شاشة الناقد: البحث عن مخرج مفقود

«زينات، الجزائر، سعادة» (فيومنت لوندي)
«زينات، الجزائر، سعادة» (فيومنت لوندي)
TT

شاشة الناقد: البحث عن مخرج مفقود

«زينات، الجزائر، سعادة» (فيومنت لوندي)
«زينات، الجزائر، سعادة» (فيومنت لوندي)

أحد هذه الأفلام الواردة هنا أخطأ التقدير واعتقد أن موضوعه مهمّ وكاف لتحقيق نجاح كبير

‪زينات، الجزائر، سعادة ‬ ★★★

إخراج: محمد الأطرش | الجزائر | 2023

‫ ‬«من يتذكر محمد زينات؟» يسأل الفيلم في مطلعه. والجواب لا أحد. بل هناك غالبية لم تسمع به من قبل.

ومن سمع به فقد نسيه مع رحيل هذا المخرج - الممثل الذي حاول إنجاز شيء خاص به في السينما الجزائية.

محمد زينات، كان قد هاجر إلى فرنسا بعد التحرير، وحاول الانخراط في العمل السينمائي ممثلاً. وهو ظهر بالفعل في دور قصير في فيلم إيف بواسيه «الاغتيال»، وفي فيلم لكلود ليلوش، من المعتقد أنه «رجل وامرأة». عندما وجد نفسه غير قادر على تحقيق النجاح الذي كان يتوقعه، عاد إلى الجزائر وحاول تحقيق آماله هناك متسلّحاً بمشروع فيلم بعنوان «تحيا يا ديدو».

يحكي المخرج محمد الأطرش في فيلمه التسجيلي، حكاية هذا السعي الذي نتج عنه تصوير الفيلم بطلوع الروح. المشاكل كانت كثيرة وفي مقدّمتها إنتاجية. لكن الأطرش لا يسرد جهود زينات بمنأى عن أولئك الذين حاولوا مساعدته أو الذين ظهروا في الفيلم وكانوا أولاداً في ذلك الحين بينهم من رفض طويلاً الظهور في الفيلم الجديد، لكن لاحقاً نجح الأطرش في استمالته للمشروع فطفق يحكي ذكرياته ويلقي الضوء على شخصية زينات.

«زينات، الجزائر، سعادة» كان يمكن أن يأتي أفضل ممّا جاء عليه لو نفض عن نفسه الجانب الشخصي حين يتحدث الأطرش عن نفسه وعرض المزيد من المعلومات عن شخصية زينات. هذا ظهر في أفلام جزائرية أخرجها سواه، لكن الأطرش لا يكترث لها كثيراً. على ذلك، الفيلم هو اكتشاف يحتاج إليه الراغبون في تقليب صفحات الماضي الفنية والتعرّف على الذين عملوا وساهموا وغابوا من دون ذكر.

* عروض: مهرجان الجونة.

Animal ★

إخراج: سانديب ريدي فانغا | الهند | 2024

تَعِد البداية بأن الفيلم سيئ. وبعد ذلك أكثر سوءاً من المتوقع. يود الفيلم في تلك البداية وضع المُشاهد في جو حميمي. بطل الفيلم فيغاي ولد صغير متيّم بأبيه. وتريد الكاميرا أن تثبت ذلك بمشهد نرى فيه الصبي وهو يركض بنظام «السلوموشن» مسافة طويلة ما يذكّر ببعض تلك الإعلانات التي تستخدم عدّائين رياضيين لتبيع مشروبات مثلجة. حين يصل الصبي إلى سيارة العائلة (مرسيدس 2022) يجلس إلى جانب السائق، تلحق به شقيقتاه (تركضان على نحو عادي، ربما لأنهما تحبّان والدهما أقل؟) وتنطلق السيارة إلى البيت. يركض الولد نحو أمه ويسألها عن أبيه. في ظروف كهذه إما أن الصبي لا يعرف أن والده يعمل بعيداً عن البيت، أو أنه حط للتو في مطار دلهي آتياً من جنوب أفريقيا، مثلاً، متوقعاً أن يجد والده في البيت.

من «حيوان» (بادراكالي برودكشنز)

هذه ليست ملاحظات عن أخطاء صغيرة. كل تركيبة الفيلم تعاني من الخلل والمقدّمة كذلك.

سيكبر الصبي ويصبح الممثل رانبير كابور وسيعود من سفر فعلي ليجد أن أعداء والده على وشك الفتك به وبثروته. يخبره والده أن يغفر ويسامح، لكن لا بد أن الأب لم يقرأ السيناريو كاملاً، فلو سمع ابنه النصيحة لما كان هناك هذه الأوبرا العنيفة عن الانتقام والقتل.

لدى ذكر القتل، يداهمك مشهد 3 رشاشات فوق دراجة نارية. رشاش ضخم وعلى جانبيه رشاشان أصغر حجماً والثلاثة تطلق الرصاص بلا انقطاع. هذا فيغاي يركب تلك الدراجة ويداه على القيادة لكن الرشاشات تعمل آلياً.

يقتل بطل الفيلم، في مشهد آخر مئات الناس. وتريد أن تسأل نفسك هنا لا عن المعقولية، (فهذه خرجت من نافذة مفتوحة)، بل عن كيف يمكن لفيلم غير علمي وغير فضائي ولا يمتّ إلى فن الغرائبيات بصلة أن يصوّر مشهداً مغالياً في حجمه ومفاده إلى هذه الدرجة.

طبعاً هي رغبة المخرج في تتويج الفيلم بأعلى مستوى ممكن من العنف تأميناً لنجاحه بين العامّة، وهذا تحقّق له إذ تربع في الشهر الماضي على قائمة أعلى الإيرادات. لكن دوماً هناك اختيارات بعضها يستطيع الدّمج بين ما هو فن وما هو تجارة. الواضح أن المخرج يعلم ذلك، لكنه يفسّر الفن على أنه مهارة استخدام التقنيات فقط. وهو ليس الوحيد في ذلك.

* عروض خليجية ودولية.

Ferrari ★★★

إخراج: مايكل مان | الولايات المتحدة | 2023

كان أمل المعجبين بفيلم مايكل مان الجديد «فيراري» أن يدخل مسابقات موسم الجوائز بقوّة وفاعلية. لكن هذا لم يحدث، و«فيراري» لم يصل إلى خط النهاية لا في ترشيحات «غولدن غلوب» ولا في ترشيحات «الأوسكار» الأساسية، وعملياً ليس في أي ترشيح آخر لجائزة ذات قيمة.

التوقعات كانت كبيرة. هذا أول فيلم لمايكل مان منذ 8 سنوات. في سنة 2015 أخرج فيلم «أكشن» من بطولة كريس همسوورث بعنوان من كلمة واحدة (Blackhat) كان في عمومه أكثر إثارة من «فيراري»، ويدور حول صانع سيارات فيراري للسباق إنزو فيراري (آدم درايفر على الشاشة). في المبدأ، من يهتم لمشاهدة فيلم عن صانع سيارات؟ قبل هذا الفيلم بثلاث سنوات حقّق جيمس مانغولد فيلماً آخر عن السيارة نفسها هو، «فورد ضد فيراري»، وعالج التاريخ نفسه (الستينات)، إنما من زاوية المنافسة بين السيارة الأميركية وتلك الإيطالية وبين قائديها كريستيان بيل ومات ديمون. أنجز الفيلم بعض النجاح، لكن ليس بالحجم المطلوب. ذلك الفيلم لم يصل بدوره إلى خط النهاية لا نقدياً ولا تجارياً.

آدم درايفر في «فيراري» (نيون)

بيد أن خطّة مايكل مان لهذا الفيلم غيرت تلك التي كانت في بال جيمس ماغنولد. هذا أراد فيلم سباق. مايكل مان أراد دراما عائلية وسيرة حياة عن شخصية تعمل في ميدان السباق. ليس أن الفيلم يخلو من مشهد أو اثنين جيدين في هذا السياق، لكن ما يود ّ«فيراري» سرده هو قصّة بيوغرافية محدّدة زمنياً (سنة 1957) لصانع تلك السيارات وأزماته. وربما أزماته وليس سياراته. يقابلنا الفيلم في مطلعه بإنزو يتسلل من فراش عشيقته لينا (شايلين وودلي)؛ ولسبب ما يتسلل من المنزل بهدوء يثير الريبة وحين يركب سيارته يدفعها بعيداً عن البيت حتى لا تستيقظ من نومها وتعلم بمغادرته. يعود إلى بيته ليواجه زوجة ثائرة (بينيلوبي كروز) تهدّده بمسدس. هذه هي بداية فيلم يريد أن يبدأ بعرض المشاكل الخلفية للشخصية التي يتبناها. المشاكل الأخرى هي تراجيدية، فهو حزين على ابنه الذي مات قبل عام. ومشكلة مادية، إذ صنع سيارة باع منها نحو مائة فقط ويحتاج إلى أن يُشركها في سباق بحيث يرفع من معدل بيعها ويتغلّب على أزماته.

ليس سهلاً الحديث عن جوانب لرجل لا تهتم أساساً بحياته. لنكن صريحين: ما الذي يعنيه إنزو فيراري للمشاهدين؟ هو ليس الأميرة ديانا، ولا نيلسون مانديلا، أو جون ف. كندي، أو أيّا من الشخصيات التي صنعت بعض التاريخ الذي لا نزال نعيشه. ربما الطريقة الوحيدة لتقريب فيراري - الرجل للجمهور السائد هو، أن يكون سائق السيارة التي صنعها. لكن حتى هذا لا يضمن النجاح إلّا إذا وجد المخرج تفعيلة سحرية خاصّة.

ما لم يرغب المخرج مان في تحقيقه هو، فيلم عن سائق سيارات سباق، ولم يكن يستطيع أن يغيّر من التاريخ لدرجة زجّ فيراري في واحدة من سياراته المتسابقة. ولا أن يحوّل الدفّة إلى سائق آخر على نحو كامل (هناك سائق آخر لكنه ليس الشخصية المحوريّة).

«فيراري» مشغول بتقديم شخصيّة تمرّ بمآزق من موديل السنة نفسها. يعمد إلى بعض مشاهد السباق، وتنجح لأنها تخضع لتصوير وتوليف فاعلين، لكن الفيلم ليس عن السباقات بل عن «رجل أعمال» يؤديه آدم درايفر مضخّماً، ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان فيراري الأصلي على هذا النحو. ربما الحكاية صحيحة، والشخصية غير ذلك. لكن في كل الأحوال لم يكن الفيلم لينجز نجاحاً يُذكر في أيّ من هذه الأحوال.

* سيُعرض قريباً «أونلاين».

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز