الرواية العربية من أقنعة التراث إلى شرفات التاريخ

دراسة تطبيقية للباحثة د. هويدا صالح

الرواية العربية من أقنعة التراث إلى شرفات التاريخ
TT

الرواية العربية من أقنعة التراث إلى شرفات التاريخ

الرواية العربية من أقنعة التراث إلى شرفات التاريخ

تؤكد الباحثة والكاتبة الروائية المصرية د. هويدا صالح أن الرواية العربية في سعيها إلى الانفتاح على الحقول المعرفية المتعددة، تستلهم التراث بشتى تجلياته وأنواعه، وتتخذه نصاً غائباً تقيم معه جدلاً فكرياً. وربما يعود ذلك إلى ما أحدثته العولمة من هزة في الهوية الثقافية للكاتب العربي؛ مما دفعه إلى أن يعيد التفكير في البِنى الفكرية والسوسيوثقافية التي تجعله يقاوم ذوبان هويته في طوفان ثقافة العولمة التي لا تعترف بحدود وجغرافيا وأنساق ثقافية وهويات قومية.

موقفان متناقضان

تذهب صالح، في كتابها «آليات اشتغال التراث في المدونة الروائية العربية»، الصادر عن «معهد الشارقة للتراث»، إلى أن عودة المبدع العربي للتراث تمثلت في موقفين متناقضين؛ الأول رأى تلك العودة وسيلة من وسائل الدفاع عن الهوية، فوقع في فخ تقديس التراث وعبادته، أما الشكل الثاني فقد ذهب إلى ثقافة أخرى مفارِقة للتراث يستلهمونها، ويتكئون على روافدها وعناصرها الثقافية.

ووفق المؤلفة، ينطلق أصحاب الموقفين، المتحمس للتراث، والرافض له، من وعي مغلوط بأن التراث مضادّ للحداثة، وتتحفظ الباحثة على هذا التصور؛ فتراث كل أمة لا يعني أنه مضادّ للحداثة، كما أن إفادة الروائي من هذا التراث تفترض أن تنزع هالة القداسة عن ذلك التراث، وأن تنظر إليه باعتباره نتاج الوعي البشري في التاريخ والمجتمع، ومن ثم يجب التأصيل للوعي بالتراث وأن يفيد من العناصر الحية فيه، ويدرس علاقته التاريخية بقضايا الماضي في ضوء القضايا والمشكلات والأسئلة التي يطرحها الحاضر.

وتتوقف الباحثة بشكل خاص عند التراث الصوفي الذي يمثل أحد أهم عناصر التراث التي يذهب إليها الروائي؛ ليستلهم متخيله السردي، ومن منطلق انشغاله بإثراء نصه بعناصر التراث القومي من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن التجربة الصوفية لها خصوصية فلسفية في الإجابة عن أحد أهم أسئلة الوجود إلحاحاً على الإنسان وهي علاقة الإنسان بـ«الماوراء» المجهول ومدى قدرته على فهم هذا العالم الغامض؛ لذا تمثل التجربة الصوفية حين ذاك فلسفة ورؤية للعالم لها خصوصية وخطاب مختلف ومغاير.

الطاقة الروحية

وتكشف الدراسة عن مساحة من الوعي بالطاقة الروحية الكامنة في تلك التجربة، والاستلهام الأدبي لهذا النوع من التراث، وما ينطوي عليه من شفافية نفسية ورغبة في التحليق، وكأن الروائي يحاول من خلالها أن يقاوم القلق الوجودي الذي ينتاب إنسان هذا العصر الذي يسعى لفتح طاقة من النور تبدِّد عتمة اليأس. وتتسم اللغة الروائية، التي تتمثل الخطاب الصوفي، بالإشراقات الشعرية؛ والإنصات للذات، وتخليصها من شوائب الواقع المادي، كما تتميز رؤية العالم لدى الروائي الذي يتمثل التجربة الصوفية، بالصفاء الروحي والقدرة على التسامح مع جميع المخلوقات.

وتلفت الكاتبة إلى أنه في هذه التجربة يعتمد الفعل الصوفي في الرواية على لغة الكشف والاكتشاف والغوص في المجهول والانخراط في عالم روحي عجائبي، وكأنها رحلة معراجية سردية يعيشها السارد وبقية الشخصيات. ومن أبرز الأمثلة التطبيقية التي تشتغل عليها الباحثة في هذا السياق «كتاب التجليات» للمصري جمال الغيطاني، و«كيميا» للمصري وليد علاء الدين، و«وجدتك في هذا الأرخبيل» للمغربي محمد السرغيني، و«الحجاب» للمغربي حسن نجمي، و«جبل الطير» للمصري عمار علي حسن، و«مجنون الحكم» للمغربي بنسالم حميش، ورواية «جنوب الروح» للمغربي محمد الأشعري.

التاريخي والروائي

وترصد الباحثة العلاقة بين الرواية والتاريخ، والفرق بين الخطاب الروائي والخطاب التاريخي، وترى أن الأخير يُفترض فيه أن يكون خطاباً نفعياً له وظيفة مرجعية في نقل الأحداث وفق تتابعها بأمانة تامة، ولهذا يتوقع من المؤرخ أن يلتزم الصدق في سرد الأحداث، فتأتي حقيقية وشفافة، في حين أن الخطاب الروائي ينبني على التخييل، مع الإفادة من المرجعية الواقعية من ناحية، والمرجعية التاريخية من ناحية ثانية؛ أي أن الرواية لم تتخلَّ نهائياً عن الوظيفة المرجعية عندما قدمت عليها الوظيفة الجمالية. والتماهي بين النص التاريخي والنص الروائي سمة جمالية تميِّز السرد الجديد، فالرواية الجديدة حين تقوم بتوظيف خطاب التاريخ إنما تجعله تكأة جمالية وفنية ليصبح بمثابة المَعبر الذي تقدِّم من خلاله خطابها الروائي، فلا يكون التاريخ مقصوداً لذاته، إنما هو تقنية فنية وله وظيفة جمالية.

وتلاحظ الكاتبة أن السارد في الرواية التي تفيد من النصوص التاريخية هو مؤرخ من نوع خاص يعتني بالثغرات والفجوات والهوامش المنسية والزوايا المعتمة التي تتجاهلها في الغالب الكتابات التاريخية التقليدية، كما أنه يقوم بمحاولة لملء وترميم الثغرات والفجوات التي يهملها التاريخي الرسمي، فالتاريخ يكتبه المنتصرون، فماذا عن المنهزمين، المهمَّشين؟ من يكتب سردياتهم؟ إنه الروائي الذي يبرز الهوامش المنسية، ويضيء المناطق المعتمة بواسطة الفن. والرواية حينما تقوم بتوظيف خطاب التاريخ إنما تجعله تكأة جمالية وفنية ليصبح بمثابة المَعبر الذي تقدم من خلاله خطابها الروائي، فلا يكون التاريخ مقصوداً لذاته، إنما هو تقنية فنية وله وظيفة جمالية. الروائي لا يكتب تاريخاً، بل يوظف بعض أحداث التاريخ التي يرى أنها يمكن أن تكون عناصر فاعلة في نصه الروائي.

يستهدف الروائي إعادة توظيف التاريخ عبر فضاء نصي لمتخيل سردي تتداخل فيه الأحداث والشخصيات التاريخية الواقعية مع المتخيلة، مع الوعي بأهمية تحليل الخطاب التاريخي ونقده.

وترى الباحثة أن إلحاح المدونة الروائية العربية على «العلاقة النصية» بين التاريخ والمتخيل السردي يؤكد وعي الروائي بأن الحاضر، ومن ثم المستقبل، هما ابنان شرعيان للماضي، ومن يجيد قراءة الماضي ويسائله يمكن له أن يصنع حاضراً ومستقبلاً صالحاً للعيش الإنساني فيه. ومن أبرز الأمثلة الروائية التي تستشهد بها الباحثة هنا «دروز بلجراد» للبناني ربيع جابر، و«حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر» للجزائري عز الدين جلاوجي، و«ملاك الفرصة الأخيرة» للمصري سعيد نوح.

مأزق الشخصية التراثية

وتؤكد الكاتبة أن الروائي الذي يذهب للتراث، يجد نفسه في مأزق شديد؛ وهو أن الشخصية التراثية التي يريد أن يتناصّ معها، ويجلبها لفضائه النصي، ويقيم من خلالها جدلاً بين الماضي والنص الماثل، تكون شخصية محددة الملامح، لها رصيد معرفي لدى القراءة والمتلقين، ومن ثم فإن أبرز الصعوبات التي تواجه المبدع في النص الأدبي عموماً، والنص الروائي خصوصاً، هو تعامله مع شخصيات تاريخية لها حضورها الحقيقي، حيث تكون جاهزة المعالم، مرسومة الملامح، محددة الاتجاهات، فتكون مرهِقة لكُتاب الرواية؛ حيث تتجلى خطورتها في كونها جاهزة مسبقاً، وقد تُرغِم الكاتب على العودة إلى مرجعيتها.

في هذا السياق تذكر الكاتبة أنه في رواية «مجنون الحكم»، يُلبس المؤلف بنسالم حميش شخوصه مسوح الحكمة ويجعلهم ينطقون بخطاب متجلٍّ، حيث يقول على لسان الحاكم بأمر الله: «ليست الحكمة في مسايرة التكرار والأموات، بل في الفتن المعبأة التي قانونها الفيض والتوجهات». إن حميش يجعل الشخصية الرئيسية (الحاكم) تتلبّسه حالات من الكشف والعرفان، حتى إنه يقول: «أرحل إلى الجوار البراني أو أسيح... وحين أجن بجنوني، تحتدّ بصيرتي وتقوى، وأصير عيناً ترى، وأصير بألف شفةٍ أنطق بالتجليات، وأتلو ما أراه».

ولا يختلف بطل رواية «جنوب الروح» لمحمد الأشعري عن بطل رواية «مجنون الحكم»؛ فكلاهما تلبَّس بلبوس التجليات، وتمثل شطحاتهم العرفانية وعروجهم الروحي، ورحلة صعودهم إلى عالم الأقطاب، فنجد السارد في «جنوب الروح» ينسي عالم الواقع، ويذهب بعيداً حيث «كل ما رسخ في ذاكرته تلك النشوة التي تجعل جسده مثل سحابة (...) فأسكرته النشوة وقفز عالياً حتى رأى خضرة القبة، ورأى السيل العارم للزائرين بأقمصتهم وعماماتهم البيضاء...»، كما يمازج وليد علاء الدين، في روايته «كيميا» بين عوالم واقعية، مثل رحلة السارد إلى تركيا لاستقصاء أحوال مريدي جلال الدين الرومي بمناسبة مئويته، وعوالم أسطورية أثناء البحث عن قبر كيميا؛ لذا وعى الفرق بين الزمنين اللذين يناسبان رحلتيه مختلفتي الطبيعة والتوجه، فالبحث عن مظاهر الاحتفال بجلال الدين الرومي ناسبه الزمن الفيزيقي الواقعي الذي يُقاس بحسابات الساعات والأيام والشهور والسنين، في حين أن الزمن الذي اختاره ليناسب عوالم البحث عن القبر كان زمناً أسطورياً مختلفاً ومغايراً. يقول الراوي: «تخيل شعورَ رجل يسافر نحو عشرين ساعة بين البر والجو، يخرج من قلب الخليج العربي، في الرابعة فجراً، ليصل إلى وجهته في وسط جبال الأناضول مع نهاية الليل، لتكون تلك هديته».

أما اللحظة الزمنية الأسطورية فتغلِّف رحلته الأخرى التي يبحث فيها عن شاهد يليق بأن يوضَع على القبر الذي تخيَّله لكيميا، هنا في مونولوج متخيَّل يقول الراوي: «إنه التخلص والتحرر من قيود الزمن، لتعود إلى مصدر انبعاثك. تدور حول نفسك. تدور في مكانك. تدور حول الآخرين. يدور الآخرون حولك. إنه انجذاب البعض إلى البعض، كدوران الكواكب حول ذاتها وحول الشمس».


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.