رَبِحا الجمهور... فمَن سيربح الجوائز؟

المنافسة بين ابنة الدُّمى وأبي الذّرّة بدأت

«باربي» عالم زهري (وارنر)
«باربي» عالم زهري (وارنر)
TT

رَبِحا الجمهور... فمَن سيربح الجوائز؟

«باربي» عالم زهري (وارنر)
«باربي» عالم زهري (وارنر)

خروج «باربي» من جوائز «غولدن غلوب» من دون جائزة رئيسية لا يعني أنها المرّة الأخيرة التي سنسمع فيها عن هذا الفيلم، أو أنه لن يرتقي درجات المنصّة لتسلم جائزة أفضل إخراج أو أفضل تمثيل نسائي أو أفضل فيلم.

جوائز الأوسكار ليست على ذلك البُعد، وسنرى. أما الجائزة التي نالها في حفل الـ«غولدن غلوب» يوم الأحد الماضي، وهي جائزة أفضل فيلم ناجح، فهي لا تعني شيئاً كثيراً. بطبيعة الحال، ومع مليار و446 مليون دولار حتى الآن فإن قرار منح هذه الجائزة لهذا الفيلم يبدو أسهل قرار اتخذته مؤسسة جوائز في التاريخ.

وبناءً على ما يتردد الآن في هوليوود، من أن الشركة المنتجة (وورنر) ستُطلق صواريخ باربي جديدة العام المقبل 2025 وما بعد، فإن توديع «باربي» لا يزال بعيداً.

ومع دخول هذين الفيلمين مؤخراً الترشيحات الرسمية المعلنة لجائزة «نقابة المخرجين الأميركية»، سنشهد منافسة أخرى، ولو أنها مختلفة كما سيتبين لنا بعد قليل.

«أوبنهايمر» معضلة الموقف الغائب (يونيفرسال)

بداية ألمانية

ما شغل بال كثيرين مؤخراً هو مقارنة فيلم غريتا غرويغ «باربي» بفيلم كريستوفر نولان «أوبنهايمر». بعض المقارنات انطلقت من مبدأ أن كليهما جيد. فريق آخر رأى أن «باربي» أفضل، أو العكس.

في الواقع لكل فيلم منحاه المختلف حتى قبل المعاينة والتفضيل أو الموافقة على إذا ما كانا متساويين في اتجاه ما. الأصل في «باربي» هو سيدة أميركية اسمها روث هاندلر كانت في زيارة لبرلين (الغربية آنذاك) سنة 1956 عندما وقعت عيناها على دمى مختلفة عن دمى الألعاب كانت شركة ألمانية قد ابتدعتها باسم ليلي (Lili) أعجبتها الفكرة واشترت ثلاثاً منها وعادت إلى أميركا وعرضتها على شركة «ميتل» -حيث يعمل زوجها- التي تبنّت المشروع سنة 1959.

جَنَت «ميتل» أرباحاً طائلة من وراء تلك الدُّمى التي ترتدي شتّى أنواع الملابس والأزياء. في عام 2019، وبعد سنوات من التحضير، نالت غرويغ موافقة شركتي «ميتل» و«وارنر» على إنتاج هذا الفيلم.

كان هذا الناقد قد شاهد الفيلم في عرض في صالة امتلأت عن آخرها على الرغم من أن عروض الفيلم كانت قد دخلت شهرها الثاني. في العادة أتحاشى حضور الأسبوعين الأولين من أي فيلم ناجح حتى لا أصاب بزكام الإعجاب المفرط الذي يتناوله المشاهدون مع «البوبكورن». كرهت الفيلم مباشرةً بعد تلك النكتة الساخرة التي تَرِد في دقائقه الأولى عن فيلم ستانلي كوبريك «2001 أوديسا الفضاء». المشاهدة الثانية كانت بعد نحو شهر وأسبوع من الأولى بعدما كانت دُمى الفيلم تحلّق على علوٍّ منخفض فوق الرؤوس. كانت المرّة الثانية لتأكيد أن الموقف السابق لم يكن نتيجة إرهاق في العمل، أو كرهاً في اللون الزهريّ.

نقد في غير مكانه

لهذا الفيلم جملة من المشكلات. تبدأ بمحاولة المخرجة غريتا غرويغ تبرير الفيلم بأنه كل شيء ما عدا الدافع المادي. تقول في حوار مع صحافيّ متحمس في «نيويورك تايمز» إن فيلمها التقى روحياً مع منتجات «ميتل» وإن فيه لمسات شعرية لأن «باربي هي كل الدُّمى وكل الدُّمى هي باربي».

محاولة فهم ذلك لا تتضمن القناعة. لكن ما هو أكثر وضوحاً أن المسألة المادية هي الطاغية. الحديث ليس عن نجاح مفاجئ كما هو حال فيلم «روكي» الأول لسيلفستر ستالون، ولا كحال فيلم «هالووين» الذي تكلّف 325 ألف دولار وجمع 47 مليون دولار أيام ما كان سعر التذكرة لا يزيد على 5 دولارات، بل عن دراسة اقتصادية كاملة جذبت شركة «ميتل» للمساهمة في تمويل الفيلم مقابل الاحتفاظ بجميع حقوقها الأدبية بالإضافة إلى 5 في المائة من الإيرادات.

هذه نعمة لم تكن محسوبة لشركة كانت لا تزال تُنتج هذه الألعاب متحملةً تراجع الطلب عليها بسبب التقدم التكنولوجي الذي خلق بدائل كثيرة.

«باربي» الفيلم قد يتحدّث عن أشياء كثيرة من بينها نقد المجتمع الذي تنتقل إليه بطلة الفيلم (مارغوت روبي) من عالم الدُّمى إلى عالمنا نحن، لكنه آخر مَن يحق له مثل هذا النقد لأن عالمنا نحن هو الذي صنع الفيلم وما يروّجه.

لهْوٌ مطلق

المعضلة مختلفة تماماً مع «أوبنهايمر». هذا فيلم برسالة سياسية تناسب البعض ولا تناسب البعض الآخر، لكنها جادّة وذات اشتغال فني لا يمكن إغفاله. حكاية ج. روبرت أوبنهايمر، عالم الذرّة الذي صنع القنبلة الذرية وبارك إرسالها إلى عدو كان قد أخذ ينهزم حتى من قبل إلقاء القنبلتين عليه (واحدة فوق هيروشيما والآخر فوق جارتها نغازاكي). معظم ما يَرِد مأخوذ عن كتاب لكاي بيرد ومارتن شروِين قيل فيه إنه المرجع الشامل لحياة أوبنهايمر.

عنوان الكتاب: «ميثالوجيا أميركية». العنوان الفرعي هو «النصر والتراجيديا لدى ج. روبرت أوبنهايمر». وهو عنوان ينص على مرحلتي ما قبل الهجوم النووي وما بعده وهو المنهج الذي اتّبعه المخرج كريستوفر نولان في هذا الإنتاج. كان، بشهادة من قرأ الكتاب البيوغرافي، أميناً للأصل. طبعاً أضاف المخرج إليه بعض المشاهد (مثل لقاء مطوّل بين أوبنهايمر وسيرغي أينشتاين) لكنه اتّبع، عموماً، خطوات الكتاب. ما قام به في نطاق السرد إحداث نقلات زمنية من وإلى مواقع مختلفة (بينها الاستجواب الذي قامت به لجنة حكومية).

من العيوب

المقارنة بين الفيلمين غير عادلة؛ كون أحدهما مطلقاً، والآخر جدية كاملة. «باربي» مصنوع لغاية ربحية و«أوبنهايمر» (إنتاج يونيفرسال) مخاطرة تجارية مع احتمالات نجاح بدت في مطلع الأمر محدودة. حقيقة أنه جمع أقل من مليار دولار بقليل (952 مليون دولار تحديداً)، أمر لم يكن في الحسبان وهو فعل ذلك بسبب الموضوع ومفتاحه (أوبنهايمر) والمخرج وشهرته (كريستوفر نولان).

بلا موقف!

لكنّ «أوبنهايمر» ليس خالياً من العيوب بدوره. في ثلاث ساعات يبدو الفيلم بلا موقف المخرج، حين يأتي الأمر إلى وجهة نظر. هو غائب عن طرح وجهة نظر خاصة مكتفياً بمواقف الآخرين في الفيلم كلٌّ منهم حيال الآخر. أوبنهايمر حيال الآخرين، والآخرون حيال أوبنهايمر.

في مأزق أوبنهايمر مع الحكومة، التي أخذت تحاسبه على انتماءاته السابقة لليسار بعدما انتقد استخداماً آخر للسلاح النووي، لا يوجد ما يوعز بموقف مع أو ضد هذه المحاسبة. والقليل من المشاهد مدروس لطرح أزمة الضمير عندما بارك أوبنهايمر استخدام النووي ضد اليابان، ثم القليل من الندم. قوله إنه بدأ يفكّر في الضحايا الأبرياء ما هو إلا لمسة بسيطة وعابرة لما كان يمكن توظيفه لنقطة أهم من موقف أوبنهايمر الشخصي (على أهميّته)، وهي حقيقة أن أميركا لم تكن بحاجة لضرب اليابان؛ إذ كانت هذه قد بدأت تخسر الحرب فعلاً، وبعض المؤرخين يذكرون أن البيت الأبيض كان يعلم ذلك.

إنه كما لو أن الفيلم (كتابةً وإخراجاً) أراد تحاشي السياسة في الوقت الذي كان الفيلم يحتاج إليها، إنْ لم يكن عن طريق تحليل أو-على الأقل- استكشاف موقف أوبنهايمر بكامله (مع أو ضد القنبلة) فعلى الأقل شيء من الدواعي الحقيقية لأوامر إلقاء القنبلتين وما تسببتا به من ضحايا ودمار.

سباق آخر

عكس موقف معظم الإعلام العربي للإعراب عن معاداة فيلم «أوبنهايمر» بناءً على ما أظهره أو أخفاه على صعيد المضمون متحاشياً الحديث عن الأداءات الرائعة لمجموعة ممثليه (خصوصاً كيليان مورفي، وروبرت داوني جونيور) وعن الجانب الفني بأسره. في حين تناول الإعلام الجوانب الفنيّة (أو ما عدّها فنية) في فيلم «باربي» التي هي، في مجملها، مظهرية وبصرية.

الحاصل الآن هو أن الفيلمين الكبيرين (اعتباراً وإيراداً) وقد غادرا مرابع الـ«غولدن غلوب» بفوز «أوبنهايمر» على «باربي» باستحواذه على 5 جوائز مهمّة (فيلم، إخراج، تمثيل رجالي أول «كيليان مورفي»، تمثيل رجالي مساند «داوني جونيور»، وتمثيل نسائي مساند «إميلي ستون») لديهما مواجهات مقبلة.

واحدة من هذه المواجهات ستكون في نطاق الجوائز السنوية لنقابة المخرجين الأميركية، إذ يتصدّرها كريستوفر نولان وغريتا غرويغ.

لكن على عكس جوائز «غولدن غلوب» وتلك التي تتألف منها جوائز الأوسكار، معركة النقابة (التي ستوزّع جوائزها في 10 فبراير - شباط المقبل) محدودة بالمخرجين وحدهم. ما يجعلها، إلى حد بعيد، هو أنها من محترفين ينظرون إلى كيفية تنفيذ الفيلم أكثر مما يكترثون لما يقوله.

المسابقة الرئيسية (وهناك مسابقات فرعية لمخرجين جدد وللإخراج التلفزيوني) تضم 5 أسماء هم: كريستوفر نولان، وغريتا غرويغ، إلى جانب يورغوس لانتيموس عن «أشياء مسكينة»، وألكسندر باين عن «المستمرون»، ومارتن سكورسيزي عن «قتلة ذا فلاور مون».

بالنسبة إلى سكورسيزي، الذي لم يُتَح له بعد الخروج بجائزة من مناسبة رسمية (أي خارج مجال الجوائز التي توزعها الجمعيات النقدية)، هذا هو الترشيح الـ11 له لهذه الجائزة في إطار هذه النقابة، إذ سبق وفاز بها مرّتين من قبل (سنة 2006 عن «The Departed»، ومرّة تلفزيونية عن إخراجه حلقات «Boardwalk Empire» سنة 2010)، وهناك مرّة ثالثة عندما كانت الجائزة تذهب من دون تسمية أفلام بعينها؛ نالها سكورسيزي سنة 2002.

إنه من المحتمل جداً أن يتوجه أعضاء هذه النقابة لتقدير «أوبنهايمر» ومنحه جائزتها للعام الحالي، وهذا أكثر من مجرد توقع.

روزنامة الجوائز لهذا الشهر

-‫12: إعلان جوائز «معهد الفيلم الأميركي»

-12: انتهاء التصويت على جوائز «بافتا» البريطانية

-12: إعلان ترشيحات جوائز «نقابة المنتجين الأميركية»

-15: إعلان جوائز «إيمي» التلفزيونية

-17: بداية التصويت على «جوائز نقابة الممثلين الأميركية»

-18: إعلان ترشيحات «بافتا»

-22: بدء التصويت على «جوائز جمعية المنتجين»

-22 : بدء التصويت على جوائز «الأوسكار»


مقالات ذات صلة

«أسد» يفي بالوعود ويحصد إشادات مع بدء عرضه

يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

«أسد» يفي بالوعود ويحصد إشادات مع بدء عرضه

استطاع الفيلم المصري «أسد» أن يفي بالوعود في تقديم مزيج درامي، وأن يحصد الإشادات عقب عرضه الخاص الأول الذي أُقيم في القاهرة، الثلاثاء.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)

نديم مسيحي: 15 عاماً من الأحلام تُثمر «كينغ جوهان»

يدير نديم مسيحي شركة مختصة في الذكاء الاصطناعي، لكنه فضّل إنجاز فيلمه «كينغ جوهان» بالطريقة التقليدية بعد 15 عاماً من العمل مع أصدقائه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)

عمر رزيق: اختياراتي الفنية أبحث فيها عن أدوار «مركبة» مغايرة للمألوف

قال الممثل المصري عمر رزيق إن شخصية «نوح» التي قدمها في فيلم «ولنا في الخيال... حب؟» تحمل الكثير من ملامحه الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)

خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

بين أحياء جدة الصاخبة، وتجربة الوظيفة في منطقة نائية، والانتقال بين دهاليز العمل المؤسسي... تشكّلت شخصية الممثل السعودي خالد يسلم بعيداً عن المسار التقليدي...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق عبد الرحمن أبو زهرة قدم العديد من الأدوار المؤثرة (وزارة الثقافة المصرية)

مصر تودع عبد الرحمن أبو زهرة صائد الأدوار الصعبة

ودعت مصر الفنان عبد الرحمن أبو زهرة، الذي غيبه الموت، الاثنين، عن عمر ناهز 92 عاماً، بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع.

انتصار دردير (القاهرة )

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
TT

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

هذه الأفلام، وفق ترتيبها على سلم الإيرادات خلال الأيام المذكورة، هي: «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، «مايكل» (Michael)، «مجرة سوبر ماريو» (The Super Mario Galaxy)، «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، و«هُراء» (Hokum).

ترتيبها حسب إجمالي الإيرادات حتى الآن يختلف عن ترتيبها الأولي، ويأتي كما يلي:

1. «ذا سوبر ماريو غالاكسي» - 403 ملايين دولار.

2. «مشروع هايل ماري» - 319 مليون دولار.

3. «مايكل» - 189 مليون دولار.

4. «الشيطان يرتدي برادا 2» - 82 مليون دولار.

5. «هُراء» - 7 ملايين دولار.

«هامنت» (فوكاس فيتشرز)

فجوة كبيرة

4 من هذه الأفلام مستمرة في عروضها العالمية بإيرادات مرتفعة، وهي: «ذا سوبر ماريو غالاكسي» (888 مليون دولار)، «مشروع هايل ماري» (639 مليون دولار)، «مايكل» (433 مليون دولار)، و«الشيطان يرتدي برادا 2» (239 مليون دولار).

مثل هذه الإيرادات تكاد تكون مستحيلة على الأفلام الفنية والمستقلة، التي تستقبلها المهرجانات بكل استحقاق وترحاب. أنجحها تجارياً في الوقت الحالي هو فيلم «هامنت»، الذي حظي بإعجاب غالبية النقاد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويحتل المركز الـ19 بإيراد كلي لا يتجاوز 108 ملايين دولار.

في المقابل، جمع فيلم «صِراط» للمخرج الإسباني أوليڤر لاكس، وهو فيلم نال استحساناً نقدياً منذ عرضه في مهرجان «كان» في مثل هذا الشهر من العام الماضي وحتى فبراير (شباط) من العام الحالي، 13 مليون دولار عالمياً، علماً بأن كلفته جاورت 32 مليون دولار.

هذا لا يجب أن يكون مفاجئاً؛ فالأرقام المذكورة تبرز الفجوة الكبيرة بين الأفلام التي تجذب الجمهور السائد حول العالم وتلك التي تمثل الفن النقي وتُعرض في المهرجانات ويثمنها النقاد.

«مشروع هايل ماري» (أمازون-ج.م.ج)

التحولات النقدية

النظرة النقدية للأفلام من حيث التقييم ومعايير الجودة تغيَّرت على نحو شبه جذري خلال العقود الثلاثين الأخيرة. لقد ازداد عدد النقاد المعجبين بالأفلام الجماهيرية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، الذي يضم مجموعة من الممثلين الذين ظهروا في الجزء الأول عام 2006 ومنهم ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلنت وستانلي توشي، حظي بقبول جيد بين النقاد الأميركيين 62 في المائة إيجابي، و35 في المائة تقييم مختلط وفق موقع (Metacritic).

أحد النقاد في «ذا نيويورك بوست» وصف مشاهدته بأنه «ملزم لكل من يعرف الفرق بين البغل والمضخّة»، بينما أُعجب به آخر في «بوسطن غلوب» بوصفه «ترفيهي للغاية»، وكتب آخر: «متعة بلا إجهاد».

صورة معكوسة

ما يتبدَّى، وليس بالنسبة لهذا الفيلم فقط، بل بشكل متكرر، هو أن النقد الحديث الممارس على المنصات أو في الصحف الكبرى، أوروبياً وأميركياً، بات يميل إلى تأييد الأفلام التي لا تحتاج إلى تشجيع، على أساس أن نسبة قراء النقد في الغرب أقل بكثير من نسبة المتجهين إلى صالات السينما بلا اكتراث بالكتابات النقدية.

في بعض الحالات، يبدو هذا الميل رغبة في تعزيز مكانة الناقد لدى قرائه وصحيفته، بعيداً عن التعرّض للعناصر التي يقوم عليها النقد الجيد، ما يجعل عمله أحياناً وظيفياً أكثر مما هو نقدياً.

في العالم العربي، الصورة معكوسة لكنها ليست بالضرورة أفضل. معظم الكتابات النقدية تركز على البحث في معاني وطروحات الأفلام وليس على تقييمها فنياً. نادراً ما يُذكر اختيار المخرج أو أسلوبه، أو الحديث عن التصوير والموسيقى والمونتاج، أو دراسة الشخصيات وأداء الممثلين.

الغالب هو التركيز على الموضوعات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وليس على كيفية تحقيق تلك الطروحات فنياً. وساعد الإنترنت وسهولة الوصول إليه قيام عدد كبير من «النقاد» (إن صح التعبير) باقتباس النصوص الأجنبية أو استلهامها، خصوصاً بالنسبة للأفلام الأميركية.

نلاحظ أن القلة فقط يكتبون عن أفلام وسترن أو رعب أو كوميديا إذا لم تجذب اهتمام النقاد الغربيين، وفي الوقت نفسه، تتبع الآراء النقدية العربية عن كثب تقييمات النقاد الأجانب. فيلم «هامنت» نال إعجاباً في المنشورات العربية، وكذلك «مشروع هايل ماري»، و«مارتي سوبريم»، و«معركة بعد معركة»، و«كان مجرد حادثة»، و«أحلام قطار»، وهي ليست جميعها ذات جودة واحدة، مما يجعل هذه الكتابات أقرب لأن تكون صدى أكثر منها قرارات نقدية مستقلة.

تجاذب النقد والجمهور

أحد الاختلافات الكبيرة بين النقد السينمائي سابقاً واليوم، خصوصاً في الغرب، هو إدماج القارئ عبر مخاطبته مباشرة. كثيراً ما نقرأ عبارات مثل: «ستعجبك ميريل ستريب في هذا الدور»، أو «حين تخرج من هذا الفيلم ستتطلع إلى السماء خوفاً من غزاة فضاء»، أو «ستضحك خلال المشاهدة وبعدها».

على الرغم من أن هذا نوع من التواصل المباشر والساذج الذي يسعى إليه كثير من النقاد، فهو مثال على تحوُّل النقد من تحليل العمل إلى توجيه المشاهد. سابقاً، كان الناقد يتجنَّب الحديث بصفته المتكلم، وكان الهدف تعزيز فهم القارئ للعمل فنياً وموضوعياً، ثم تركه ليختار موقفه بنفسه.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)

THE DEVIL

2 WEARS PRADA ★★

إخراج:‫ ديڤيد فرانكل‬

الولايات المتحدة | كوميديا

عروض تجارية (2026)

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق. كانت رحلة مع الماكياج المناسب لحياة ناشرة مجلة أزياء ناجحة ونجمة بين أترابها.

يبقى عالقاً في الذهن أيضاً أنه، وبسبب هذه العناصر، أصبح عملاً نموذجياً لجمهور ميريل ستريب ودفعة للأمام بالنسبة للممثلتين الجديدتين آنذاك: إميلي بْلنت آن هاثاواي

بعد 20 سنة، يذكّر هذا الجزء الثاني بمستوى الفيلم الأول مستخدماً اللمعة البراقة نفسها. حين تظهر ستريب في أي لقطة من الفيلم، فإن حسابات المخرج فرانكل الأولى هي تأطيرها على نحو صحيح: حجم اللقطة وإضاءتها وما ترتديه ستريب وكيف تبدو بنظارات وبدونها. لا يتدخل في أداء ستريب، التي لا تخطئ للحظة في تجسيد دور رئيسة التحرير ميراندا، ذات التأثير والسطوة، والتي تحاول في هذا الفيلم إنقاذ مجلتها من الأزمة المالية بسبب غزو وسائل التواصل الاجتماعي والنهاية الوخيمة التي تهدد مستقبل مجلتها «رنأواي». تسعى لذلك بالاشتراك مع آندي (هاثاواي)، التي كانت في نهاية الفيلم السابق قد وجدت طريقها للاستقلال بنفسها عن ميراندا.

تتكلم الشخصيات أكثر مما تنفعل. في الواقع، لا يوجد انفعال قد يؤدي إلى خلل في الشخصية. الفيلم حريص على تفادي أي أزمة فعلية من أي نوع لأي شخصية. صحيح أنه يتحدث عن مستقبل داكن للصحافة ومحاولة تلافيه، غير أن ذلك يمر بلا نتوء، وينتهي الفيلم والجميع سعيد بما حققه. المستقبل قد لا يكون داكناً كما نعتقد.

يرقص السيناريو على وقع ربط الشخصيات بأدوارها السابقة. النصف الأول منه يشبه تأسيس أثاث البيت، وهنا يكون الدخول في الحكاية مختصراً لهذا الجزء. إذا ما كانت هناك أزمة نشر تطال مجلات الأزياء (كما سواها)، فإن ذلك يُشار إليه بالأصبع وليس بالتفصيل. حين تضطر ميراندا للسفر بدرجة سياحية (بكامل بهرجتها طبعاً)، يضطرب الفيلم كما لو تعرّض لانخفاض جوي، في حين أن هذه الدرجة السياحية مريحة تماماً مثل درجة البزنس على الأقل، مع خدمة ممتازة ومتواصلة وعناية كاملة، ومسافة مريحة بين المقاعد.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الموسيقى (كتابة ثيودور شابيرو) كما لو سمعناها في أكثر من فيلم آخر، لا يبقى أمام مدير التصوير فلوريان بولهاوس سوى الالتزام بالمطلوب، منجزًا ما يشبه صور البطاقات السياحية.

MICHAEL ★★★

إخراج:‫ أنطوان فوكوا‬

الولايات المتحدة | ميوزيكال (2026)

عروض تجارية (2026)

لا يدَّعي «مايكل» بأنه فيلم سيرة حياة شاملة، لذلك لا يهم إذا تطرّق لحياة مايكل جاكسون الخاصة أو لم يستطع أو لم يرغب. هو في الأساس، ومن بعد التمهيد لنشأة المغني في عام 1966، فيلم موسيقي، كما كان حال «ألڤيس» لباز لورمان (2022)، الذي مزج بين الحياتين الخاصة والعامة. كون «مايكل» لا يقدم على هذا المزج، تجنّباً للوقوع في خانة التشهير أو الاستغلال، شأن خاص لا يمكن انتقاده إلا تجاوزاً.

«مايكل» (ليونزغايت)

في الواقع، لم يكن لدى المخرج أنطوان فوكوا وكاتبه جون لوغان (كاتب «سكايفول» و«غلادياتور») خيار في هذا الأمر. حسب تصريح المخرج، كانت هناك مشاهد مكتوبة عن اتهام مايكل جاكسون بالتحرُّش بالأولاد (برأته المحكمة لاحقاً)، لكن العائلة التي تملك الحقوق القانونية والموسيقية منعت، فأُلغي هذا الجانب من السيناريو.

يبدأ الفيلم بمايكل جاكسون لتأكيد فرادته الفنية (رقص وغناء) منذ كان ولداً صغيراً، ويؤديه هنا جوليان كرو ڤالدي. بعد ذلك يتدرّج الفيلم متابعاً ولادة المغني الفنية ثم ولادة شهرته ونجوميّته، ويسير بمنهج مقبول من التتابع الزمني: حدثًا وأثراً بعد آخر.

يقوم جعفر جاكسون، ابن عم مايكل، بالدور. يرتديه كبذلة ويؤديه كاقتباس جيد في حركاته، وأقل من ذلك في التمثيل. لا يُغنِّي ما نسمعه (الغناء يبقى بصوت مايكل)، لكنه يجسد الرقصات والحركات والتصاميم العامة كما لو كان مايكل جديداً. ما نتابعه هو شبح الراحل وحضور المقلّد.

لا يجب أن يعني هذا أننا لن نجد حكاية حياة بالتحديد. هناك النشأة، وقسوة الأب، وشخصية مايكل، وهوسه بأفلام ديزني الأولى، وشخصية بيتر بان (لها دلالة خاصة)، وهناك بعض النقد لقراراته مثل تغيير لون بشرته لتحاكي الطلاء الأبيض.

هذه تجربة أنطوان فوكوا الأولى في هذا النوع من الدراميات. قبل ذلك، أنجز أفلاماً ذات حبكات تشويقية («Training Day» و«The Magnificent Seven»). الميوزيكال ليس ميدانه، وربما كان سينجز عملاً أفضل، لكن تصوير دايون بيب يمنح الفيلم دفئاً ولغة بصرية دقيقة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended