الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

يدخل مجال الإبداع الأدبي ويطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟
TT

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

خبر تسريح «غوغل» لأحد مهندسي الذكاء الصناعي لأنه أقّر بأن أحد الروبوتات يملك شعوراً و«وعياً ذاتياً» أحدث ضجة كبيرة وفتح الباب نحو أسئلة كثيرة؛ إذا كان الذكاء الصناعي قد تجاوز بالفعل القوة الفكرية للدماغ البشري، فأين نرسم الحدود الفاصلة؟ هل الآلة تكتفي بتطبيق ما طُلب منها أم أنها قادرة على الإبداع؟ وإن كان المبدع هو المخترع، فمن هو هذا الإنسان خلف الآلة؟ وماذا يريد؟ أسئلة قد تبعث على الابتسام وُتذكر بأفلام الخيال العلمي، على طراز «تيرميناتور». لكن الواقع أن مثل هذه الإشكاليات قد دخلت فعلاً ساحة النقاش في المجتمعات الغربية، ولا سيما أن الذكاء الصناعي أصبح يُستعمل في مجال الإبداع، وبخاصة الأدب.
خيالات الكُتاب أنفسهم انساقت نحو هذه النوعية من المواضيع، فكتب الفرنسي فيليب فاسي في روايته «نسخة العرض» عن «سكريبت ريجيناتور» البرنامج الذي أصبح حديث العالم، لأنه لا يكتب إلا الروايات الأكثر مبيعاً أو «البيست سيلر»! وأنتوان بيلو عن «أدا» الآلة التي بُرمجت لتأليف روايات رومانسية، لكنها تتمرد على مخترعها لتكتب بحرية، وأنتوني ألتمان في «الرواية الأخيرة» عن فيكتوريا الفتاة التي تفوز بفضل الشريحة المزروعة تحت جلدها، والتي تقوم بالكتابة بدلاً عنها. اليوم مثل هذه التجارب موجودة فعلاً على أرض الواقع، كما أن بعضها كُلل بالنجاح. في 2016 رواية بعنوان «اليوم الذي سيكتب فيه الكومبيوتر رواية» من إنجاز مختبر الذكاء الصناعي، التابع لجامعة هاكوداته اليابانية، انتهت في قائمة المتأهلين للتصفيات النهائية لمسابقة أدبية من بين 1450 مشاركاً، حتى إن لجنة التحكيم وصفت العمل المُرشح بـ«الرواية المنظمة للغاية». في 2018 نشرت إصدارات جان بويت «في الطريق»، وهي أول رواية كُتبت بواسطة الذكاء الصناعي في سيارة كاديلاك أثناء رحلة برية بين نيويورك ونيو أورلينز. ومؤخراً، اكتشف العالم بذهول الإنتاج الأدبي والشعري الذي طوّرته شركة «أوبن آي» التابعة لإيلون ماسك، الذي تقدم حسب اللّجان التي فحصته على الكتابة البشرية في الإمتاع والتشويق والتقارب في الدقة والاتسّاق. وقبل الخوض في القيمة الأدبية لهذه الأعمال، من المهم التذكير بوجود تحفظ شديد باتجاه فكرة وجود «أدب صناعي» ببساطة لأنه يتعارض مع الصورة التي ترسمها الذاكرة الجماعية عن الأدب، كحصيلة من التجارب والمشاعر الإنسانية المركبة التي لا يمكن تحديدها أو التنبؤ بها، وهو ما جعل فرويد يقارن «الإبداع الأدبي» بحالة أشبه بالعُصاب. تقول الكاتبة لورانس دو فيلار، في كتابها «رجال وروبوتات» (دار نشر بلون): «من هي الآلة القادرة على محاكاة أسلوب جين أوستن أو إيميلي برونت في تصوير المشاعر المركبة، أو سخرية فلوبير، أو الإبداع في مشاهد اللقاء عند تولستوي أو ستندال؟... وماذا يحدث حين نقرأ نصاً أدبياً يفتقد للروح البشرية، وللخيال الإبداعي الذي تحل محله تعليمات وحسابات الخوارزميات؟».
باسكال موجان، الجامعي ومدير دراسات الثقافة والذكاء الصناعي في جامعة باريس ساكلي، يلفت الانتباه في مقال بعنوان «هل يجب أن نخاف من كتب الروبوتات؟» إلى الصعوبة في تقبل فكرة «تفويض مُهمة الكتابة إلى آلة»، قائلاً؛ إذا كانت ورش عمل كبار النحاتين والرسامين قد عرفت ومارست هذا المبدأ لقرون، فإن أسلوب العمل الذي تكتب به برامج الذكاء الصناعي يتعارض مع الصورة المثالية للكاتب، ذلك «العبقري المنفرد» أو «المبدع المتميز» الذي يكتب في غياهب الليل وبمعزل عن العالم، ثم يضيف: «فكرة الاستعانة بمصدر خارجي أو تفويض قدراتنا الإبداعية إلى روبوت تبدو صعبة التوافق مع الشرعية الأدبية، ولذا فإن إنتاجات الذكاء الصناعي في مجال الأدب تعرف من البداية إقصاء آيديولوجياً، عكس ما يُلاحظ في مجال الموسيقى أو الرسم والفن السابع».
المواقف الرافضة لمثل هذه الإنتاجات غير مبررة، بحسب آخرين. الكاتب الفرنسي جيروم غام يقول في إحدى مداخلاته إن «علينا تمييز ما يمكن أن نحصل عليه من استعمال الذكاء الصناعي في مجال الأدب، فقد نحصل على كتابات من المفترض أن تكون من إنتاج بشري، أو على العكس من ذلك، فقد نحصل على كتابات لا يستطيع الإنسان إنتاجها. وبدلاً من تقليد الإنتاج البشري فإن الذكاء الصناعي سيبتكر أدباً لا يستطيع الإنسان إنتاجه، وهو ما قد يجعله متميزاً، ولنسميه «فناً مختلفاً» يستطيع أن يستحضر المفاهيم والأفكار أو يعرض نفسه ببساطة ليتم تقديره». الإشكالية الأخرى تتمثل في صعوبة الإقرار بأبوة «الإبداع» لهذه الآلات، وهو موقف مشروع، فإذا فرضنا أن الروبوتات تحتاج إلى تدخل بشري لتعمل، أي أنها غير مستقلة في العملية الإبداعية، فمن المبدع، الإنسان الذي يبرمج أم الروبوت الذي يكتب الرواية أو القصيدة؟ عن هذه المسألة تجيب لورانس دوفيلر في كتابها «رجال وروبوتات» بما يلي: «الروبوتات التي تعمل بواسطة نظام التعلم العميق (ديب ليرنينغ) تستخدم قاعدة بيانات، تستلهم منها لإنتاج العمل الإبداعي، مُعيدة دمج الأشكال والأنماط والمكونات الموجودة في البرنامج، ولهذا لا يمكن اعتبار هذه الروبوتات كأدوات بسيطة، فهي بدورها تصبح مبدعة، لأنها تستخدم شكلاً من أشكال الإبداع لإنتاج محتوى فني دون تدخل بشري في العملية». هذه المسألة حُسمت في قضية «بورتريه إدموند بيلامي» هذه اللوحة التي أنجزها برنامج ذكاء صناعي، وبيعت بأكثر من 400 ألف دولار في مزاد سوذبيز. الخبر الطريف أن اللوحة التي حصلت على إعجاب المشاركين حملت توقيع معادلة رياضية، لأن فريق مهندسي الذكاء الصناعي وخبراء الفن الذين أشرفوا على المشروع اعتبروا أن المعادلة التي استعملت في البرنامج هي من سمحت بإنجاز هذه التحفة.
على أن أكبر تحدٍ يمثله الذكاء الصناعي اليوم في مجال الأدب يبقى مدفوعاً بالربح المادي، والمكاسب الهائلة التي تعدُ بها الآلةُ الناشرَ الذي سئم من تماطل المؤلفين التقليدين ومطالبهم المالية المتزايدة، وهو ما يحدث فعلاً في الصحافة الإلكترونية التي يتم فيها استخدام الخوارزميات لكتابة القصص الإخبارية والنشرات القصيرة. تقول الروائية كاترين لانغ، في حوار مع موقع «إيجي بوك»: «لكم أن تتخيلوا مستقبلاً تكون فيه الرواية من توقيع كاتب معروف، لكن مهمة الكتابة توكل فيها لبرنامج الذكاء الصناعي الذي يحفظ في ذاكرته أسلوب الكاتب وتعابيره ويقلد كتاباته بطريقة جد مُتقنة»، وهو ما تقترحه فعلاً «ستارت أب» (شركة ناشئة فرنسية) بتطبيق يسمى «جيناريو» يساعد المؤلفين على الكتابة بواسطة الذكاء الصناعي، المُتمثل في قاموس «ذكي» يسمح بالغوص في آلاف الكلمات للعثور على الأسلوب والإيقاع المناسب، عبر جداول لتحليل الحبكة الروائية ومسار الشخصيات وتفاعلاتهم، إضافة إلى مكتبة افتراضية من ملايين القصصّ، تُمكن الكاتب من مقارنة موضوعات وشخصيات وهياكل سرد وأسلوب نصّه مع تلك الخاصة بأكبر الكتاب. أين الإبداع في كل هذا؟ وهل هذا يعني أن الكتابة الصناعية ستحل يوماً ما محل الكتابة البشرية؟ المتفائلون يجيبون بالنفي، لكن لا مفر من هيمنة الذكاء الصناعي على عالم النشر والكتب. فما يحدث اليوم هو أن الخوارزميات تختار لنا ما نقرأ في منصات بيع الكتب، وتتنبأ لنا بالرواية المُرجحة لأن تكون الأكثر «نجاحاً» بجداول وأرقام معينة، كما في موقع «أنكيت» الألماني. وفي النهاية، فقد يجد كُتاب الأجيال القادمة الذين يخضعون لحسابات هذه الخوارزميات أنفسهم وهم يقدمون أدباً متشابهاً يفتقد للأصالة والتنوع لأن الجميع يركض وراء الرواية «المثالية». الكاتب أنتوني ألتمان يطرح التساؤل نفسه على لسان أبطال قصته «الرواية الأخيرة»، في حوار يسأل فيه أحدهم صديقه الكاتب؛ ماذا سيحل بنا إذا استعملت الروبوتات في الكتابة بدلاً منا؟ فيجيب صديقه؛ سنصبح كالديناصورات، وكتبنا ستعرض... في المتاحف...

 


مقالات ذات صلة

«سدايا» أول جهة تنال اعتماد «آيزو 42001» عالمياً

تكنولوجيا الاعتماد العالمي يؤكد نجاح مساعي «سدايا» في جوانب عدة تتعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

«سدايا» أول جهة تنال اعتماد «آيزو 42001» عالمياً

حصلت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» على اعتماد منظمة الآيزو العالمية «ISO 42001:2023» لعام 2024 بصفتها أول جهة عالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم «الرفاق الرومانسيون» المدعومون بالذكاء الاصطناعي يزدادون شعبية

«الرفاق الرومانسيون» المدعومون بالذكاء الاصطناعي يزدادون شعبية

الواقعية والقدرة على التكيف والسلاسة التفاعلية تتيح للبرامج الذكية ضبط استجاباتها؛ لتتناسب مع اهتمامات المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الإمكانات الواعدة للذكاء الاصطناعي في مجال صحة النساء

الإمكانات الواعدة للذكاء الاصطناعي في مجال صحة النساء

تعدّ قراءة صورة الثدي الشعاعية بمثابة اختبار لتمييز الظلال المتداخلة.

مورين سالامون (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
الاقتصاد رقائق إلكترونية من صناعة شركة «هاينكس» الكورية الجنوبية (رويترز)

هل تقود كوريا الموجة الجديدة للذكاء الاصطناعي؟

تتزايد رهانات صناديق التحوط على موجة جديدة من الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي بقيادة الشركات الكورية الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نكات تتفوق على تلك التي يصنعها البشر (رويترز)

دراسة:الذكاء الاصطناعي ينتج نكاتاً أفضل من تلك التي يؤلفها البشر

وجدت دراسة أميركية جديدة أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نكات تتفوق على تلك التي يصنعها البشر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إيميلي هنري... كتب تحقق أعلى مبيعات من دون ترويج ولا «تيك توك»

إميلي هنري
إميلي هنري
TT

إيميلي هنري... كتب تحقق أعلى مبيعات من دون ترويج ولا «تيك توك»

إميلي هنري
إميلي هنري

لم يسبق لإيميلي هنري قط أن أجرت جولة للترويج لأحد كتبها أو قرأت مقاطع من كتبها داخل إحدى المكتبات بهدف الترويج. أضف إلى ذلك أنها لا تملك حساباً على «تيك توك». أما حسابها على «إنستغرام»، فيتميز بصور أغلفة كتبها، بينما يخلو من جولات في خزانة ملابسها أو محاولاتها إنقاذ بعض القطط، أو صور لتناولها وجبة شهية مرتبة في الأطباق على نحو أنيق.

ووفق تعبير هنري، فإنها لا ترغب في أن تتحول إلى «كاتبة وشخصية شهيرة بعض الشيء في الوقت ذاته». إنها «روائية رومانسية»؛ وهنا انتهى الأمر. وبالتأكيد يعدّ هذا نهجاً غير مألوف، بل حتى ربما يعدّ جريئاً، في عصر يتوقع فيه قراء أعمال الخيال الشعبي مستوى من العلاقات شديدة الحميمية مع كتّابهم المفضلين.

ورغم ذلك، فإن هنري، التي تشتهر في أوساط محبيها باسم «إم هن»، نجحت في إطلاق خامس كتاب لها يحقق أعلى مبيعات في غضون 4 سنوات. واستمرت أحدث أعمالها؛ التي حققت نجاحاً مدوياً، «قصة طريفة (Funny Story)» في قائمة أفضل الكتب مبيعاً طوال 9 أسابيع. وفي أول شهرين من صدوره، حصد الكتاب نحو 60 ألف مراجعة من القراء عبر موقع «غود ريدز»، ناهيك بإطلاقه صناعة كاملة من القمصان والشموع والملصقات على صلة به.

ووفق الأرقام، باعت هنري، في المجمل، 7 ملايين نسخة داخل الولايات المتحدة منذ عام 2020. ويجري العمل على تحويل 3 من رواياتها إلى أفلام. وأعلنت هنري، الثلاثاء الماضي، أن رواية أخرى؛ هي «مكان سعيد (Happy Place)»، سيجري تحويلها إلى مسلسل على «نتفليكس».

عن ذلك، تقول هنري: «كان الأمر سريعاً للغاية. أشعر كأن السنوات الأربع الأخيرة لم تكن في حقيقتها سوى 35 ثانية فقط».

في أثناء تبادل أطراف الحديث مع هنري داخل مقهى «كوفي إمبوريم» في سينسيناتي المليئة بالأشجار، بدا من الصعب تخيل انسحابها نحو حالة من الهدوء. من جهتها، قالت هنري، وسط هدير جزازات العشب الدائرة في الحي: «أنا أحب الناس حقاً. عندما أكون وسط مجموعة كبيرة أميل إلى رفع صوتي لمستوى أعلى، لكن بعد ذلك سأعود للمنزل في صمت تام. وقد لا أتحدث مع أي شخص على امتداد أيام عدة».

بدأت هنري مسيرتها في مجال الكتابة عبر تأليف روايات موجهة للشباب، وكانت تعكف على كتابة أول رواية لها بعنوان «الحب الذي قسم العالم (Love That Split the World)»، في الصباح قبل أن تذهب للعمل بصفتها كاتبة فنية لدى شركة للهاتف والإنترنت والتلفزيون، وكانت مسؤولة عن اللغة الغامضة فوق صناديق الكابلات، ولم يكن هذا العمل ممتعاً لها.

وعليه؛ استقالت هنري بمجرد حصولها على سلفة كتابها الافتتاحي؛ وهو كتاب متواضع، وفق ما ذكرت، ثم كتبت أو شاركت في تأليف 3 كتب أخرى للجمهور الأصغر سناً.

تقول: «وصلت إلى لحظة في أثناء كتابتي لجمهور البالغين الأصغر سناً شعرت عندها بالإرهاق. لم يكن لديّ أي شيء جديد لأقوله».

أما كتابها الأول للبالغين، «بيتش ريد (Beach Read)»، فكان فرصة لها كي تكتب من دون ضغوط الجمهور صغير السن. ورغم أن كثيرين رأوا هذا أبسطَ مشكلة يمكن أن يواجهها أي كاتب، فإن هنري تنصح اليوم الكتاب الطموحين بالاستمتاع بخصوصية العمل على مشروع ما دون إقحام القراء في الأمر. وقالت: «من المتعذر أن نعود يوماً إلى هذا الشعور نفسه من المتعة».

صدرت رواية «بيتش ريد» في 19 مايو (أيار) 2020، تقريباً قبل أسبوع من تجاوز أعداد ضحايا جائحة «كوفيد19» داخل الولايات المتحدة عتبة المائة ألف. وبطبيعة الحال، كان أقرب إلى المستحيل تنظيم فعاليات تتضمن التفاعل مع الجمهور. وبدا الموقف منطوياً على مفارقة بالغة، بالنظر إلى أن الرواية كان المقصود منها أن يستمتع القراء بمطالعتها على رمال الشاطئ.

ومع ذلك، ورغم استمرار إغلاق كثير من الشواطئ العامة، فإن الرواية حققت نجاحاً ساحقاً عبر «تيك توك». ويوماً بعد آخر، زحفت الرواية نحو قائمة أفضل الكتب مبيعاً حيث ظلت لأكثر من عام.

في هذا الصدد، قالت أمادنا بيرجيرون، مسؤولة التحرير لأعمال هنري لدى «بيركلي»: «في ذلك الوقت، كان كثيرون يتطلعون إلى شيء يضفي على حياتهم شعوراً بالإشراق والراحة والدفء، وفي الوقت نفسه لا يخجلون من التعبير عن الحزن. وبالفعل، وفرت رواية (بيتش ريد) للقارئ كل هذه الأشياء».

وشكل ذلك سابقة جرى الحفاظ عليها عبر الروايات الثلاث التالية لهنري: «أشخاص نلتقيهم في الإجازة (People We Meet on Vacation)»، و«عشاق الكتب (Book Lovers)» و«مكان سعيد (Happy place)». وبمرور الوقت، زادت المبيعات؛ كتاباً وراء كتاب، بينما ظلت هنري داخل كنف منزلها في سينسيناتي.

تقول: «أعتقد أنني لو كنت قد قمت بجولة ترويجية للرواية، أو لو أن (بيتش ريد) لم تصدر في فترة الجائحة، لكان فريق العمل قد اعتقد أن المبيعات تزداد بفضل الجولات التي أقوم بها. وبالتالي، كانوا سيطلبون مني إنجاز مزيد منها. إلا إنه بالنظر إلى أن كل شيء كان ناجحاً من دون اضطراري إلى تنظيم جولات، فقد تعاملوا بمرونة مع رغبتي في البقاء داخل المنزل».

يذكر أنه في وقت مبكر من عملها الأدبي، واجهت هنري ضغوطاً للخروج إلى العالم عبر نافذة «تيك توك». وعن هذا، تقول: «أعلنت رفضي الفكرة. عندما يموت (إنستغرام)، سأموت معه. هذا آخر حساب لي عبر شبكات التواصل الاجتماعي».

وتضيف: «بدأت تداعب خيالي أحلام؛ لو أنني بدأت مشوار الكتابة قبل عصر شبكات التواصل الاجتماعي. في تلك العصور، لم أكن لأعلم كيف يبدو كاتبي المفضل، ولم أكن لأعبأ أو حتى أفكر في الذهاب إلى فعالية يشارك فيها. من الغريب أن تحلم بالكتابة وهي في صورة ما، ثم تكبر وتبدأ مسيرة الكتابة بالفعل لتجد أنها تحولت إلى صورة أخرى مختلفة تماماً».

وتنسب هنري وبيرجيرون ودانييل كير، مساعدة مدير شؤون الدعاية لدى «بيركلي»، جزءاً من الفضل في النجاحات التي حققتها روايات هنري إلى تصميمات الأغلفة العصرية والبراقة التي صممتها ساندرا تشو، خصوصاً الاهتمام الذي توليه للألوان ولغة جسد الشخصيات.

في رواية «قصة طريفة»، بذلت تشو مجهوداً كبيراً للوصول إلى الوضعية المثالية لجسد الشخصية الرئيسة بالرواية. وشرحت تشو أن «دافني»، أمينة مكتبة أطفال، بدت «متعجرفة بعض الشيء في البداية». في النهاية، نجحت تشو في تصويرها على نحو يعكس التوازن الصحيح بين الذكاء والحذر. وبناءً على طلب هنري، اختارت تشو أن ترسم «دافني» بملابس بسيطة، مع ارتدائها حذاء «كروكس» أصفر.

والآن، هل ثمة احتمال أن تخوض هنري جولات للترويج لأعمالها الجديدة، خصوصاً مع عودة الجولات الترويجية من جانب كتاب آخرين؟

عن هذا الأمر، تجيب كير: «ندرس دوماً هذه الفكرة، لكننا نركز اهتمامنا، في نهاية المطاف، على سبل مثيرة ومبتكرة للترويج لإيميلي ورواياتها، والتفاعل مع الجمهور والوصول إلى قراء جدد».

بمعنى آخر؛ نوقش الأمر بالفعل، لكن لم يُقَر جدول زمني محدد لأية جولات ترويجية بعد.

من ناحية أخرى، ظهرت هنري في 3 برامج تلفزيونية ـ «غود مورنينغ أميركا» و«توداي» و«تامرون هول». واستلهاماً من تجربة روائيين آخرين غالباً ما ينظمون حفلات في ساعات متأخرة من الليل، احتفالاً بإطلاق كتاب جديد، ساعدت «بيركلي» في تنظيم أكثر عن 200 فعالية احتفالية بإصدار رواية «قصة طريفة» عبر مكتبات بمختلف أرجاء البلاد. ونُظّم أكثر من 50 منها عند منتصف الليل.

في هذا السياق، عبرت ليا كوك، مالكة دار «ذي ريبيد بوديس»، المختصة في الأعمال الرومانسية، عن اعتقادها بأن «قراء الأعمال الروائية الخيالية يشكلون فئة مميزة بحد ذاتها، من حيث الولاء. وقد نفدت نسخ الرواية لدينا في 3 أيام فقط».

في 22 أبريل (نيسان) الماضي، تدفق أكثر من 100 من القراء المتحمسين على متجر الدار في حي بروكلين بنيويورك. وكانت هناك أطباق من الشوكولاته، ومطبوعات فنية مستوحاة من رواية «قصة طريفة» ومحيط بحيرة ميتشغان الذي تدور أحداث الرواية في أجوائه... وفجأة، ظهرت هنري نفسها تتجول وسط الحشد مثل ضيف آخر مبتهج. وكانت ترتدي ملابس بسيطة براقة تعكس أجواء الشاطئ والبحر.

وفي مقطع فيديو، ظهر القراء وهم يستقبلونها بسعادة غامرة وحماس وتصميم على التقاط هذه اللحظة بهواتفهم الخاصة. وتعالت صيحات إحدى المعجبات: «يا إلهي! يا إلهي!». أما هنري، فرحبت بالقراء، بينما حمل وجهها شعوراً بالانتصار والارتياح.

تقول لنا: «كان هناك أشخاص تعرفت عليهم بعدما تابعتهم سنوات وهم يروجون لكتبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كانت تلك لحظة مميزة ورائعة للغاية، لكن الشيء الجميل حقاً في قرائي أنهم شيء خارج عني؛ إنهم مجتمع قائم بذاته».

يُنسب جزء من الفضل في النجاحات التي حققتها روايات إيميلي هنري إلى تصميمات الأغلفة العصرية والبراقة

يذكر أن النسخة ذات الغلاف المقوى لرواية «قصة طريفة» باعت نسخاً أكثر بنسبة 850 في المائة خلال الأسابيع الأربعة الأولى من إصدارها، مقارنة بالنسخة ذات الغلاف الورقي في الفترة ذاتها، رغم أن تكلفتها تبلغ نحو الضعف. وبحلول أواخر مايو (أيار)، كانت لا تزال في مقدمة الكتب داخل كثير من مكتبات سينسيناتي.

ومع ذلك، فإنها عندما همت بمغادرة مقهى «كوفي إمبوريم» برفقة زوجها للعودة إلى المنزل، لم تكن هنري تتبختر في مشيتها مثل شخصية مهمة أو بارزة أو حتى شخص تجذب كتبه القراء إلى المكتبات في منتصف الليل؛ وإنما كانت تسير بجدية تليق بكاتبة عاقدة العزم على العودة إلى العمل.

خدمة «نيويورك تايمز»