعته أن يُحبس في خانة واحدة».

وهو يشير إلى أن الوسائط الرقمية لم تلغِ الرقابة، بل غيرت أدواتها، ليتحول الحجب من الرفوف الخشبية إلى المنصات والمتاجر الإلكترونية.

لكنه يتوقف أيضاً عن مفهوم «الرقابة الذاتية»، ويعتبرها أكثر الأشكال مراوغة. «حين يستبق الكاتب العقوبة فيحذف الجملة قبل أن يكتبها، أو يتجنب ناشر كتاباً لا لأنه ضعيف، بل لأنه مكلف»، هنا «لا يبقى في الأرشيف قرار يمكن الاعتراض عليه. يبقى فقط نص ناقص، أو مخطوط لم ير النور، أو بياض لا يعرف القارئ ما الذي كان يمكن أن يشغله».

ومن الظريف هنا، سرد ما يقوله الرقيب عن نفسه، فكل قرار حظر يكتب، من حيث لا يريد صاحبه، سيرة مختصرة للجهة التي أصدرته. اللغة المستخدمة في التبرير تكشف حدودها أكثر مما تصف الكتاب: «حماية الأخلاق»، «صيانة العقيدة»، «حفظ الأمن»، «منع الفتنة»، «رعاية القاصرين». عبارات تبدو محايدة في ظاهرها، لكنها تخبئ تصوراً كاملاً للمجتمع: قارئ يُعامل بوصفه هشاً، وحقيقة يُفترض أنها لا تحتمل السؤال، وسلطة ترى أن من واجبها أن تختار للناس ما يقرأون قبل أن يختاروا بأنفسهم.

يتكون كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، من تمهيد وقسمين رئيسيين ينقسمان إلى تسعة فصول وخاتمة، ابتدأها بالقائمة العربية، وضمت أربعة فصول تتناول أعمالاً أدبية وفكرية عربية تعرضت للحظر والمنع، حيث تناول الفصل الأول، ثلاثة أعمال هي: رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة (شهادة من سجن تدمر)، ورواية «اللايقين» لمحمد الغزالي (الحرية حين تفقد المسلمات سلطتها)، وكتاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد (حين انتقلت القراءة إلى المحكمة).

والفصل الثاني، تناول كتاب «الحرب القذرة» لحبيب سويدية (شهادة من قلب الجيش الجزائري)، والمجموعة القصصية «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي (الكتاب الذي حوكمت بسببه)، ودراسة «الحريم السياسي: النبي والنساء لفاطمة المرنيسي». أما الفصل الثالث، فيتناول رواية «العشّاق» لرشاد أبو شاور (رواية المخيم والمقاومة)، ورواية «الجنقو مسامير الأرض» لعبد العزيز بركة ساكن، وكتاب تاريخ الكويت لعبد العزيز الرشيد (الذاكرة المحتجزة).

ويتناول الفصل الرابع ديوان الأوزان الباكية لثريا قابل، ورواية/شهادة كريستال لجلبار نقاش، ورواية «دادابا» لحسن مطلك، وأثر كتاب «ألف ليلة وليلة» (الكتاب الذي ألهم أهم كُتّاب السرد في العالم).

القسم الثاني من الكتاب، فضمّ القائمة الأجنبية، ويضم خمسة فصول تتناول أعمالاً عالمية ممنوعة من مختلف الثقافات والدول، إذ يتناول الفصل الأول رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل (إنجلترا)، وديوان «أزهار الشر» لشارل بودلير (فرنسا)، ورواية «شيفرة دافنشي» لدان براون (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الثاني رواية «الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي (روسيا)، وكتاب «كفاحي» لأدولف هتلر (ألمانيا)، ورواية «فهرنهايت 451» لراي برادبري (الولايات المتحدة)، أما الفصل الثالث فيتناول كتاب «إميل» لجان جاك روسو (فكر تربوي - فرنسا)، ورواية «إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي (الهند)، ورواية «مدار السرطان» لهنري ميلر (الولايات المتحدة).

ويتناول الفصل الرابع كتاب «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية» لإدواردو غاليانو (التاريخ كما يُرى من موضع الجرح)، ورواية «تويجات الدم» لنغوغي واثيونغو (الصدام ثابت والحظر غير موثق)، وقصيدة «عواء» لألين غينسبيرغ (القصيدة التي دخلت المحكمة وخرجت أوسع من قفصها). ويتناول الفصل الخامس رواية «السيد الرئيس» لميغيل أنخل أستورياس (الديكتاتور الذي لا يحتاج إلى الظهور)، ورواية «بيت الأرواح» لإيزابيل الليندي (حين يصبح البيت ذاكرة بلد)، ورواية «الجذور» لأليكس هالي (الاسم الذي قاوم محو العبودية).