قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)
TT

قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)

كانت السمة عام 2023 بالنسبة لقراءات مجموعة من الأكاديميين والنقاد والروائيين في الخليج اهتمامهم بالقراءات التي تبحث في التاريخ السياسي والأدبي للمنطقة، مع اهتمام بارز في الاطلاع على كتب عالمية، وقراءة الأعمال الأدبية شعراً ورواية. الملاحظ أيضاً العودة للكتب القديمة، سواء فيما يتعلق بتاريخ الفنون قبل الإسلام، أو القراءات الفكرية والأدبية القديمة، ومعها القراءات التي يقصد منها إثراء البحوث، وكتابة الأعمال السردية.

قطر

د. أحمد عبد الملك: تاريخ وروايات

دأبتُ على قراءة الكتب المتنوعة، وإن كانت معظم قراءاتي من الروايات. ومن الأعمال التي قرأتها عام 2023، كتاب: «تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان»، تأليف الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو بحث علمي رصين، منذ ولاية الشيخ أحمد بن سعيد البوسعيدي والي صحار عام 1734 وحتى وفاة الإمام سعيد بن سلطان عام 1856، بعد أن تمت تسوية النزاعات مع الحكومة البريطانية. وهذا متنٌ مهم كجزء من تاريخ عُمان.

تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان

الكتاب الثاني: «قوة النونتشي» للباحثة إيوني هونج، وهو أحدث ما قرأته عن قوة تقييم الإنسان لغيره عبر العين! ويقتربُ النصُ من علم النفس. وتأتي الباحثة مؤلفة الكتاب؛ بنماذج من الحياة العادية لأثر وتأثير قراءة العين للطرف الآخر، وكيف يفشل البعضُ في تقييم الآخرين، كما تأتي الباحثة بمثال عن تدنّي قوة «النونتشي» لدى النرجسيين وافتقارهم إلى هذه القوة، مما يكشفهم لدى الآخرين.

الكتاب الثالث: «يوميات ساخرة لخائف كورونا» لكامل النصيرات. والكتابة الساخرة، كما هو معروف، نوع صعبُ من الكتابة، وتحتاجُ إلى دقة في الملاحظة، ومراعاة تأثير وتفسير هذا النوع من الكتابة. كما أن هذا النوع من الكتابة يداعب جانب المرح لدى القارئ.

الكتاب الرابع: رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي، الرواية الفائزة بجائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023، وهي ترصد أحداثاً في عُمان، وتجربة حرب ما قبل الاستقلال، وحفلت الرواية بعدد غير قليل من المُساعدات السردية الجميلة، وتاريخ المنطقة، وملامح الصراع مع الإنجليز ومن والاهُم.

والكتاب الخامس، رواية «نادي السيارات» لعلاء الأسواني، وهي رواية تبدأ باستهلال عن لقاء (كارل بنز) بـ(بيرتا) عام 1872 في مدينة (مانهايم) الألمانية، وفي الكنيسية يقسم لها بأنه يريد الزواج منها. وما (كارل) إلا صاحب سيارات «مرسيدس بنز» الألمانية. في الفصل الثاني يدخل المؤلف حياةَ (رقية) وزوجها (عبد العزيز)، وحواراتها مع صديقتها (نوال) زوجة (عبد العال) كبير ناس البلم. كان نادي السيارات يشكل معقل الطبقة الراقية، ويعالج فيه الكاتب قضية الفروقات الاجتماعية، والتباين الطبقي. رسائل مهمة في الرواية، تنطبق على حياتنا هذه الأيام.

الكتاب السادس، رواية «الوعد»، للكاتب القطري الشاب ناصر يوسف، وتُعالج الروايةُ مفاهيمَ اجتماعية تتمثل في قضية (وعد) الأخ لأخيه بخطبة ابنته لابنه، حيث تدور حوادثُ مؤلمة حول عدم انسجام البنت مع ابن عمها، وكانت تحبُّ أخاه وليس هو. وتنتهي الرواية بمقتل العريس على يد أخيه، ويدخل السجن. الكاتب ناصر روائي واعد، ويحتاج إلى تشجيع دائم.

أما الكتابان السابع والثامن، فكان: «كيف تكتب رواية أو قصة قصيرة»، للكاتب: أحمد المنزلاوي، وكذلك كتاب: «مهارات الكتابة والتأليف» للكاتب نفسه، وهي من الكتب الثرية، التي تُعلّم القارئ كيفية الكتابة، خصوصاً في مجال الرواية والقصة القصيرة، ولقد استفدتُ كثيراً من هذين الكتابين، وأعتقد أنه لا بد لأي كاتب للقصة أو الرواية من الاطلاع عليهما، فهما يُعدّان خريطة طريق للكتابة الإبداعية.

«الصمت، لغة المعنى والوجود»

د. حسن الرشيد: روايات ودراسات... وموسيقى

خلال هذا العام تنوعت قراءاتي بين الدراسات الأدبية، والبحوث العلمية، والسيرة الذاتية وغيرها. كما قرأتُ أعمالاً قطرية، لعدد من الكتاب مثل الشاعرين علي عبد الله الأنصاري، والشاعر محمد على المرزوقي، والروائي خلف الخلف، والروائي محمد الجفيري، هذا عدا رواية الدكتورة كلثم جبر الكواري «فريج بن درهم»، بالإضافة إلى كتاب «الجواري والشعر في العصر العباسي»، تأليف الدكتور سهام عبد الوهاب الفريح، وكتاب «الزندقة في دار الإسلام في القرن الثاني للهجرة»، لمؤلف ملحم شكر، وكتاب «حركة بابك الخرمي الدينية والسياسية»، لعبد العزيز آل سعيد، وغيرها من الكتب والدراسات.

حسن الرشيد - (قطر)

كما أتوقف عند كتاب «تاريخ الموسيقى العربية قبل الإسلام» للدكتور عبد الحميد حمام وهو يطرح تساؤلاً مهماً: هل كان للعرب دور في فنّ الموسيقى؟، وما مدى معرفتهم بالموسيقي؟ وهو يجيب بأننا كانت لنا ثقافتنا الموسيقية المرتبطة بالحياة في الشدة والرخاء، في الحضر والبدو، في الحرب والسلم، كما قام بالمسح الجغرافي عبر الجزيرة العربية.

وكذلك كتاب: «الأعمال الصوفية»، لمحمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، وهو واحد من المتصوفة جمع بين العلم والمعرفة و«الوقفة»، وهي المقولات الأساسية التي ينطوي عليها مذهب النفري، وتخضع لتراتب دقيق، حيث يأتي العلم أولاً، وهو المدخل للمعرفة، والمعرفة مدخلاً للوقفة. والوقفة، في النهاية، هي نور الله الذي لا تجاوره الظلم.

الحارس في حقل الشوفان

ولا بدّ من التوقف عن رواية «إهانة غير ضرورية» تأليف إياد عبد الرحمن، وهى رواية عن المسكوت عنه في الثقافة العربية، وهو موضوع العنصرية. فالكثير تناولوا واقع العبيد منذ عنترة بن شداد وسحيم عبد بني الحسحاس، وثورة الزنج، وتاريخ الرق والعبودية، ورائعة ألكسي هيلي «الجذور»، ورائعة الروائي القطري محمد علي عبد الله؛ «فرج»، وهذه الرواية تأخذ ثيمة العبودية نحو منحى آخر، وهي تصلح للترشح لعمل درامي.

وأختم بكتاب شيّق بعنوان: «الأغنية الشعبية.. مدخل إلى دراستها»، للدكتور أحمد علي مرسي، حيث ‏يمثل هذا الكتاب جولة متنوعة حول الإرث المصري عبر تراث غرف منه أبرز الملحنين على رأسهم العبقري بليغ حمدي.

سلطنة عُمان

د. هلال الحجري: تاريخ عمان وكتب تخصصية

قرأتُ هذا العام طائفة متنوعة من الكتب، أغلبها تخصصية تتعلق باهتماماتي البحثية المتمركزة حول علاقات الغرب بالشرق، وعمان خاصة. من بين هذه الكتب، كتاب صدر في 2013 باللغة الإنجليزية، وعنوانه: «أقلمةُ عُمان» استطاع فيه ستِفن ويبل، وهو أستاذ ألماني متخصص في الاقتصاد ومعنيٌّ بدراسات الأقلمة، خاصة في عُمان والمغرب، أن يجمع باحثين من تخصصات مختلفة من الإعلام، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والدراسات الإسلامية، والدراسات الحضرية، واللسانيات، والسياسة الدولية، والتاريخ، والجغرافيا الاقتصادية، والاقتصاد السياسي، لدراسة عُمان بمنهج جديد يأخذ بالدراسات البينية ويستكشف هذا البلد؛ لا بكونه طَرَفاً معزولاً في أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وإنما بكونه مركزاً لدينامياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ امتدت من شرق أفريقيا مروراً بالمحيط الهندي، وبحر العرب إلى آسيا وأوروبا.

د. هلال الحجري «عُمان»

إنه رؤية بانورامية واسعة تمتح من التاريخ والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع في دراسة الحركة الفاعلة والديناميات المعقدة للمجتمع والدولة في عُمان، عبر زمان يمتد من القرن السادس عشر إلى الآن، وعبر مكان يمتد من زنجبار إلى الخليج العربي والهند والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من أصقاع العالم.

هكذا استطاع الكتاب أن يخرج من فخ الدراسات التي تنحو إلى تبسيط العالَم وفقَ أطرٍ مسلَّمٍ بها، أو ما يسميه ويبل بـ«الميتاجغرافيَّات الراسخة».

تكمن أهمية الكتاب في تجاوزه للمفاهيم الجغرافية الضيقة وفتحِ المجال لتعددية التخصصات (Multidisciplinarity) من أجل الوصول إلى فهم أوسع للديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ارتبطت بعُمان لا بصفتها إقليماً محدودَ المعالم «سلطنة عُمان»، وإنما بكونها «إمبراطورية» متعددةَ الأقاليم وعابرةً للقارات والثقافات. تشتغل على ترجمة الكتاب حالياً المترجمة العمانية المتميزة عهود بن خميس المخيني، ولعله يصدر مطلع العام المقبل 2024.

الكويت

بسام المسلم: تاريخ البلد... وروايات

الروائي الكويتي بسام المسلم، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قراءتي الأخيرة كانت محكومة بالحقبة التي سيتناولها مشروع كتابي القادم، وهي أواخر القرن التاسع عشر إلى العقد الرابع من القرن العشرين، في الخليج وشبه الجزيرة.

بسام المسلم (الكويت)

لذا ضمت قائمة الإعداد للمشروع كتباً عن تاريخ المنطقة، أهمها «تاريخ الكويت» لمؤلفه عبد العزيز الرشيد، وسيرة حياته التي كتبها الدكتور يوسف الحجي، وكتاب «معركة الصريف»، الذي يدرس فيه مؤلفه فيصل السمحان المعركة على ضوء المصادر التاريخية والشفهية، وهو كتاب ممتاز فاز عنه السمحان بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لأفضل مؤلف عن الكويت 2008. كما اطلعت على «الثقافة في الكويت» للدكتور خليفة الوقيان، وعلى كتاب «الكويت وتاريخها البحري» لأحمد المزيني، وعلى مجموعة من كتب الفنان أيوب حسين، وأخرى متعلقة بالعمل قيد الكتابة.

يضيف المسلم: أما عن قراءتي خارج الإعداد للمشروع، وكانت قليلة، فأذكر منها رواية الأميركي «سالنجر» بعنوان «الحارس في حقل الشوفان» التي ربما تعدّ من كلاسيكيات الأدب الأميركي رغم أني وجدتها قصة سطحية في «أدب البلوغ»، كانت من المبالغة في التقدير أن وصفت بـ «واحدة من أفضل روايات القرن!» حيث اتفق مع رأي الناقد الأميركي المخضرم في صحيفة واشنطن بوست جوناثان ياردلي، المولود في ثلاثينيات القرن، الذي تساءل بالإشارة إلى رواية سالنجر: لماذا يطلب معلمو اللغة الإنجليزية، الذين يتوجب عليهم تعليم الكتابة الجيدة، من الطلاب مراراً وتكراراً قراءة كتاب مكتوب بشكل سيء مثل هذا؟ وقد وجدته تساؤلاً مستحقّاً.

الإمارات

صالحة عبيد: فلسفة وعلم اجتماع

أحاول قدر الإمكان أن تكون قراءاتي منوعة وهي تتراوح بين «السرد»، وهو مجال اختصاصي وتركيزي، يليه «الشعر» لدوره الهام والحيوي في منح اللغة اتساعها، ثم «الفلسفة» و«علم الاجتماع» وأخيراً «السيرة» لما تضيفه من بُعد معرفي هام لكل مشتغل في مجال الكتابة الإبداعية.

صالحة عبيد (الامارات)

هنا أرشح كتاباً عن كل فئة، من خلال قراءاتي لهذا العام.. بداية بالسرد الذي سأختار منه التجربة السردية الفريدة للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا «أقمار ملاي ألميدا السبعة» التي حازت على جائزة البوكر بنسختها البريطانية في عام 2022، وتحملنا هذه التجربة السردية إلى عالم سوريالي وتاريخي ساخر يحاول من خلاله ملاي ألميدا، وهو بطل العمل أن يفتش عن قاتله، وهو شبح في دوائر ما بعد الموت السبعة، وبُعداً بعد آخر تتورط أكثر في ذلك العالم الساخر والساحر والمربك متعرفاً على مرحلة مهمة من تاريخ وحياة الإنسان السيريلانكي.

أما فيما يرتبط بالشعر فأود أن أشير للسلسلة الشعرية الجميلة التي أطلقتها مؤخراً «دار التكوين» السورية تحت عنوان «هي أنت» والمخصصة للتجارب الشعرية النسوية الجديدة في العالم العربي، وشدني من هذه المجموعة «رأس الوعل» لراما وهبة، حيث لا نستطيع اختزال الشعر بملخص ما أو تعريف بقدر ما نصف تجربة هذه المجموعة بالفريدة من نوعها والتي تستحق الاهتمام.

وفي مجال الفلسفة سأذهب إلى فلسفة «آلان واتس» في كتابه «حكمة انعدام الأمن رسالة إلى عصر القلق»، وهو كتاب لافت عن ضرورة أن يحركنا القلق اليوم بدلاً من أن نتفاداه، وهو صادر عن «دار سدرة» الإماراتية للنشر.

وفي مجال الفلسفة هناك كتاب «فلسفة العنف» لإلزا دورلين، وهو تتناول الفلسفة التاريخية للعنف وتراكمها الذي أفضي لعنف العالم المتفجر اليوم، وهو صادر عن «دار الساقي» للنشر بنسخته العربية.

وفي علم الاجتماع والتأريخ الاجتماعي هناك كتاب مهم لديفيد لوبروتون يحمل عنوان: «الصمت، لغة المعنى والوجود»، عن «المركز الثقافي العربي»، وهو يحلل البعد الاجتماعي للصمت ودوره الحيوي في تطور البعد الفكري لإنسان اليوم.

أخيراً في مجال «السيرة الذاتية» سأختار كتاب «نوارة نجم»، وهي تمزج سيرتها بسيرة والدها الشاعر أحمد فؤاد نجم، وذلك في كتابها: «وأنت السبب يابا» لتتناول بشكل مؤثر تلك العلاقة الشائكة والمرتبكة والعاصفة والدافئة أيضاً مع والدها الشاعر الشهير، وهو كتاب صادق جداً ومؤثر لن تتمالك نفسك أمام الدموع فيه في مواضع كثيرة.

السعودية

حمد الرشيدي: روايات وشعر... وتاريخ

قرأتُ هذا العام عشرات الكتب واطلعت على كثير منها، لكن بعض الأعمال الأدبية من شعر ونثر التي اطلعت عليها هذا العام، أو تلك الكتب التي تهتم بالشأن الثقافي العام هي التي استأثرت بنصيب أوفر من اهتمامي وأعجبتني، ولا زالت عالقة في ذهني، وقد كتبتُ عن كثير منها ونشرت بعض ما كتبته عنها، وأذكر منها: رواية «قبل أن يوصد الباب»، لسعد الغريبي، وهي رواية اجتماعية انفردت بجمال لغتها وحبكتها المثيرة. و⁠«الأعمال الشعرية للشاعر جاسم الصحيّح» في ثلاثة مجلدات، والصحيّح يعدُّ واحداً من أبرز الشعراء العرب في الوقت الراهن كما هو معروف.

تاريخ الكويت

وكذلك ⁠كتاب «تاريخ الشعر في الكويت»، للدكتور سليمان الشطي، ويتناول هذا الكتاب الحراك الشعري بدولة الكويت، منذ ظهور بواكيره الأولى بدولة الكويت في القرن الثامن عشر حتى العصر الراهن.

و⁠كتاب «إبحار مع القلم» للدكتور خليفة الوقيان، وهي مجموعة كبيرة مختارة من مقالات سبق نشرها للكاتب في الصحف الكويتية حول الشأن الثقافي العام.

وكتاب «الحضارة العربية الإسلامية وعوامل تأخرها»، للدكتور أمين زين العابدين، وهو كاتب ومفكر سوداني، والكتاب يبحث في الحضارة العربية والإسلامية منذ ظهورها، وما مرت به من مراحل مختلفة، وأثر هذه الحضارة في الحضارات الأخرى.

ورواية «خان جليلة» للكاتب السعودي ماجد سليمان، وهي رواية تاريخية رائعة تدور أحداثها في «إقليم اليمامة» قديماً، وكذلك ⁠كتاب «غزوة خيبر»، وهو كتاب قيم، اشترك في تأليفه كاتبان سعوديان، هما: الدكتور تنيضب الفايدي، وصيفي الشلالي، وهو بحث تاريخي «ميداني» اعتمد مؤلفاه على التحقيق الحقلي الميداني لغزوة خيبر، حين فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 7 للهجرة، حيث يتناول هذا الكتاب خط سير جيش المسلمين من المدينة المنورة إلى خيبر، وتلك المواضع التي مر بها خط سير الجيش، من جبال وأودية ومعالم طبيعية للأرض. وقد دُعِّمَ هذا الكتاب بكثير من الصور والخرائط التي توضح هذه المواقع.

رجاء البوعلي: «القصة» سعودياً وعربياً

الكاتبة والروائية السعودية رجاء البوعلي، قالت: تتزامن عندي برامج القراءة مع برامج الكتابة، فقد اعتدت على إعداد خطة سنوية ثقافية، تتناسب مع أهدافي المعرفية والإبداعية الإنتاجية، فكما شهدنا في ديسمبر الحالي صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» وهي ثمرة قراءة 2023 لفن السرد القصصي، على مسارين متوازيين: قراءة السرد في أعمال أمير القصة العربية يوسف إدريس، وتجارب متفرقة من الأدب العربي والسعودي تحديداً.

رجاء البوعلي ( السعودي)

فاعتباراً ببحثي عن نموذج عربي يمثل القصة بمدلولاتها الثقافية كاملة، ولأني لم أكن بداية هذا العام راغبة في قراءة الأدب المترجم، جاءت البداية مع يوسف إدريس وأعماله الكاملة، الذي يظل يبهرك بسلاسة أسلوبه وملامسته معظم ملامح الحياة المصرية بقصص قصيرة لا تنتهي، تتغلغل في تفاصيل الإنسان بكل وجوهه، وتعكس أوجاعه الداخلية وصراعاته الخارجية.

ومن إدريس انتقلت إلى المكتبة العراقية لأقرأ إنعام كجه جي وعدنان الصائغ، وتعززت رغبتي لمواصلة قراءة التجارب الوطنية المعاصرة قراءة كاملة، لاستيعابها جملة واحدة، فوقفت على آخر إنتاج الروائية السعودية بدرية البشر، ومنه دخلت لتجارب روائية وطنية أخرى.

«أقمار ملاي ألميدا السبعة» للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا

أما في القص؛ فقرأت متفرقات من القصة المصرية، ووقفت بتمعن على تجارب عبد الله السفر، فوزية العيوني، وعبد الله الوصالي ولا جدل أنني استرحت على شواطئ الشعر الرهيف لمحمد الثبيتي وفوزية أبو خالد وعبد الله السفر ومحمد الحرز وإبراهيم زولي وقاسم حداد من البحرين.

لا يخلو الطريق من القراءات الفكرية، التي تشعل الضوء كلما خفت وهج الحياة.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.