10 محطات لافتة بينها غياب النجم وحضور المخرج المختلف

حصاد 2023 السينمائي - الحلقة 3: السينما العالمية

من فيلم «قتلة فلاور مون» (باراماونت)
من فيلم «قتلة فلاور مون» (باراماونت)
TT

10 محطات لافتة بينها غياب النجم وحضور المخرج المختلف

من فيلم «قتلة فلاور مون» (باراماونت)
من فيلم «قتلة فلاور مون» (باراماونت)

انتهى العام والأسئلة حول المستقبل ما زالت تتجدد يلخصها سؤال واحد هو «كيف ستكون السينما في عام 2024؟ هل ستتفوق إيراداتها على إيرادات 2023؟ هل ستصطدم بإضرابات جديدة؟ هل سيتحقق فيلم كوارثي فإذا بهوليوود أو باريس أو لندن أو سواها ستحفل بأحداث تتسبب في غلق الصالات؟ هل سينجح إطلاق جديد لنوع جديد من الوباء يعيدنا إلى عام 2020؟».

لا شيء يُذكر يمكن التنبؤ به خلال يوم... فكيف الحال بعد أسبوع أو شهر أو أكثر؟

ربما قراءة المستقبل على هذا النحو ليست صحيحة. من الممكن جداً أن تنتعش صالات السينما فوق ما كانت تتوقع. محتمل كثيراً أن تعاود أفلام المهرجانات الآسيوية والأوروبية شق طريقها إلى صالات السينما التجارية الأميركية، أو يرتفع الإقبال عليها في أسواقها المحلية كما يحدث مع الأفلام الفرنسية.

المؤكد هو ما مرّ هذا العام من أحداث ومحطّات وأفلام وليس ما سيمرّ. في هذه الحلقة الأخيرة من حصاد العام الذي سينتهي بعد ساعات وقفة عند بعض أهم المحطات التي شهدتها السنة المنصرمة مُدرجة هنا بلا ترتيب معيّن.

1-بنيغال شيام لا يزال نشطاً

‫ليس سهلاً أن يصل مخرج ما إلى سن الـ89 وهو لا يزال يعمل بنشاط ابن الـ50 أو ما دون. المخرج الهندي بنيغال شيام أنجز في خريف العام الحالي فيلماً جديداً عنوانه «Mujib: The Making of a Nation‬» (مجيب: صناعة الأمة). ليس أي فيلم، بل فيلم تاريخي وملحمي من نحو ثلاث ساعات يتحدّث عن نجيب الرحمن مؤسس بنغلاديش وأول رئيس جمهورية لها. لمن لا يعرف شيئاً عن هذا المخرج هو من جيل ضمّ، من بين آخرين، مرينال سين وساتياجيت راي ما عرف في الستينات بالسينما الموازية لتلك الجماهيرية التي سادت السينما الهندية من مطلعها إلى اليوم. لا يمكن أن نقول إن هذا المخرج الهندي عاد؛ لأنه في الواقع لم يغب، بل لا يزال يمارس الإخراج والكتابة كما كان عهده سابقاً.

لقطة من فيلم مجيب: صناعة الأمة (بنغلادش فيلمز)

2-باربي

‫نجاح الفيلم كان متوقعاً: مخرجة بأفكار نيّرة، سياسة إعلامية حسبت لكل شيء حساباً، نجمة محبوبة وحبكة خيالية - كوميدية تستند إلى لعبة بالاسم نفسه. ما لم يكن متوقعاً حجم هذا النجاح: مليار و440 مليون دولار. هل هو فيلم جيد؟ ثمانية من أصل كل عشرة من المشاهدين قالوا نعم؛ على نحو متقارب، وبرصد المواقع النقدية (روتن توماتو، ميتاكريتيك، إلخ...‬) 8 من كل 10 نقاد وجدوه رائعاً. في الواقع موقع «ميتاكريتيك» يعبّر أكثر في هذا الاتجاه: 91 في المائة من نقاد الصحف والمجلات الأميركية والكندية والبريطانية منحوا هذا الفيلم تقديرات عالية، مقابل 7 في المائة منحوه علامات متوسطة (له وعليه)، وواحد في المائة فقط كان ضدّه. هذا الناقد يضم صوته إلى الأقلية.

3-أوبنهايمر

‫المخرج كريستوفر نولان ليس سينمائياً بلا فهم كامل لكيفية جعل الفيلم الجاد مساوياً في نجاحه مع أي فيلم ناجح بما في ذلك فيلم لهو مثل «باربي». السيرة التي رصدها في «أوبنهايمر» ليست سهلة والموضوع كان يمكن أن ينقلب إلى ما يشبه صحراء نيفادا أو أريزونا. لكنه يعرف دوماً كيف يعالج أفلامه بحيث لا تتخلّى عن جدّيتها ولا يترك هذه الجدية تهيمن على ما قد يجذب إليه، وإلى الفيلم طبعاً، النجاح الكبير. نولان هو من بين أولئك المخرجين الذين ينتقدون التيار الهوليوودي الذي يضحّي بقيمة السينما مقابل حفنة من الدولارات أكثر (عفواً سيرجيو ليوني) و«أوبنهايمر» بصرف النظر عما قيل لصالحه أو ضده من نقد، أثبت وجهة نظر مخرجه في هذا الوضع المتأرجح.‬ أنجز «أوبنهايمر» 951 مليون دولار رائعة.

4-سكورسيزي والهنود الحمر

‫يشترك مارتن سكورسيزي مع كريستوفر نولان في نقد هوليوود الجديدة مستخدماً ثقله وصيته واسمه. هو أحد أكثر مخرجي أميركا والعالم نجاحاً إذا ما نظرنا إلى تاريخ أعماله وما حققته من نجاحات فنية، وأحياناً، تجارية. لكن فيلمه الأخير «Killers of the Flowr Moon» الذي احتل موضعاً عند معظم نقاد السينما بصفته أحد أفضل 10 أفلام، جيد إلى حد. بعض ما كان ينقصه هو منح ضحايا بطليه (ليوناردو ديكابريو، وروبرت دي نيرو) مساحة حقيقية تعكس إيمانهما بالقضية. هذا حتى لا يقتصر الفيلم على حكايات الأشرار، بل على ضحاياهم أيضاً.‬

5-السينما الفرنسية

‫مع «تشريح السقوط» (Anatomy of a Fall)، تستمر السينما الفرنسية في دفع نفسها في الأسواق الخارجية بنجاح. هذا الفيلم الرابح سعفة «كان» الذهبية للعام الحالي، ‬باع محلياً 780 ألف تذكرة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) وحده. عالمياً، وحسب مؤسسة «يونيفرانس» نفسها، حققت السينما الفرنسية حول العالم (أساساً أوروبا وكندا) قرابة 200 مليون يورو حتى الشهر الـ11 من 2023. عدد الأفلام التي عرضتها صالات السينما غير الفرنسية 130 فيلماً. عدد مشاهدي هذه الأفلام ارتفع عن العام الماضي ليبلغ مليونين و900 ألف مشاهد.

من «تشريح السقوط» (لو فيلم برييه)

6-إضراب وحقوق

‫في 2 مايو (أيار) وحتى 9 نوفمبر، عرفت هوليوود شللاً غير مسبوق، عندما انبرى كتّاب السيناريو واتحاد الممثلين بإعلان إضراب مفتوح مطالبين برفع مستحقاتهم المادية من الأسواق التي تعاملت شركات هوليوود معها وتبنيها من دون منح الكتاب والممثلين أجوراً إضافية. في البال أيضاً أن التطوّرات التقنية قد تسمح باقتباس سيناريوهات من دون كتابة بشر واستغلال ممثلين في أدوار جديدة من دون تصوير. كل طرف (شركات هوليوود والمضربون) انتظر الطرف الآخر أن يصرخ من الألم أولاً، لكن الاثنين في النهاية وافقا على الصراخ معاً‬.

7-نجاحات كبيرة

‫جردَة سريعة للفيلم الأعلى رواجاً لأ5 من استوديوهات هوليوود‬

1- وورنر: Barbie (فانتازيا): مليار و440 مليون دولار.

‫2- يونيفرسال: The Super Mario Bros. Movie (رسوم): ‬مليار 360 مليون دولار.

3- سوني: Spider-Ma: Across the Spider-Verse. (رسوم) 690 مليون دولار.

4- باراماونت: Mission Impossible - Dead Reckoning Part One (أكشن): 567 مليون دولار.

5- ديزني: Guardians of the Galaxy Vol. VI (كوميكس): 845 مليون دولار.

8-غولدن غلوب جديدة

في نهاياته سجل العام الآيل للمضي بعيداً، عودة جوائز «غولدن غلوب» بعدما نُحّيت الجهة التي أسستها «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية» وحُوّلت إلى ما يشبه العدّاد يحصي تصويت الأعضاء والمشاركين فقط. بذلك أصبحت هذه الجائزة العريقة من ممتلكات مؤسسة جديدة تَعد بإعادة البريق إليها بعدما تعرّضت إلى انتقادات شديدة؛ ما أدّى إلى انكفائها. في العام الحالي، قُسّمت الجمعية كيانين: الأول هو المؤسسة الأم التي أُسّست في الأربعينات، والآخر هو المؤسسة الجديدة التي تخطف الوهج وتقيم الحفلات منفصلة، بعدما اشترت حقوق الجائزة. تقام الحفلة في 10 يناير (كانون الثاني) المقبل.

9-سنة بلا نجوم

قامت السينما الأميركية على مبدأ «النجوم». وما زال الإعلام حول العالم (بما فيه الإعلام العربي) يتحدث عن «هذا النجم» و«تلك النجمة»، ويضيف لهما كلمة عالمية. لكن الواقع مختلف 180 درجة. ففي حين كان الممثل هو الذي يدفع بالفيلم إلى النجاح، بات الفيلم هو الذي - قد - يدفع الممثل إلى النجاح إذا ما حقق الفيلم نجاحاً. هوليوود اليوم بلا نجم واحد قادر على حمل فيلم. في العام الماضي برز توم كروز كآخر الأسماء الكبيرة. هذا العام بالكاد نجا من السقوط. ليوناردو دي كابريو، وروبرت داوني جونيور، ومات دامون، وجورج كلوني، سواهم باتوا صفاً ثانياً. نهاية حزينة لأنه بصرف النظر عما يعتقده البعض من أن نظام النجوم هو استغلال لتحقيق أعلى الإيرادات (فليكن) إلا أن المجال متاح حالياً لمن يتم اختياره لينفّذ وظيفة. إن لم يقبَل بها ذهبت لسواه كون معظم الأفلام لم تعد تتطلب تمثيلاً.

10-الوداع الطويل

هذا العام كان عام الوداع لمئات من فناني السينما في جميع مجالاتها. التالي 10 منتقين لأسباب لا تُخفى:

1- الناقد الفرنسي ميشيل سيمن

2- الممثلة الإيطالية جينا لولوبرجيدا

3- الممثل الأميركي فريدريك فورست

4- المخرج التونسي عبد اللطيف بن عمّار

5- مدير التصوير جون بايلي

6- مدير التصوير روبي روبرتسون

7- المغني والممثل هاري بيلافونتي

8- الممثل الأفرو - أميركي جيم براون

9- الممثلة غليندا جاكسون

10- الممثل ريتشارد راوندتري

أفضل 10 أفلام عالمية

1- Anatomy of a Fall | جوستين تريّه (فرنسا)‬

2- Boy and the Heron, The | ميازاكي هيراو (اليابان)

3- Close Your Eyes | فيكتور إيريس (أسبانيا)

4- Fallen Leaves | آكي كيورسماكي (فنلندا)

5- Green Border | أنييشكا هولاند (بولاندا)

6- Hangover‪,‬ The | ألكسندر باين (الولايات المتحدة)

7- Hit‪-‬ Man | ريتشارد لينكليتر (الولايات المتحدة)

8- Napoleon | ريدلي سكوت (الولايات المتحدة)

9- Oppenheimer | كريستوفر نولان (الولايات المتحدة)

10- Perfect Days | فيم فندرز (اليابان)


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

يوميات الشرق لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقُّف مشروعات عدّة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم الافتتاح «قبلة كهربائية» (ملف «كان»)

مهرجان «كان» يكشف عن دورته الجديدة ويؤكد: السينما للبشر لا للذكاء الاصطناعي

لن يسمح مهرجان «كان» للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)

«إشعار بالموت»... بطولة سينمائية أولى وأخيرة لبهاء الخطيب

يسجل الفيلم السينمائي المصري «إشعار بالموت» البطولة الأولى والأخيرة لبطله الممثل الشاب بهاء الخطيب الذي تُوفي في أغسطس الماضي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» بمحافظة جدة تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية.

أسماء الغابري (جدة)
سينما السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر

محمد رُضا (لندن)

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).