شاشة الناقد

«وداعاً جوليا» (ستايشن فيلمز)
«وداعاً جوليا» (ستايشن فيلمز)
TT

شاشة الناقد

«وداعاً جوليا» (ستايشن فيلمز)
«وداعاً جوليا» (ستايشن فيلمز)

نقف في «وداعاً جوليا» على دراما مهمّة في مواجهة ثغرات مزعجة أما الفيلم الثاني فهو مزعج معظم الوقت!

‫ Goodbye Julia ‬

★★★

إخراج: محمد كردوفاني | السودان | 2023

مما يُثير الملاحظة أنه في الوقت الذي ما زالت فيه الحرب السودانية دائرة بين فريقين متناحرين على السيادة، يخرج هذا الفيلم ليقدّم وجهاً آخر للسودان رُفعت له قبّعات نُقاد السينما في كل مكان. إنه كما لو أن ما يجري على الساحة السياسية والعسكرية من تدمير يُواجَه بفيلم واحد يوفِّر إضاءة وحيدة إلى هذا البلد.

«وداعاً جولياً» لمحمد كردوفاني لا يتعاطى هذا الوضع من قريب أو بعيد، بل يعود إلى عام 2005، قبل 6 سنوات من إعلان الجنوب السوداني استقلاله في عام 2011. حكاية الفيلم تتعلّق بالأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة حينها والتي طفحت بقدر كبير من العنصرية ودفعت، حسبما يرى الفيلم، إلى قرار المسيحيين الانفصال عن الجزء العربي من السودان.

إنه فيلم مهم على أكثر من صعيد. دراما موقوتة ومحسوبة لكي تدلي بدلوها في التاريخ الحديث للسودان، ولتنتقد وجهاً اجتماعياً لم تتطرّق إليه سينمات عربية أخرى كثيراً داخل أوطانها.

في ربع الساعة الأولى نتعرّف على منى (إيمان يوسف)، وزوجها أكرم (نزار غوما). كانت مغنية والآن مجرد ربّة بيت بلا أولاد. ذات يوم تصدم بسيارتها طفلاً وتهرب خائفة، يطاردها والده بدرّاجته النارية. تصل إلى البيت. يخرج له أكرم بسلاحه ويطلب منه التوقف. لا ينصاع والد الطفل إلى ذلك فيطلق عليه أكرم النار ويُرديه قتيلاً. يقوم جيران أكرم (جميعهم مسلمون) بمعاونة الشرطة بالتغطية على الحادث كما لو أن شيئاً لم يقع. في هذه الأثناء تبحث زوجته جوليا (سيران رياك) عن زوجها. منى، التي تشعر بذنب كبير، تطلب منها، بعد حين، العمل لديها شغالة. تقبل جوليا من دون أن تعرف أن منى هي زوجة مَن قتل زوجها. في الواقع هي لا تدري أين اختفى زوجها ولن تعرف الحقيقة إلا مع نهاية الفيلم. خلال الفترة سنشهد تقلّبات الوضع المهيمن على البلد ونماذج من العنصرية ضد المسيحيين على خلفية صداقة بين منى وجوليا قبل أن تنكشف الحقيقة المُرّة مصحوبةً بتصوير أكثر من 95 في المائة من مسيحيي السودان على الانفصال.

ما تفاعل معه نقاد الغرب في إعجابهم الكبير هو حضور فيلم ينتقد المجتمع العنصري وقيام المسلمين باضطهاد المسيحيين الذي أدّى، من دون أيّ سبب آخر في نظر الفيلم، إلى قيام جمهورية جنوب السودان. كذلك حميمية العلاقة الإنسانية بين امرأتين واحدة تُخفي سرّاً، والأخرى تُخفي ألماً. لكنّ هذه المسائل، صحيحة أو لا، ليست وحدها كافية للنظر إلى الفيلم ببعض العمق.

لناحية «العنصرية الإسلامية» ضد المسيحيين هي كانت، على الأرجح، موجودة (وكردوفاني أعلم من غيره بذلك)، لكن هل كان صعباً عدم تعميم العنصرية على نحو شامل؟ هناك مشهد لشرطي مسلم يبيع منى بعض المعلومات لقاء رشوة، وهو نفسه يقبض رشوة أخرى، ومن ثَمّ يهمّ بتقبيل منى التي تنهره فيهرب. هل كان من الصعب إظهاره مسلماً ناصعاً؟

في جوانب أخرى، لم يَثُر منها الاهتمام، ينتقل الفيلم بعد نصف ساعة أو نحوها من سياق روائي منفرد الشخصيات إلى آخر متعدد الجوانب يتضمن توسيع دائرة الحكاية لتشمل مناطق مختلفة من بينها، مثلاً، محاولة البعض إقناع منى بالعودة إلى الغناء. لكنها لا تستطيع لأنها وعدت زوجها بالكفّ عنه كونه مسلماً ملتزماً. المسألة ليست في توسيع دائرة الحكاية لتشمل مواقف وشخصيات أكثر، بل في أن حياكة نصف الساعة الأولى تختلف عن سواها. الساعة التالية بدأت من ذلك الاختلاف خشنة التنفيذ تحاول تطوير الحكاية التي كادت تتوقف عن طرح الجديد منذ أن استضافت منى جوليا وطفلها الذي بات صبياً الآن في عقر دارها، وأمّنت لهما الراتب والمنامة، لا بل دفعت أقساط المدرسة الخاصّة.

ليست هناك رعاية من المخرج للزوج سوى أنه ملتزم وعنصري يصف الآخرين بأنهم متوحشون. الأجدر كان تعميق شخصيّته على نحو يتّسع لنقاش أجدى، خصوصاً أن العلاقة بين الزوجين غريبة في مظهرها بعض الشيء.

هما لا يتحادثان بنبرة حيوية أو طبيعية. بل يبدوان كما لو كانا يقرآن الحوار من أوراق يحملانها فيما يشبه التدريب المسرحي. أن لا يكون هناك حنانٌ ما بينهما لا يعني أن لا تكون هناك نبرة صوت مختلفة وأداء أكثر مرونة.

بالنسبة إلى المتلقي الغربي لن يستطيع ملاحظة ذلك، لأنه يجهل طبيعة الإلقاء في هذه الربوع التي تحمل عاطفة أعلى (سلباً أو إيجاباً) مفقودة هنا وتبدو دخيلة.

ثم يأتيك القرار بأن التصوير الداخلي (وهو الغالب) عليه أن يجري بإضاءة تستخدم الأنوار المنبعثة من مصابيح يدوية فقط. هل يُعقل أنه في المنزل بأسره لا يوجد ضوء علوي من السقف كطبيعة أي منزل آخر؟

الغاية لا تبرر الوسيلة هنا، وهي منح الفيلم صورة بصرية داكنة لأن الوسيلة خارجة عن المألوف والطبيعي.

أنجح ما يحققه الفيلم هو تناول تلك العلاقة بين مسلمة ومسيحية. كلتاهما مع قدر من تعسّف المحيط (الإسلامي أكثر من المسيحي). معالجة هذه العلاقة هي نوع من الأمر الواقع عوض أن تبقى منوطة بطرحٍ داخليٍّ حتى تكتسب التطوّرات لاحقاً وظيفتها المنشودة عِوَضَ أن تبقى تكملة.

• عروض: عربية وعالمية

About Dry Grasses

★★

إخراج: نوري بيلج جيلان | تركيا | 2023

لا تزال صور البرية الأناضولية الجميلة المغطاة بلحاف سميك من الثلوج تفعل فعلها في بال مَن يتذكر أفلام هذا المخرج السابقة مثل «ذات مرّة في الأناضول» (2011). أفلام جيلان كانت احتفاءً بتلك الطبيعة وفوقها ذلك الإنسان الذي يبحث بموازاتها، عمّا لا يحققه. أفلامه في السنوات الـ10 الأولى، التي احتوت على عملين جيدين آخرين هما «طقوس» (Climates)، و«مسافة» (Distant) كانت وجدانية وتأمّلية.

‫ «عن الأعشاب الجافة» (يانوس فيلمز)‬

لكنَّ شيئاً ما حدث قبل 5 سنوات عندما قدّم «شجرة الإجاص البري» (The Wild Pear Tree): لقد انتقل بكل اندفاعه إلى تغليب الحوار على الصورة لدرجة أن الناتج انتقص من قيمة وجدوى تلك المشاهد بمفرداتها ومعانيها الوجدانية والفكرية. النقلة، التي بدأت فعلياً بفيلم «نوم شتوي» (Winter Sleep) سنة 2014 كانت من أسلوب ينتمي من سينما التأمل إلى آخر ينتمي إلى سينما الحوارات. أي من مدرسة تاركوفسكي إلى مدرسة تشيخوف.

فيلمه الجديد هو من هذه التوليفة التي لا تعمل ضد ماضي جيلان فقط، بل ضد أهمية التعبير عن أي موضوع أو حكاية بالصورة وليس بالكلام. أمر رائع أن يجذبك فيلم من ثلاث ساعات وثلث ببصرياته وجمالياته وتأملاته، وأن تستمع (أو تقرأ ترجمة) لحوار مطوّل ومتشابك يفرض على البعض الاهتمام به في المدّة المذكورة. هذه وحدها تطحن صبر الباحثين عن سينما لا عن فيلم. تتركهم بزادٍ قليل من الإعجاب.

قصّة أستاذ فنون اسمه سامت (دنيز شليغلو) يعمل في مدرسة تقع في بلدة صغيرة. نراه يدرّس مادته لطلاب مهتمّين في الظاهر، على الأقل. أسلوبه في التعليم ليس نوعياً. هو من الأساتذة الذين لا تود أن تراهم يعلّمون أولادك لأنه يُظهر تفوّقه أكثر مما يُبدي تفهّمه. موقف الفيلم منه مبهم على هذا النحو ثم يزداد إبهاماً عندما تتقدم فتاة صغيرة اسمها سيفيم (إيس باشي) بشكوى للإدارة تدّعي فيها أنه تحرّش بها جنسياً. هذا يقلب الوضع لأن المطروح الآن -وإلى حين- هو إذا ما كان الأستاذ مذنباً أو بريئاً؟ً وما الدوافع التي دفعت بالفتاة إلى اتهامه إذا ما كان بريئاً. يزيد الأمر تعقيداً اكتشاف رسالة غرامية في حقيبة الفتاة خلال بحث روتيني تُجريه إدارة المدرسة من حين لآخر. لسبب غير مفهوم تسمح الإدارة لسامت بالاحتفاط بالرسالة. على جانبَي هذا الوضع هناك شخصيات أخرى ترمي بثقلها على الموضوع من بينهم شريكه في المبيت الأستاذ كنعان (مصعب أكيشي)، وهو أصغر منه سنّاً وأكثر وسامة، تتوجه إليه أستاذة في مدرسة أخرى تنشد لقاء سامت لكنها تتحوّل لمعجبة بكنعان، ما يترك انفعالاً غير محبب في نفسه. لكنّ ذلك الخيط العالق فيما إذا كان الأستاذ مذنباً أو ضحية يبقى عالقاً لوقت أطول مما يجب، كذلك الحكاية بأسرها.

شخصية الأستاذة نوراي (مَرف دزدار) التي فقدت ساقها، وبذلك فقدت ثقتها السابقة بقراراتها العاطفية، هي الأكثر إثارة للاهتمام في نطاق محاولة الفيلم تطوير منحى العلاقات الإيجابية والسلبية بين شخصياته.

في حين يعتمد الفيلم على حواراته (رغم أن لديه ممثلين جيّدين بلا ريب) يفقد الاهتمام المفترض بحكايته ومفارقاته تدريجياً، ويتركنا أمام تغييب آخر لجيلان الذي تعرّفنا عليه لخاطر جيلان جديد يحوّل المشاهد إلى مباريات حوارية.

• عروض: مهرجان تورنتو.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز