ترشيحات الأوسكار: ظاهرة «باربنهايمر» تنال الحصة الأكبر

تمثال الأوسكار كما يظهر في مسرح دولبي في لوس أنجلس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
تمثال الأوسكار كما يظهر في مسرح دولبي في لوس أنجلس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
TT

ترشيحات الأوسكار: ظاهرة «باربنهايمر» تنال الحصة الأكبر

تمثال الأوسكار كما يظهر في مسرح دولبي في لوس أنجلس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)
تمثال الأوسكار كما يظهر في مسرح دولبي في لوس أنجلس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)

يحبس عالم السينما أنفاسه اليوم (الثلاثاء) بانتظار الإعلان في لوس أنجليس عن قوائم الترشيحات إلى جوائز الأوسكار لهذا العام، مع توقّع نيل فيلمي «باربي» و«أوبنهايمر» الحصة الأكبر منها.

وقد ينال كلّ من «باربي» و«أوبنهايمر» اللذين حققا مجتمعَين إيرادات بلغت 2.4 مليار دولار، وشكّلا ظاهرة أطلقت عليها شبكات التواصل الاجتماعي تسمية «باربنهايمر» لتزامن طرحهما في الصالات، نحو 12 ترشيحاً للجوائز التي ستُوزّع في مارس (آذار).

ويحظى فيلم كريستوفر نولان عن سيرة مبتكر القنبلة النووية بحظوظ كبيرة لنيل حصة الأسد من الترشيحات بعدما حصل على 5 جوائز «غولدن غلوب».

الممثلان كيلان ميرفي وروبرت داوني جونيور بطلا فيلم «أوبنهايمر» في حفل توزيع جوائز «مهرجان بالم سبرينغز السينمائي الدولي» السنوي الـ35 في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

أما فيلم غريتا غيرويغ عن اكتشاف الدمية البلاستيكية الشهيرة مدى الكراهية في حق النساء في العالم الحقيقي، فيسعى إلى إثبات قدرته على تحويل إنجازه التجاري على شباك التذاكر إلى نجاح هوليوودي.

وقال الكاتب في موقع «ديدلاين» المتخصص، بيت هاموند، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «إنها سنتهما، ويُتوقع أن يهيمنا على الترشيحات». ولاحظ هاموند أن «الأفلام الكوميدية (...) تحظى عادة بحظوظ أقل في حصد الجوائز من الأفلام الأكثر جدية». وأضاف: «في عالم (باربنهايمر)، من الواضح أن أوبنهايمر يتمتع بالأفضلية؛ لأن طابعه أكثر جدية، ويبدو مهماً».

وفرض نجما الفيلمين، أي كيليان مورفي في دور جاي روبرت أوبنهايمر، ومارغو روبي في دور باربي، نفسيهما مرشّحين أساسيَّين لجائزتَي التمثيل.

مارغو روبي في حفل اختيار النقاد في كاليفورنيا في 14 يناير الحالي (أ.ب)

وينطبق الواقع نفسه على المرشحين من الفيلمين لجائزتَي الأدوار المساندة، إذ برع روبرت داوني جونيور في تجسيد شخصية بيروقراطي محافظ يشكّل إقصاء أوبنهايمر هاجساً له، في حين تألق راين غوسلينغ في شخصية كين الذي انجرف في الذكورية.

ترقب فرنسي

إلى جانب هذين الفيلمين اللذين حققا نجاحاً كبيراً في الصيف، «يبدو من السهل التنبؤ» بالمنافسين الآخرين على جائزة «أوسكار - أفضل فيلم» هذه السنة، بحسب هاموند.

وتتجه الأنظار في هذه الفئة إلى «كيلرز أوف ذي فلاور مون» التاريخي لمارتن سكورسيزي، و«بور ثينغز» الذي نال «الأسد الذهبي» في مهرجان البندقية، والقصة الميلادية «وينتر برايك»، و«مايسترو» للأميركي برادلي كوبر إخراجاً وتمثيلاً في دور قائد الأوركسترا ليونارد برنستاين.

وشملت التوقعات أيضاً الفيلم الفرنسي الحائز «السعفة الذهبية» في مهرجان كان «أناتومي أوف فول (Anatomie d'une chute)».

مشهد من فيلم «أناتومي أوف فول» (أ.ب)

وفاز الفيلم بجائزتي «غولدن غلوب» في مطلع يناير (كانون الثاني)، ويمكن أن يُرشح أيضاً لـ«أوسكار- أفضل سيناريو»، وأن تنافس في فئة «أفضل ممثلة» بطلته ساندرا هولر، التي تؤدي كذلك دور البطولة في عمل منافس آخر هو «زون أوف إنترست» الذي فاز بـ«الجائزة الكبرى» في «مهرجان كان».

لكن «أناتومي دون شوت» الذي تجسّد فيه هولر دور كاتبة متهمة بقتل زوجها لن يتمكّن من الفوز بجائزة «أوسكار- أفضل فيلم» بلغة أجنبية، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

فقد اختارت فرنسا لتمثيلها في السباق إلى الأوسكار فيلم «لا باسيون دو دودان بوفّان (La Passion de Dodin Bouffant)»، وهو قصة حب تاريخية بين اثنين من عشاق الطعام.

تماثيل الأوسكار كما تظهر في كواليس مسرح دولبي في لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ب)

وتعليقاً على الجدل الذي أثاره هذا الاختيار، قال أحد أعضاء اللجنة المسؤولة عن هذا القرار، شارل جيليبير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «من الواضح تماماً أننا لم نرسل الفيلم المناسب إلى الأوسكار».

وطالب المنتج بإصلاح الهيئة التي تتولى الترشيح لجهة «زيادة عدد الناخبين» فيها.

سنة المُخرِجات

وبين «أناتومي دون شوت» لجوستين ترييه، و«باربي» للمخرجة غريتا غيرويغ، و«باست لايفز»، وهو فيلم أميركي - كوري لسيلين سونغ، يمكن أن تشمل المنافسة على «أوسكار- أفضل فيلم» 3 أعمال من إخراج نساء، وهي سابقة في تاريخ هذه الجوائز.

فطوال 95 عاماً من وجود جوائز الأوسكار التي تعرّضت طويلاً لانتقادات؛ بسبب افتقارها إلى التنوع، لم يُرشّح لمكافأتها الأبرز سوى 19 فيلماً روائياً طويلاً لمخرجات.

الممثلة مارغو روبي في فيلم «باربي» (أ.ب)

وقال هاموند: «قد تكون هذه السنة الأهمّ بالنسبة للنساء في السباق إلى جائزة أفضل فيلم». أما بالنسبة إلى فئة أفضل مخرج، فاكتفى بالقول: «سنرى».

ففي ظل التنافس الشديد بين الذكور، وفي مقدمهم كريستوفر نولان ومارتن سكورسيزي وبرادلي كوبر، تبدو غريتا غيرويغ الأوفر حظاً بين النساء لتحقيق اختراق، في حين سيُحدث ترشيح جوستين ترييه، إذا ما حصل، دوياً كبيراً.

المخرجة غريتا غيرويغ خلال تصوير فيلم «باربي» مع رايان غوزلينغ ومارغو روبي (وارنر برازر - أ.ب)

وفي فئة أفضل ممثلة، يبدو أن الجائزة ستكون موضع مبارزة بين إيما ستون التي تجسّد نسخة أنثوية من فرانكنشتاين في «بور ثينغز»، وليلي غلادستون التي تؤدي في «كيلرز أوف ذي فلاور مون» دور أميركية من الهنود الحمر الأميركيين حققت ثروة من النفط، تُواجه سلسلة جرائم قتل قبيلتها من سكان أميركا الأصليين.

الممثلة الأميركية ليلي غلادستون (إ.ب.أ)

وفي المقابل، قد يُستبعَد من الترشيحات لفئة أفضل ممثل ليوناردو دي كابريو، الذي يؤدي في الفيلم دور زوجها، نظراً إلى كون المنافسة شديدة جداً. ويُتوقع أن تشمل قائمة المرشحين، بالإضافة إلى كيليان مورفي وبرادلي كوبر، كلاً من بول جياماتي عن دوره أستاذَ تاريخ في فيلم «المستمرون (The Holdovers)»، وجيفري رايت عن فيلم «أميركان فيكشن» وكولمان دومينغو عن فيلم «بايارد راستين».

ويقام الاحتفال السادس والتسعون لتوزيع جوائز الأوسكار في 10 مارس المقبل، بعد عام شهد إضراباً تاريخياً للممثلين وكتّاب السيناريو في هوليوود.


مقالات ذات صلة

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

يوميات الشرق لقطة من فيلم «مملكة القصب» (مؤسَّسة الدوحة للأفلام)

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

أكد حسن هادي أنَّ الفيلم حاول عكس صورة المجتمع خلال التسعينات، بسبب الحصار والعقوبات المفروضة.

داليا ماهر (الدوحة)
يوميات الشرق الفنان محمد بكري في لقطة مع أسرته من فيلم «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

كيف تمكنت 4 أفلام عربية من الوصول لقائمة الأوسكار المختصرة؟

لعلها المرة الأولى التي تنجح فيها 4 أفلام عربية في الوصول لـ«القائمة المختصرة» بترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو ما اعتبره سينمائيون عرب إنجازاً كبيراً.

انتصار دردير (القاهرة )
ثقافة وفنون خلال عرض فيلم «البحر» في تل أبيب (رويترز)

فيلم إسرائيلي مرشح للأوسكار يثير تعاطفاً مع الفلسطينيين ويزعج الحكومة

يأمل مخرج فيلم إسرائيلي مرشح لجوائز الأوسكار لعام 2026 ويجسد رحلة فتى فلسطيني يسعى لرؤية البحر أن يسهم العمل السينمائي في إيقاظ التعاطف داخل إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
سينما «الأمل والألم» (أبوت فيلمز)

الأفلام العربية في ميزان سباق الأوسكار

في اليوم الأول من الشهر الحالي توقّفت «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» عن استقبال وقبول الأفلام الأجنبية المشاركة في سباق أوسكار «أفضل فيلم عالمي».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق نيللي كريم في مشهد من الفيلم - مهرجان الجونة

«عيد ميلاد سعيد»... نقد اجتماعي للتمييز الطبقي في مصر

الفيلم الذي يمثّل أولى التجارب الإخراجية لسارة جوهر عُرض للمرة الأولى في مهرجان «تريبيكا السينمائي» بالولايات المتحدة الأميركية، وحصد 3 جوائز.

أحمد عدلي (القاهرة )

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
TT

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)

بعد 44 سنة من إقامته في مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه، ينتقل مهرجان صندانس، بدءاً من العام المقبل، إلى بلدة صغيرة روعي فيها أن تشكّل مجتمعاً مشابهاً لذلك الذي احتضن المهرجان طوال تلك المدّة. الموقع الجديد هو بلدة باولدر في ولاية كولورادو، وهي بدورها بلدة جبلية تقع في محيط طبيعي جميل.

الجميع حزين هنا. منصّات كثيرة كتبت عن الأسف الذي تشعر به هذه البلدة الواقعة عند سفوح الجبال الثلجية شمالي يوتاه. تنقلك حافلة سياحية من عاصمة الولاية سولت ليك سيتي، لتصل إلى بلدة بارك سيتي الوديعة بعد نحو ساعة ونصف. المكان هذا العام مزدحم كعادته، ليس بالفنانين والسينمائيين الذين يؤمّونه، بل بمئات الأفلام التي تُعرض في أرجائه وأقسامه. فيما يلي 5 أفلام انتخبها هذا الناقد قبيل إسدال الستارة في 1 فبراير (شباط) المقبل.

«ماء ساخن»

تقوم الممثلة البلجيكية لبنى أزابال (من أب مغربي وأم إسبانية) ببطولة هذا الفيلم الأول للمخرج رمزي باشور، وهو وجه جديد بين مخرجي الأفلام المستقلة، وُلد في بيروت ويعيش في نيويورك، وهذا عمله فيلمه الأول مخرجاً.

لبنى ازابال في «ماء ساخن» (مهرجان صندانس)

«ماء ساخن» فيلم طريق (Road Movie)، لأم وابنها الشاب ينطلقان من ولاية إنديانا في شرق الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا. أزابال هنا امرأة لبنانية الأصل تقوم بهذه الرحلة الطويلة عبر الولايات. الفيلم يتيح متابعة الشخصيتين والطبيعة من حولهما ذات المناظر المتعددة، لكنه ليس فيلماً روحانياً، بل يتراوح بين الدراما والكوميديا، كمن لا يزال يبحث عن هويته بينهما.

يعالج باشور فيلمه برقة وسلاسة، حتى عندما تحتاج بعض المواقف إلى حدّة أكبر، لكنه يبني شخصية الأم بعناية، ويحمّلها مشكلات الأمومة والعمل والرغبة في الابتعاد عن الواقع، ولو إلى حين.

«باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز»

في وقت يواجه فيه المهاجرون اللاتينيون قرارات الإدارة الأميركية، والأحداث الأخيرة التي نجم عنها مقتل شخصين من المعارضين لسياسة الهجرة، يأتي فيلم «باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز» لديڤيد ألڤاردو ليسلّط الضوء على بعض إسهامات المكسيكيين في الحياة الفنية الأميركية.

وُلد لويز في الولايات المتحدة. عمل فلاحاً في صباه (يصف تلك الفترة بأنها «عبودية فعلية»)، ثم أصبح كاتباً مسرحياً في شبابه، حيث أنشأ «مسرح العمّال»، قبل أن يستكمل مسيرته في مجالات الرواية والمسرح والسينما على مدى عقود. يواكب الفيلم رحلة شاقّة ومثمرة في آن.

في حديث ڤالديز (ابن 85 عاماً اليوم)، يذكر فيلماً أخرجه عام 1981 عن مسرحية له بعنوان «Zoot Suit». حقق الفيلم نجاحاً فاق ما نالته المسرحية، ما شجّعه على إنجاز فيلم ناجح آخر هو «La Bamba» سنة 1987.

منهج المخرج ألڤاردو كلاسيكي في معالجته، لكن ذلك لا يحجب نجاح الفيلم في الاحتفاء بشخصية كان ينبغي ألا تغيب عن الاهتمام الإعلامي حتى الآن.

«معلَّق بسلك»

فيلم تسجيلي يتناول موضوعاً مختلفاً تماماً: 8 أشخاص عالقون بين السماء والأرض بعدما انقطعت بعض كابلات عربة كانت تنقلهم فوق جبال منطقة باكستانية. الحادثة، التي وقعت فعلياً قبل عامين، دفعت المخرج محمد علي نقفي إلى إنجاز هذا الفيلم، مستخدماً مواد أرشيفية وتصويراً حيّاً ومقابلات.

النتيجة مروّعة في بدايتها، حال يدرك المشاهد ما حدث وقبل أن يعرف لماذا حدث. بعد ذلك، يتحول الفيلم إلى سباق ضد الوقت لعملية الإنقاذ. يتأرجح العمل بين رغبة المخرج في تقديم الحدث كتحقيق في واقعة، وبين محاولة توظيفه كفيلم إثارة. هو من تلك الأفلام التي تعنى بدراما فعلية وتشدّ أنفاس المشاهدين لبعض الوقت، ثم فضولهم فيما تبقّى من العرض.

«منزل الصديق هنا»

في هذا الفيلم، محاولة لتقديم وضع فني ينمو في العاصمة الإيرانية رغم العقبات والظروف. فنانون يعملون من دون موافقة السلطة: يجتمعون، ويتحدّثون، ويتبادلون الآراء، وفي البال تحقيق ذواتهم بوصفهم فنانين.

ربما هذا موجود، وربما صُوّر الفيلم سراً (بل لا بد أن تصويره تم سرّاً، لأنه مختلف ومعارض). يؤكد مُخرِجا الفيلم، حسين كشاڤارز ومريم عطائي، ذلك في سياق حملة إعلامية واضحة، بعدما جرى هُرِّب الفيلم خارج البلاد (وبات تهريب الأفلام أسهل مما كان عليه سابقاً).

من الفيلم الإيراني «منزل الصديق هنا» (مهرجان صندانس)

الحكاية نفسها تحيط بموجة جديدة من الشخصيات الرافضة، والمُشاهد مدعو لربط ما يراه بما حدث بعد انتهاء الفيلم من مظاهرات، ولو أن الفيلم لا يحتوي على تنبؤات، وهو الذي صُوّر بين حرب الاثني عشر يوماً وقبل الاحتجاجات الأخيرة.

العنوان مستوحى من فيلم الراحل عباس كيارستمي «أين منزل صديقي؟»، لكن شتّان بين العملين، وبين إبداع باقٍ وفيلم يعيش لحظاته المحدودة.

«جوزفين»

تختار المخرجة بث دِ أرايو، في ثاني أفلامها بعد «نعومة وهدوء» (2022)، موضوعاً مرتبطاً بواقعة شاهدتها في طفولتها: عملية اغتصاب جعلتها تعي خطراً لم تدرك معناه آنذاك، لكنه تحوَّل لاحقاً إلى سؤال حول سلوك لم تفهمه حينها، وربما إلى عقدة دفينة.

هذا ما يقدّمه الفيلم منذ مطلعه. فتاة في الثامنة من عمرها (تؤديها ماسون ريڤ) تشهد جريمة اغتصاب مروعة في حديقة عامة. يهبّ والدها (تشانينغ تاتوم) لمطاردة الفاعل، طالباً منها البقاء قرب الضحية التي كانت قد بدأت تستعيد وعيها. يقع كل ذلك خلال ربع الساعة الأولى من الفيلم، قبل أن تتابع المخرجة حياة بطلتها، التي نقلتها الحادثة من البراءة إلى الإحساس بأن العالم من حولها لم يعد آمناً.

من تلك الواقعة، يتطوَّر الفيلم إلى دراما شبه نفسية حول كيفية تعامل الأب (تشانينغ تاتوم) والأم (جيما تشان) مع تأهيل ابنتهما، التي يتعيّن عليها لاحقاً الشهادة في المحكمة عمّا حدث.


شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
TT

شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)

المهاجر ★★1/2

إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1994)

مصر | حكاية يوسف... لكن أيهما؟

يؤخذ على يوسف شاهين أنه، منذ فيلم «باب الحديد» (1950)، يتحدث عن نفسه في معظم أفلامه. إن لم يكن عن طريق إسناد البطولة لمن يماثله، فعن اختيار موضوعات يسبر غورها التاريخي من دون استبعاد الإيحاء بأنه يماثل شخصياتها.

«المهاجر» (بطولة خالد النبوي) من هذا النوع. في العمق، هو حكاية النبي يوسف كما وردت في الكتب السماوية، لكنه في الواقع عن يوسف الآخر... يوسف شاهين ورؤيته لكل من التاريخ والدين والحاضر.

هذا واضح فيما يصفه شاهين بصراع المواقف بين أفكار تدعو للتطوّر وأخرى تحث على العودة إلى الماضي وحده.

على قيمة هذا الجانب من الفيلم، لا يترك «المهاجر» الأثر نفسه الذي شهدته أفلامه الأخرى، مثل («العصفور» أو «الاختيار» أو «المصير»)، بل ينبري أكثر خطابة مما اعتاد المخرج عليه.

العصفور ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1974)

مصر | نبوءات المخرج بعد أوانها

أثار الفيلم ضجة كبرى، محورها رؤيتان متناقضتان: الأولى ـ جماهيرية أساساً ـ تقول إن الفيلم هجوم على الرئيس جمال عبد الناصر، والثانية تنفي أن الفيلم كان هجوماً عليه في تلك الفترة العصيبة التي دارت أحداث الفيلم خلالها، وهي فترة الهزيمة العسكرية عام 1967. في مقابلاته عن هذا الفيلم، كرر شاهين أنه تنبأ بحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن كيف يمكن أن تكون هذه نبوءة إذا صُوِّر الفيلم وعُرض بعد عام من معركة التحرير؟

«العصفور»: نبوءة شاهين حول ما حدث (أفلام مصر العالمية)

هو بالتأكيد فيلم مهم لتأريخ الفترة التي تأرجح فيها الشعب والدولة بين طعم الهزيمة وطعم النصر. شخصياته تمعن في تحليل الموقف، وإذا لم تفعل، فهي ترمز إليه.

لم يرغب شاهين في النيل من عبد الناصر، ولا التصفيق للسادات، لأن اهتمامه الأول كان توضيح أن الهزيمة وقعت نتيجة عوامل أخرى غير عسكرية، عوامل سياسية ومجتمعية وجد فيها المصري نفسه مطالباً بالتأمل فيما وقع والبناء عليه.

المصير ★★★ إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1997)

مصر | تاريخ الصراع بين العلم والدين يُعيد نفسه

ما نشاهده في هذا الفيلم عن حياة وأزمنة ابن رشد لم يقع في معظمه. نعم هناك ابن رشد (كما يؤديه نور الشريف)، وهناك قرطبة والفترة الأندلسية، لكن كما كتب الزميل إبراهيم العريس في كتابه «القاموس النقدي للأفلام»، يخالف «المصير» حياة ابن رشد بمعظم تفاصيلها.

بعض العذر هنا أن شاهين أراد تقريب المسافة الزمنية بين فترتين حاسمتين: التاريخية وتلك التي شهدتها مصر في التسعينات، من صراع بين الدين والعلم وترعرع وسط حالات من الركود الفكري وعدم اليقين.

لكن هذا بدوره يؤكد أن الفيلم أبعد ما يكون عن كونه سيرة حياة كما أشيع حينها.

ويظهر ذلك بوضوح، ربما أكثر مما يجب، في أسلوب شاهين الذي يركز على تحقيق أفكاره ورؤاه أكثر من حرصه على تأريخ الأحداث أو واقعيتها.

الأرض ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1970)

مصر | يد المليجي تمسك بتراب الأرض

هو حكاية وقضية أكثر مما هو فيلم في حالة بهاء وإبداع. الفن والمعالجة البصرية والسردية مستسلمان للنص وشروطه، وتتبعه لتأمين الرسالة الوطنية والسياسية. هناك الكثير من الخطابات والشكاوى التي تهدف إلى التعبير عن الرغبة في الثورة الصعبة ضد سلطة، من دون أن يمنح الفيلم الفلاحين أي أدوات فاعلة. هل الفيلم عن ظلم الإقطاع قبل الثورة غير المنصف، أم عن تصوير انقسام الفلاحين غير المجدي؟ إذا كان عن المسألتين معاً، فإن القضية تصبح متناقضة أكثر من كونها متلاحمة، وكان الأولى اختيار خط أول يتبناه ثم آخر يتبعه، عوض تشتيت الرسالة المتوخاة.

نجوى إبراهيم وعزّت العلايلي في «الأرض» (أفلام مصر العالمية)

لكن شاهين، كعادته، يعرف كيف يلتقط أنفاس شخصياته وما تعنيه. المشهد الذي يقبض فيه محمود المليجي على تراب أرضه وهو يُسحل بعيداً يبقى من أفضل مشاهد الفيلم وأعمقها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«هامنت»… الدراما الشكسبيرية المرشّحة للأوسكار تدهش جمهور السينما

جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«هامنت»… الدراما الشكسبيرية المرشّحة للأوسكار تدهش جمهور السينما

جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)

منذ عرضه الأول في المهرجانات السينمائية الكبرى، شقّ فيلم «هامنت» Hamnet طريقه بثبات نحو مكانة خاصة في موسم الجوائز، جامعاً بين الاحتفاء النقدي والرهان الفني على عمل يعيد قراءة واحدة من أشهر التراجيديات الأدبية من زاوية إنسانية حميمة، كما توّج الفيلم بحضور لافت في سباق جوائز الأوسكار عبر 8 ترشيحات شملت فئات رئيسية.

وبعد ترقب الجمهور، يُعرض «هامنت» حالياً في صالات السينما السعودية وعدد من الدول من حول العالم، حاملاً توقيع المخرجة كلوي تشاو، ومقتبساً سينمائياً من رواية الكاتبة البريطانية ماغي أوفاريل، في تجربة تمزج بين التاريخ، والعائلة، والفقد، والفن. ويضع العمل مأساة فقدان الطفل «هامنت» في قلب السرد، بوصفها اللحظة المفصلية في حياة الكاتب المسرحي ويليام شكسبير، والمحرّك العاطفي الذي أفضى لاحقاً إلى كتابة مسرحيته الشهيرة «هاملت»، في مقاربة تمنح الفيلم بعداً وجدانياً يتجاوز السرد التقليدي للسير الأدبية، وتحوّل القصة إلى تأمل سينمائي في الحزن، والأمومة، والخلق الفني، وهو ما انعكس على اهتمام واسع من جمهور السينما منذ بدء عرضه التجاري.

أغنس وويليام... قبل التراجيديا

وتعد المخرجة الصينية-الأميركية كلوي تشاو واحدة من أبرز الأسماء السينمائية في العقد الأخير، بعد فوزها التاريخي بجائزة الأوسكار عن فيلم «نومادلاند»، وتنافس حالياً على أوسكار أفضل مخرج عن «هامنت». في حين تؤدي الممثلة الآيرلندية جيسي بلكلي دور «أغنس»، زوجة شكسبير، في أداء شكّل أحد أبرز عناصر قوة الفيلم، وتقدم الشخصية كامرأة متصلة بالطبيعة، حدسية، وقادرة على قراءة العالم عبر الجسد والمشاعر، في مقابل عالم اجتماعي أكثر صلابة.

وتظهر أغنس منذ المشاهد الأولى بوصفها مركز الطاقة العاطفية في العائلة، حيث يفتتح الفيلم بمشهد لها وهي ترتدي فستانها الأحمر، وتلتف في وضعية الجنين عند قاعدة شجرة ضخمة، حيث يطغى حضورها على الإطار البصري، وتتحوّل رحلتها من الحب إلى الفقد إلى مسار داخلي كثيف، يعتمد على التعبير الجسدي والنفسي أكثر من الحوار. ومنح هذا الأداء جيسي باكلي جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل ممثلة في فئة الدراما، إلى جانب جوائز نقدية من مؤسسات سينمائية بارزة.

ويجسّد الممثل الآيرلندي بول ميسكال شخصية ويليام شكسبير بصورة مختلفة عن الصورة النمطية للعبقري الأدبي، حيث يظهر شكسبير هنا كزوج، وأب، وكاتب في طور التكوين، يعيش توتراً داخلياً بين العائلة والطموح، وبين الفقد والرغبة في الاستمرار، مما يدفعه لترك عائلته والذهاب إلى لندن. واعتمد أداء ميسكال على الكبح الداخلي، وعلى بناء تدريجي للشخصية، حيث تتحوّل الكتابة إلى وسيلة للتعامل مع الحزن، وإلى جسر يربط الخاص بالعام، وتشكل العلاقة بينه وبين أغنِس العمود الفقري للفيلم، وتكشف عن اختلاف طرق التعامل مع الألم داخل العائلة الواحدة.

الفقد... تجربة مشتركة

وفي منتصف الفيلم، تتكثّف المأساة بوفاة الطفل «هامنت»، الذي يؤدي دوره جاكوبي جوب، ويُقدم الحدث بأسلوب تدريجي، يعتمد على الإشارات الجسدية، وتفكك الإيقاع اليومي للعائلة، وتحولات المكان. ويركز الفيلم على مشاعر الفقد أكثر من لحظة الموت ذاتها، وعلى الكيفية التي يعيد بها الحزن تشكيل العلاقات، حيث تنغلق أغنِس على ألمها وتُصاب بالاكتئاب، بينما يتجه ويليام إلى المسرح والكتابة بعد أن فكر في الانتحار... في مسارين متوازيين يعكسان رؤيتين مختلفتين للنجاة.

ويقدم الجانب البصري في «هامنت» عنصراً أساسياً في التجربة، عبر تصوير سينمائي بعدسة مدير التصوير البولندي لوكاش جال، الذي يمنح الطبيعة حضوراً شعورياً كثيفاً، من الغابات، والحقول، والمنازل الريفية التي تتحوّل إلى امتداد للحالة النفسية للشخصيات. أما الموسيقى التي وضعها المؤلف ماكس ريختر، فلقد أضافت بعداً وجدانياً عميقاً، وعملت كخيط رابط بين المشاهد، من دون أن تطغى على الأداء التمثيلي.

من المهرجانات إلى صالات السينما

وكانت قد بدأت رحلة «هامنت» من مهرجانات سينمائية كبرى، مثل مهرجان تيليورايد السينمائي ومهرجان تورنتو السينمائي الدولي، حيث حظي بإشادات واسعة من النقاد، قبل أن ينتقل إلى سباق الجوائز، وفي حفل الغولدن غلوب الأخير؛ حصد «هامنت» جائزة أفضل فيلم درامي، إلى جانب جائزة أفضل ممثلة، ما عزّز موقعه بين أبرز الأعمال المرشّحة في جوائز الأوسكار لهذا العام، خصوصاً في فئات أفضل فيلم، وأفضل مخرجة، وأفضل ممثلة.

ويمكن القول إن فيلم «هامنت» يقدم قراءة سينمائية مختلفة لعالم شكسبير، تنطلق من العائلة، ومن الأم تحديداً، بوصفها محور التجربة الإنسانية، حيث يمنح الفيلم الصوت الأنثوي موقعاً مركزياً داخل السرد، ويعيد صياغة العلاقة بين الفن والحياة بوصفها علاقة ولادة من الألم، ليرسخ الفيلم مكانته كعمل سينمائي يجمع بين الجمال البصري، والعمق العاطفي، والطرح الإنساني، في تجربة تلامس جمهور السينما في السعودية والعالم، وتؤكّد حضور كلوي تشاو كواحدة من أهم صانعات السينما المعاصرة.