الفيلسوف الذي قبض على «الهراء»

رحيل هاري فرانكفورت الذي اشتهر بسبب مقالة قصيرة

هاري فرانكفورت
هاري فرانكفورت
TT

الفيلسوف الذي قبض على «الهراء»

هاري فرانكفورت
هاري فرانكفورت

لم يكن هنري فرانكفورت، الفيلسوف الأميركي والأستاذ المتقاعد من جامعة «برينستون» الذي رحل عن عالمنا قبل أيّام، قد لحق بعالم وسائل التواصل الاجتماعي عندما اكتسب شهرة مفاجئة في عام 2005 بصفته أوّل فيلسوف قبض على مفهوم «الهراء (بالإنجليزيّة Bullshit)» وذلك عندما أعادت دار النشر الملحقة بجامعة «برينستون» طبع مقالة قصيرة له من الثمانينات بنسخة مجلَّدة بعنوان «عن الهراء On Bullshit» قفزت سريعاً إلى أعلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة. ربما كانت الأجواء مناسبة ذلك الحين، عندما كان رئيس الولايات المتحدة وقتها جورج دبليو بوش.

الكتاب - المقالة أخرج فرانكفورت (1929 – 2023) من عزلة تقاعده ليصبح ضيفاً مألوفاً في برامج المقابلات الرئيسية على المحطات التلفزيونية الكبرى، ويكسب منحة من ستة أرقام من أحد كبار الأثرياء الأميركيين لاستكمال التدقيق في ماهية هذا الهراء، أنتج على أثرها عام 2006 آخر أعماله الرئيسيّة «بشأن الحقيقة» أو «On Truth»، الذي حقق نجاحاً وانتشاراً أقل من كتابه «عن الهراء».

الثيمة المركزيّة لمقالة «عن الهراء» بعد البحث في ماهيته -كتعابير يلقيها البعض للترويج المزيّف لأن ثمة شيئاً إيجابياً وجيداً يحدث، على الرغم من أنه ليس كذلك- كانت عن ضرورة التمييز بين الهراء والكذب. إذ على عكس الكذب الذي يجب أن يضع الحقيقة في الاعتبار من أجل تلفيق نقيضها التام، جادل فرانكفورت بأن الهراء غير مبالٍ مطلقاً بالحقيقة، ومعنيّ أساساً بترك انطباع معيّن في ذهن المتلقي لا أكثر، ودون أي اهتمام حقيقي بالحقائق الأساسية. ولذلك فإن الهراء «ليس نتاج خطأ، بقدر ما هو عمل تزييف متعمّد».

غلاف" حول الهراء"

لقد حقق فرانكفورت شهرة واسعة لا شك يحسده عليها كثير من الأكاديميين بفضل مقالة قديمة قصيرة لا تزيد عدد صفحاتها على سبع وستين. وإذا كان ذلك دلالة على شيء، فسيكون حتماً ذلك الإحساس المتزايد عند عدد كبير من الناس في أيّامه بغلبة الهراء على الشأن العام، وتحوله إلى إحدى أبرز سمات ثقافة مجتمعات عصر ما بعد الحداثة. ولعله لو طال به العمر لوسّع كتابه عدة مئات من الصفحات، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة أكواريوم هائلٍ لاستعراض قدرات البشر في التنافس على إنتاج الهراء المدّون، والمسجّل، والمصوّر.

هاري جوردون فرانكفورت، الذي توفي في دار للمسنين في سانتا مونيكا بكاليفورنيا إثر أزمة قلبيّة عن عمر يناهز 94 عاماً، كان اسمه لدى ولادته في ولاية بنسلفانيا عام 1929 ديفيد برنارد ستيرن، لكنّه ولأسباب غامضة انتقل سريعاً لعهدة عائلة يهوديّة أخرى بلا أولاد، ليصبح الطفل الوحيد لناثان وبيرثا فرانكفورت، اللذين أعادا تسميته ومنحاه لقبهما.

غلاف "حول الحقيقة"

خسر ناثان -والده بالتبني- وظيفته كمحاسب خلال مرحلة الكساد الكبير في الولايات المتحدة وانهيار سوق الأسهم عام 1929، وهو ما أورث هاري نوعاً من قلق مزمن بشأن المال. وعندما بلغ رشده كانت الخيارات الطبيعيّة لأولاد الفقراء مثله؛ إما أن يصبح عازف بيانو مثل والدته أو حاخاماً عند تخرجه في المدرسة الثانوية العبريّة. ويبدو أنّه لم يمتلك الموهبة للعزف، وأحس بالاختناق من «الهراء الصاخب» الذي كان يختلط في مدرسته العبريّة مع الهواء، فانتهى إلى دراسة الفلسفة في جامعة «جونز هوبكنز» في بالتيمور، حيث حصل على الإجازة الجامعيّة الأولى منها في 1949، قبل أن تمنحه ذات الجامعة درجة الدكتوراه عام 1954.

ولعل من الشخصيّات التي تركت على تفكيره أثراً لا يُنسى، كان الفيلسوف النمساوي الكبير لودفيغ فيتجنشتاين، الذي التقاه لفترة وجيزة في جامعة «كورنيل» وكانت إحدى قلاع الفلسفة الغربيّة الأهم ذلك الحين بينما كان يُجري أبحاثاً للدراسات العليا. ويرتكز فرانكفورت في مقاربته للهراء على مقطع شعري قيل إن فيتجنشتاين كان يتخذه شعاراً شخصيّاً له حول الإتقان البالغ الذي كان يشعر به معماريو الكاتدرائيات القديمة الهائلة والذي كان سرّه الإحساس الدائم بأن الربّ «موجود في كل مكان». عند فرانكفورت، فإن عالم أولئك البنائين العظام مُقاس بدقّة ومحميٌّ بضمير فلا مكان فيه للهراء أبداً.

خدم فرانكفورت بالجيش الأميركي لعامين خلال الحرب الكوريّة قبل أن يحصل على وظيفته الأولى مدرساً للفلسفة في جامعة ولاية أوهايو. وهناك بدأ بدراسة أعمال الفيلسوف الفرنسي من القرن السابع عشر رينيه ديكارت، وعنه نشر كتابه الأول، «الشياطين والحالمون والمجانين - 1970». وقد انتقل بعدها إلى جامعة «روكفلر» في نيويورك، وهناك أنجز أهم أعماله عبر أوراق مترابطة مهمة نشرها بين ستينات وتسعينات القرن العشرين حول المسؤولية الأخلاقية، وحرية الإرادة، جعلته مرجعاً يُقتبس عنه في رفضه مبدأ الاحتمالات البديلة الذي يكون الشخص وفقه مسؤولاً عن فعله من الناحية الأخلاقيّة حصراً عندما تتوفر له بدائل للتصرّف بشكل مغاير، فجادل بكون الشخص المسؤول أخلاقيّاً عندما يقْدم على فعلٍ ما يقوم بذلك لأنّه يريد القيام به بغضّ النظر عن توفر البدائل من عدمه، معتبراً فعل الإرادة، أكثر من العقل أو الأخلاق، هو الجانب المحدِّد للحالة الإنسانية. والنتيجة الأنيقة لنظريّته هذه في الحريّة الشخصيّة هي أن الشخص عندما يأتي بفعل ما، فإنه لا يكشف فقط عن الطّريقة التي أراد أن يتصرف بها، ولكن أيضاً عن نوع الشّخص الذي يطمح إلى أن يكونه.

واصل فرانكفورت استكشاف العلاقة بين القيم الشخصية والإرادة الإنسانية خلال أبحاثه في الثمانينات من القرن الماضي فنشر ورقة بحثية مفصليّة بعنوان «أهمية ما نهتم به»، جادل فيها بأن رغباتنا الأكثر أهمية هي تلك التي لا يسعنا إلا أن نتحرك للعمل عليها، بغضّ النظر عن الظروف المانعة، لأنها تحدد ما نقدر أو نطمح أن نكون عليه. ومن المفارقات، كما كتب، أن هذا الافتقار إلى الحرية بسبب الظروف المانعة هو الذي يعطي حياتنا معنى من خلال نضالنا لتحديها.

بعد جامعة «روكفلر»، انتقل فرانكفورت في عام 1976 إلى جامعة «ييل»، ثم إلى جامعة «برينستون» بدايةً من عام 1990، ليحال هناك إلى التقاعد في 2002 ويعيَّن أستاذاً فخريّاً مدى الحياة. وكان قد تزوج مرتين، وترك ابنة من كل زواج وثلاثة أحفاد.

كان فرانكفورت نموذجاً للصدق وظل طوال حياته الأكاديمية معنياً بقضايا الحريّة والمسؤوليّة الأخلاقية وعدواً للخداع والتزييف

ومع أهمية إنتاج فرانكفورت في فضاء الفلسفة الأكاديمية العاجيّ، فإن تحليله القصير -لكن العميق- لماهية ظاهرة الهراء نبّه الملايين من واقع أن هذا النوع من المخاتلة والخداع هو العدو الأكبر للحقيقة من الكذب. وقد قرّع بلا رحمة نزوع كثير من الأشخاص في المجتمعات (الديمقراطيّة) إلى إبداء الرأي في كل ما يمر بهم، دون خبرة، أو إعداد مسبق، لا سيّما في فضاءات السياسة والإعلام والإعلان والعلاقات العامّة، حيث تكاد تقترب مساحات واسعة من ممارسة هذه المهن إلى نوع من تصنيع مستمر للهراء دون توقف عن أو اكتراث لكيفية سير الأمور على أرض الواقع.

لقد كان فرانكفورت نموذجاً للصدق في مساعيه الفلسفية، وظل طوال حياته الأكاديمية معنياً بقضايا الحريّة والمسؤوليّة الأخلاقية والإرادة، وعدواً للرداءة والخداع والتزييف، ليس فقط كبروفسور يلقّن تلاميذه أفكاراً مجردة، بل أيضاً «كإنسان يحاول التعامل بطريقة منهجية بسيطة مع الصعوبات العادية لحياة يريدها أن تكون ذات معنى»، وفق ما قال في مقابلة صحافية.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).