قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)
TT

قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)

كانت السمة عام 2023 بالنسبة لقراءات مجموعة من الأكاديميين والنقاد والروائيين في الخليج اهتمامهم بالقراءات التي تبحث في التاريخ السياسي والأدبي للمنطقة، مع اهتمام بارز في الاطلاع على كتب عالمية، وقراءة الأعمال الأدبية شعراً ورواية. الملاحظ أيضاً العودة للكتب القديمة، سواء فيما يتعلق بتاريخ الفنون قبل الإسلام، أو القراءات الفكرية والأدبية القديمة، ومعها القراءات التي يقصد منها إثراء البحوث، وكتابة الأعمال السردية.

قطر

د. أحمد عبد الملك: تاريخ وروايات

دأبتُ على قراءة الكتب المتنوعة، وإن كانت معظم قراءاتي من الروايات. ومن الأعمال التي قرأتها عام 2023، كتاب: «تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان»، تأليف الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو بحث علمي رصين، منذ ولاية الشيخ أحمد بن سعيد البوسعيدي والي صحار عام 1734 وحتى وفاة الإمام سعيد بن سلطان عام 1856، بعد أن تمت تسوية النزاعات مع الحكومة البريطانية. وهذا متنٌ مهم كجزء من تاريخ عُمان.

تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان

الكتاب الثاني: «قوة النونتشي» للباحثة إيوني هونج، وهو أحدث ما قرأته عن قوة تقييم الإنسان لغيره عبر العين! ويقتربُ النصُ من علم النفس. وتأتي الباحثة مؤلفة الكتاب؛ بنماذج من الحياة العادية لأثر وتأثير قراءة العين للطرف الآخر، وكيف يفشل البعضُ في تقييم الآخرين، كما تأتي الباحثة بمثال عن تدنّي قوة «النونتشي» لدى النرجسيين وافتقارهم إلى هذه القوة، مما يكشفهم لدى الآخرين.

الكتاب الثالث: «يوميات ساخرة لخائف كورونا» لكامل النصيرات. والكتابة الساخرة، كما هو معروف، نوع صعبُ من الكتابة، وتحتاجُ إلى دقة في الملاحظة، ومراعاة تأثير وتفسير هذا النوع من الكتابة. كما أن هذا النوع من الكتابة يداعب جانب المرح لدى القارئ.

الكتاب الرابع: رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي، الرواية الفائزة بجائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023، وهي ترصد أحداثاً في عُمان، وتجربة حرب ما قبل الاستقلال، وحفلت الرواية بعدد غير قليل من المُساعدات السردية الجميلة، وتاريخ المنطقة، وملامح الصراع مع الإنجليز ومن والاهُم.

والكتاب الخامس، رواية «نادي السيارات» لعلاء الأسواني، وهي رواية تبدأ باستهلال عن لقاء (كارل بنز) بـ(بيرتا) عام 1872 في مدينة (مانهايم) الألمانية، وفي الكنيسية يقسم لها بأنه يريد الزواج منها. وما (كارل) إلا صاحب سيارات «مرسيدس بنز» الألمانية. في الفصل الثاني يدخل المؤلف حياةَ (رقية) وزوجها (عبد العزيز)، وحواراتها مع صديقتها (نوال) زوجة (عبد العال) كبير ناس البلم. كان نادي السيارات يشكل معقل الطبقة الراقية، ويعالج فيه الكاتب قضية الفروقات الاجتماعية، والتباين الطبقي. رسائل مهمة في الرواية، تنطبق على حياتنا هذه الأيام.

الكتاب السادس، رواية «الوعد»، للكاتب القطري الشاب ناصر يوسف، وتُعالج الروايةُ مفاهيمَ اجتماعية تتمثل في قضية (وعد) الأخ لأخيه بخطبة ابنته لابنه، حيث تدور حوادثُ مؤلمة حول عدم انسجام البنت مع ابن عمها، وكانت تحبُّ أخاه وليس هو. وتنتهي الرواية بمقتل العريس على يد أخيه، ويدخل السجن. الكاتب ناصر روائي واعد، ويحتاج إلى تشجيع دائم.

أما الكتابان السابع والثامن، فكان: «كيف تكتب رواية أو قصة قصيرة»، للكاتب: أحمد المنزلاوي، وكذلك كتاب: «مهارات الكتابة والتأليف» للكاتب نفسه، وهي من الكتب الثرية، التي تُعلّم القارئ كيفية الكتابة، خصوصاً في مجال الرواية والقصة القصيرة، ولقد استفدتُ كثيراً من هذين الكتابين، وأعتقد أنه لا بد لأي كاتب للقصة أو الرواية من الاطلاع عليهما، فهما يُعدّان خريطة طريق للكتابة الإبداعية.

«الصمت، لغة المعنى والوجود»

د. حسن الرشيد: روايات ودراسات... وموسيقى

خلال هذا العام تنوعت قراءاتي بين الدراسات الأدبية، والبحوث العلمية، والسيرة الذاتية وغيرها. كما قرأتُ أعمالاً قطرية، لعدد من الكتاب مثل الشاعرين علي عبد الله الأنصاري، والشاعر محمد على المرزوقي، والروائي خلف الخلف، والروائي محمد الجفيري، هذا عدا رواية الدكتورة كلثم جبر الكواري «فريج بن درهم»، بالإضافة إلى كتاب «الجواري والشعر في العصر العباسي»، تأليف الدكتور سهام عبد الوهاب الفريح، وكتاب «الزندقة في دار الإسلام في القرن الثاني للهجرة»، لمؤلف ملحم شكر، وكتاب «حركة بابك الخرمي الدينية والسياسية»، لعبد العزيز آل سعيد، وغيرها من الكتب والدراسات.

حسن الرشيد - (قطر)

كما أتوقف عند كتاب «تاريخ الموسيقى العربية قبل الإسلام» للدكتور عبد الحميد حمام وهو يطرح تساؤلاً مهماً: هل كان للعرب دور في فنّ الموسيقى؟، وما مدى معرفتهم بالموسيقي؟ وهو يجيب بأننا كانت لنا ثقافتنا الموسيقية المرتبطة بالحياة في الشدة والرخاء، في الحضر والبدو، في الحرب والسلم، كما قام بالمسح الجغرافي عبر الجزيرة العربية.

وكذلك كتاب: «الأعمال الصوفية»، لمحمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، وهو واحد من المتصوفة جمع بين العلم والمعرفة و«الوقفة»، وهي المقولات الأساسية التي ينطوي عليها مذهب النفري، وتخضع لتراتب دقيق، حيث يأتي العلم أولاً، وهو المدخل للمعرفة، والمعرفة مدخلاً للوقفة. والوقفة، في النهاية، هي نور الله الذي لا تجاوره الظلم.

الحارس في حقل الشوفان

ولا بدّ من التوقف عن رواية «إهانة غير ضرورية» تأليف إياد عبد الرحمن، وهى رواية عن المسكوت عنه في الثقافة العربية، وهو موضوع العنصرية. فالكثير تناولوا واقع العبيد منذ عنترة بن شداد وسحيم عبد بني الحسحاس، وثورة الزنج، وتاريخ الرق والعبودية، ورائعة ألكسي هيلي «الجذور»، ورائعة الروائي القطري محمد علي عبد الله؛ «فرج»، وهذه الرواية تأخذ ثيمة العبودية نحو منحى آخر، وهي تصلح للترشح لعمل درامي.

وأختم بكتاب شيّق بعنوان: «الأغنية الشعبية.. مدخل إلى دراستها»، للدكتور أحمد علي مرسي، حيث ‏يمثل هذا الكتاب جولة متنوعة حول الإرث المصري عبر تراث غرف منه أبرز الملحنين على رأسهم العبقري بليغ حمدي.

سلطنة عُمان

د. هلال الحجري: تاريخ عمان وكتب تخصصية

قرأتُ هذا العام طائفة متنوعة من الكتب، أغلبها تخصصية تتعلق باهتماماتي البحثية المتمركزة حول علاقات الغرب بالشرق، وعمان خاصة. من بين هذه الكتب، كتاب صدر في 2013 باللغة الإنجليزية، وعنوانه: «أقلمةُ عُمان» استطاع فيه ستِفن ويبل، وهو أستاذ ألماني متخصص في الاقتصاد ومعنيٌّ بدراسات الأقلمة، خاصة في عُمان والمغرب، أن يجمع باحثين من تخصصات مختلفة من الإعلام، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والدراسات الإسلامية، والدراسات الحضرية، واللسانيات، والسياسة الدولية، والتاريخ، والجغرافيا الاقتصادية، والاقتصاد السياسي، لدراسة عُمان بمنهج جديد يأخذ بالدراسات البينية ويستكشف هذا البلد؛ لا بكونه طَرَفاً معزولاً في أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وإنما بكونه مركزاً لدينامياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ امتدت من شرق أفريقيا مروراً بالمحيط الهندي، وبحر العرب إلى آسيا وأوروبا.

د. هلال الحجري «عُمان»

إنه رؤية بانورامية واسعة تمتح من التاريخ والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع في دراسة الحركة الفاعلة والديناميات المعقدة للمجتمع والدولة في عُمان، عبر زمان يمتد من القرن السادس عشر إلى الآن، وعبر مكان يمتد من زنجبار إلى الخليج العربي والهند والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من أصقاع العالم.

هكذا استطاع الكتاب أن يخرج من فخ الدراسات التي تنحو إلى تبسيط العالَم وفقَ أطرٍ مسلَّمٍ بها، أو ما يسميه ويبل بـ«الميتاجغرافيَّات الراسخة».

تكمن أهمية الكتاب في تجاوزه للمفاهيم الجغرافية الضيقة وفتحِ المجال لتعددية التخصصات (Multidisciplinarity) من أجل الوصول إلى فهم أوسع للديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ارتبطت بعُمان لا بصفتها إقليماً محدودَ المعالم «سلطنة عُمان»، وإنما بكونها «إمبراطورية» متعددةَ الأقاليم وعابرةً للقارات والثقافات. تشتغل على ترجمة الكتاب حالياً المترجمة العمانية المتميزة عهود بن خميس المخيني، ولعله يصدر مطلع العام المقبل 2024.

الكويت

بسام المسلم: تاريخ البلد... وروايات

الروائي الكويتي بسام المسلم، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قراءتي الأخيرة كانت محكومة بالحقبة التي سيتناولها مشروع كتابي القادم، وهي أواخر القرن التاسع عشر إلى العقد الرابع من القرن العشرين، في الخليج وشبه الجزيرة.

بسام المسلم (الكويت)

لذا ضمت قائمة الإعداد للمشروع كتباً عن تاريخ المنطقة، أهمها «تاريخ الكويت» لمؤلفه عبد العزيز الرشيد، وسيرة حياته التي كتبها الدكتور يوسف الحجي، وكتاب «معركة الصريف»، الذي يدرس فيه مؤلفه فيصل السمحان المعركة على ضوء المصادر التاريخية والشفهية، وهو كتاب ممتاز فاز عنه السمحان بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لأفضل مؤلف عن الكويت 2008. كما اطلعت على «الثقافة في الكويت» للدكتور خليفة الوقيان، وعلى كتاب «الكويت وتاريخها البحري» لأحمد المزيني، وعلى مجموعة من كتب الفنان أيوب حسين، وأخرى متعلقة بالعمل قيد الكتابة.

يضيف المسلم: أما عن قراءتي خارج الإعداد للمشروع، وكانت قليلة، فأذكر منها رواية الأميركي «سالنجر» بعنوان «الحارس في حقل الشوفان» التي ربما تعدّ من كلاسيكيات الأدب الأميركي رغم أني وجدتها قصة سطحية في «أدب البلوغ»، كانت من المبالغة في التقدير أن وصفت بـ «واحدة من أفضل روايات القرن!» حيث اتفق مع رأي الناقد الأميركي المخضرم في صحيفة واشنطن بوست جوناثان ياردلي، المولود في ثلاثينيات القرن، الذي تساءل بالإشارة إلى رواية سالنجر: لماذا يطلب معلمو اللغة الإنجليزية، الذين يتوجب عليهم تعليم الكتابة الجيدة، من الطلاب مراراً وتكراراً قراءة كتاب مكتوب بشكل سيء مثل هذا؟ وقد وجدته تساؤلاً مستحقّاً.

الإمارات

صالحة عبيد: فلسفة وعلم اجتماع

أحاول قدر الإمكان أن تكون قراءاتي منوعة وهي تتراوح بين «السرد»، وهو مجال اختصاصي وتركيزي، يليه «الشعر» لدوره الهام والحيوي في منح اللغة اتساعها، ثم «الفلسفة» و«علم الاجتماع» وأخيراً «السيرة» لما تضيفه من بُعد معرفي هام لكل مشتغل في مجال الكتابة الإبداعية.

صالحة عبيد (الامارات)

هنا أرشح كتاباً عن كل فئة، من خلال قراءاتي لهذا العام.. بداية بالسرد الذي سأختار منه التجربة السردية الفريدة للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا «أقمار ملاي ألميدا السبعة» التي حازت على جائزة البوكر بنسختها البريطانية في عام 2022، وتحملنا هذه التجربة السردية إلى عالم سوريالي وتاريخي ساخر يحاول من خلاله ملاي ألميدا، وهو بطل العمل أن يفتش عن قاتله، وهو شبح في دوائر ما بعد الموت السبعة، وبُعداً بعد آخر تتورط أكثر في ذلك العالم الساخر والساحر والمربك متعرفاً على مرحلة مهمة من تاريخ وحياة الإنسان السيريلانكي.

أما فيما يرتبط بالشعر فأود أن أشير للسلسلة الشعرية الجميلة التي أطلقتها مؤخراً «دار التكوين» السورية تحت عنوان «هي أنت» والمخصصة للتجارب الشعرية النسوية الجديدة في العالم العربي، وشدني من هذه المجموعة «رأس الوعل» لراما وهبة، حيث لا نستطيع اختزال الشعر بملخص ما أو تعريف بقدر ما نصف تجربة هذه المجموعة بالفريدة من نوعها والتي تستحق الاهتمام.

وفي مجال الفلسفة سأذهب إلى فلسفة «آلان واتس» في كتابه «حكمة انعدام الأمن رسالة إلى عصر القلق»، وهو كتاب لافت عن ضرورة أن يحركنا القلق اليوم بدلاً من أن نتفاداه، وهو صادر عن «دار سدرة» الإماراتية للنشر.

وفي مجال الفلسفة هناك كتاب «فلسفة العنف» لإلزا دورلين، وهو تتناول الفلسفة التاريخية للعنف وتراكمها الذي أفضي لعنف العالم المتفجر اليوم، وهو صادر عن «دار الساقي» للنشر بنسخته العربية.

وفي علم الاجتماع والتأريخ الاجتماعي هناك كتاب مهم لديفيد لوبروتون يحمل عنوان: «الصمت، لغة المعنى والوجود»، عن «المركز الثقافي العربي»، وهو يحلل البعد الاجتماعي للصمت ودوره الحيوي في تطور البعد الفكري لإنسان اليوم.

أخيراً في مجال «السيرة الذاتية» سأختار كتاب «نوارة نجم»، وهي تمزج سيرتها بسيرة والدها الشاعر أحمد فؤاد نجم، وذلك في كتابها: «وأنت السبب يابا» لتتناول بشكل مؤثر تلك العلاقة الشائكة والمرتبكة والعاصفة والدافئة أيضاً مع والدها الشاعر الشهير، وهو كتاب صادق جداً ومؤثر لن تتمالك نفسك أمام الدموع فيه في مواضع كثيرة.

السعودية

حمد الرشيدي: روايات وشعر... وتاريخ

قرأتُ هذا العام عشرات الكتب واطلعت على كثير منها، لكن بعض الأعمال الأدبية من شعر ونثر التي اطلعت عليها هذا العام، أو تلك الكتب التي تهتم بالشأن الثقافي العام هي التي استأثرت بنصيب أوفر من اهتمامي وأعجبتني، ولا زالت عالقة في ذهني، وقد كتبتُ عن كثير منها ونشرت بعض ما كتبته عنها، وأذكر منها: رواية «قبل أن يوصد الباب»، لسعد الغريبي، وهي رواية اجتماعية انفردت بجمال لغتها وحبكتها المثيرة. و⁠«الأعمال الشعرية للشاعر جاسم الصحيّح» في ثلاثة مجلدات، والصحيّح يعدُّ واحداً من أبرز الشعراء العرب في الوقت الراهن كما هو معروف.

تاريخ الكويت

وكذلك ⁠كتاب «تاريخ الشعر في الكويت»، للدكتور سليمان الشطي، ويتناول هذا الكتاب الحراك الشعري بدولة الكويت، منذ ظهور بواكيره الأولى بدولة الكويت في القرن الثامن عشر حتى العصر الراهن.

و⁠كتاب «إبحار مع القلم» للدكتور خليفة الوقيان، وهي مجموعة كبيرة مختارة من مقالات سبق نشرها للكاتب في الصحف الكويتية حول الشأن الثقافي العام.

وكتاب «الحضارة العربية الإسلامية وعوامل تأخرها»، للدكتور أمين زين العابدين، وهو كاتب ومفكر سوداني، والكتاب يبحث في الحضارة العربية والإسلامية منذ ظهورها، وما مرت به من مراحل مختلفة، وأثر هذه الحضارة في الحضارات الأخرى.

ورواية «خان جليلة» للكاتب السعودي ماجد سليمان، وهي رواية تاريخية رائعة تدور أحداثها في «إقليم اليمامة» قديماً، وكذلك ⁠كتاب «غزوة خيبر»، وهو كتاب قيم، اشترك في تأليفه كاتبان سعوديان، هما: الدكتور تنيضب الفايدي، وصيفي الشلالي، وهو بحث تاريخي «ميداني» اعتمد مؤلفاه على التحقيق الحقلي الميداني لغزوة خيبر، حين فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 7 للهجرة، حيث يتناول هذا الكتاب خط سير جيش المسلمين من المدينة المنورة إلى خيبر، وتلك المواضع التي مر بها خط سير الجيش، من جبال وأودية ومعالم طبيعية للأرض. وقد دُعِّمَ هذا الكتاب بكثير من الصور والخرائط التي توضح هذه المواقع.

رجاء البوعلي: «القصة» سعودياً وعربياً

الكاتبة والروائية السعودية رجاء البوعلي، قالت: تتزامن عندي برامج القراءة مع برامج الكتابة، فقد اعتدت على إعداد خطة سنوية ثقافية، تتناسب مع أهدافي المعرفية والإبداعية الإنتاجية، فكما شهدنا في ديسمبر الحالي صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» وهي ثمرة قراءة 2023 لفن السرد القصصي، على مسارين متوازيين: قراءة السرد في أعمال أمير القصة العربية يوسف إدريس، وتجارب متفرقة من الأدب العربي والسعودي تحديداً.

رجاء البوعلي ( السعودي)

فاعتباراً ببحثي عن نموذج عربي يمثل القصة بمدلولاتها الثقافية كاملة، ولأني لم أكن بداية هذا العام راغبة في قراءة الأدب المترجم، جاءت البداية مع يوسف إدريس وأعماله الكاملة، الذي يظل يبهرك بسلاسة أسلوبه وملامسته معظم ملامح الحياة المصرية بقصص قصيرة لا تنتهي، تتغلغل في تفاصيل الإنسان بكل وجوهه، وتعكس أوجاعه الداخلية وصراعاته الخارجية.

ومن إدريس انتقلت إلى المكتبة العراقية لأقرأ إنعام كجه جي وعدنان الصائغ، وتعززت رغبتي لمواصلة قراءة التجارب الوطنية المعاصرة قراءة كاملة، لاستيعابها جملة واحدة، فوقفت على آخر إنتاج الروائية السعودية بدرية البشر، ومنه دخلت لتجارب روائية وطنية أخرى.

«أقمار ملاي ألميدا السبعة» للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا

أما في القص؛ فقرأت متفرقات من القصة المصرية، ووقفت بتمعن على تجارب عبد الله السفر، فوزية العيوني، وعبد الله الوصالي ولا جدل أنني استرحت على شواطئ الشعر الرهيف لمحمد الثبيتي وفوزية أبو خالد وعبد الله السفر ومحمد الحرز وإبراهيم زولي وقاسم حداد من البحرين.

لا يخلو الطريق من القراءات الفكرية، التي تشعل الضوء كلما خفت وهج الحياة.


مقالات ذات صلة

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

ثقافة وفنون من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)
ثقافة وفنون الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة،

«الشرق الأوسط» (لندن)

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.