مهرجان مراكش في دورته العشرين يؤم بدايات جديدة

ينطلق اليوم وسط توقعات كبيرة

من «كذب أبيض» لأسماء المدير (مهرجان مراكش)
من «كذب أبيض» لأسماء المدير (مهرجان مراكش)
TT

مهرجان مراكش في دورته العشرين يؤم بدايات جديدة

من «كذب أبيض» لأسماء المدير (مهرجان مراكش)
من «كذب أبيض» لأسماء المدير (مهرجان مراكش)

تنطلق اليوم الدورة الـ24 من مهرجان مراكش السينمائي الدّولي تحت رعاية الأمير مولاي رشيد، وبإدارة مجلس من وزراء حاليين وسابقين ومسؤولين في أقسام ومؤسسات حكومية، لجانب عدد من السينمائيين في هيئات ومؤسسات خاصّة.

تنطلق اليوم الدورة الـ24 من مهرجان مراكش السينمائي الدّولي تحت رعاية الأمير مولاي رشيد، وبإدارة مجلس من وزراء حاليين وسابقين ومسؤولين في أقسام ومؤسسات حكومية، لجانب عدد من السينمائيين في هيئات ومؤسسات خاصّة.

الهمّ المشترك هو وضع مهرجان مراكش على السدّة التي يستحقها بين المهرجانات الدّولية. وهو يستند في ذلك إلى الاستقبال الحافل الذي أنجزه عندما انطلق للمرّة الأولى في عام 2001 وإلى النيّة الصادقة في استمرار دوره بالحياة الثقافية والفنية في المغرب.

جاءت ولادته في فترة تكاثرت فيها المهرجانات العربية الكبيرة منها أبو ظبي، ودبي، والدوحة، إلى جانب تلك التي تأسست قبل جميع هذه المهرجانات، واستمرت رغم الصّعوبات، ومنها على الأخص، أيام قرطاج السينمائية و«القاهرة».

«وداعاً طبريا» (مهرجان مراكش)

كون العمل على تلك الدورة الأولى بدأ قبل أحداث سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك، دفع المعنيين للتساؤل إذا ما كان عليهم التوقف عن إنجاز تلك الدورة الأولى تبعاً لذلك، ومن ثَم قرروا عن صواب، أنه من الأفضل إطلاق الدورة كما كان الهدف الأول، لأنه إذا ما كانت الجهود الفنية عليها أن تتوقف لاعتبارات خارجة عن إرادتها (خصوصاً السياسية منها)، ففي ذلك إذعان مرفوض وسنوات توقف لا تنتهي كون الأحداث السياسية والحروب والفواجع مستمرة سنة وراء أُخرى.

حدث ذات مهرجان

من المثير أن نذكر أن تلك الدورة الأولى كانت حافلة بالنجوم والأسماء الكبيرة. الممثلة شارلوت رامبلينغ قادت لجنة التحكيم. وبصرف النظر عن رأي النّقاد في أفلام كلود ليلوش، فقد تمّ الاحتفاء به جنباً إلى جنب مع الممثل العربي الراحل عمر الشريف.

لافت كذلك أن الجائزة الأولى ذهبت إلى فيلم «إن شاء الله يوم الأحد» للجزائرية يمينة بن قيقي أيام ما كان الوئام سائداً بين الدولتين.

وجدير بالذكر أن المثقفين والسينمائيين آنذاك نظروا بحذر شديد حيال المهرجان على أساس أن التمثيل المغربي محدود، وفاعلياته ونشاطاته تتّبع إدارة فرنسية وليس محليّة.

استمرت هذه الشكوى لسنوات عدّة شهدت إصدار بيانات نقد وشجب. هذا في الوقت الذي كانت فيه الدورة تنتقل تدريجياً من الشهر التاسع من السنة إلى العاشر، ومن العاشر إلى الحادي عشر إلى أن تمركزت وسط مهرجاني القاهرة ودبي، على الرغم من اجتماعات بين كل الأطراف لمنهجة زمنية لا تتضارب فيها المواعيد.

استمر المهرجان بنجاح مطرد حتى توقف سنة 2017 حين قيل إن الإدارة الفرنسية تفكّر في تعديلات من شأنها العودة في العام التالي على نحو أكثر فاعلية. وعندما عاد في العام اللاحق، 2019، بدا كما لو أن الأمور لم تتغير كثيراً. المؤكد أن عودته بعد غياب سنة لم تخلَّ به، بل زادت من حضوره. وعلى الرغم من ذلك، كان لا بدّ أن يغيب لعامين متواليين قبل أن يعاود الإطلال بإدارته الجديدة في عام 2022 التي يمكن النظر إليها كتأسس متجدد للمهرجان ولدورة السنة الحالية.

تنوْع قضايا

الإطلالة العام الحالي بمثابة خطوة أكيدة للأمام بالنسبة لمهرجان المغرب الأول. 14 فيلماً في المسابقة الرسمية. سبعة أفلام في قسم «الاحتفاءات» (Gala Screenings)، 17 فيلماً في قسم «عروض خاصّة» و13 فيلماً في قسم «القارة 11» المخصص «للقاء بين السينما المعاصرة والكلاسيكية»، ومن ثمّ 6 أفلام في قسم «بانوراما مغربية» لمن يرغب في مشاهدة نتاجات هذه السينما مجتمعة، هذا إلى جانب ما يعرض من أفلام مغربية في الأقسام الأخرى.

الفيلم المغربي المتسابق «عصابات» (مهرجان مراكش)

في الواقع، أحد الاثنين المحتفى بهم تكريماً، هو المخرج فوزي بنسعيدي الذي، لإلى جانب ما يرِد في التعريف عنه في أدبيات المهرجان، وهو صحيح، تميّز عن كل أترابه المغربيين بانتهاج سينما تتميّز بحريتها في التعبير، وذلك منذ أفلامه الأولى «ألف شهر» (2003)، و«يا له من عالم رائع» (2006)، و«موت للبيع» (2011).

التكريم الثاني يعود إلى الممثل الدنماركي ماس ميكلسن، بفضل موهبته في الأداء بات وجهاً عالمياً مألوفاً وبنجاح مستحق.

هناك تنوّع كبير في الأفلام المتسابقة السنة الحالية. المشكلة التي تواجه الناقد هي تحديد الدول التي ينبع فيلم ما منها. فمع تكاثر الإنتاجات التي تنطلق من دولة وتصب في أخرى، لم يعد من الممكن الإشارة إلى أن الفيلم السنغالي «بانل وأداما» لرامات-تولاي ساي، هو سنغالي فقط بما أن هناك تمويلاً فرنسياً فيه. كذلك الحال للفيلم الذي يحمل رايات فلسطينية وقطرية وبلجيكية وفرنسية «وداعاً طبريا» للينا سوالم. والنسبة الأكبر من هذه الأفلام التي تحمل أعلام دول مختلفة هو «ديسكو أفريقيا: قصة مالاغاديسية» للوك رازانجونا، فهو يتبع فرنسا ومدغشقر وألمانيا وقطر وجنوب أفريقيا وجزيرة موريشيوس، وعلى نحوه فيلم «مدينة الريح» لخاكفادولام بوريف - أوشير، فهو هولندي وألماني وبرتغالي ومغولي وفرنسي وقطري.

هذه ليست مشكلة مهرجان مراكش، لكنه سيُقدِم على مبادرة رائعة إذا كان يحقق في مصدر الإنتاج الأصلي ويكتفي به.

في مطلق الأحوال تنزع أفلام المسابقة إلى طرح قضايا أساسية عالقة تنهل منها السينما حكاياتها. هي عن الجذور في «وداعاً يا طبريا»، وعن القضايا المعاشة في حاضر الأيام في قرى نائية («بانل وأداما»)، والانقسام بين التقاليد والحداثة في أفلام عدّة مثل «المهجع» للتركي نهير تونا.

أحد الأفلام المغربية المنافس في هذا القسم هو «عصابات» لكمال الأزرق. حكاية مسرودة بطبيعتها القاسية ومواقفها الكوميدية السوداء كما كتبها ووضعها المخرج عن عملية قتل تقود صاحبيها إلى سلسلة من المشاكل كون الضحية مات بالسكتة، وهو لم يكن أصلاً الشخص المرغوب في قتله.

هناك مشاهد خلّابة في هذا الفيلم تكشف عن موهبة جديدة في السينما المغربية.

في المسابقة أيضاً «كذب أبيض» للمخرجة أسماء المدير، التي وفّرت لجمهورها فيلماً تسجيلياً عن موضوع العلاقة بين الأجيال ضمن الأسرة الواحدة.

المهمّة غير مستحيلة

ما يوازي اهتمام هذه الدورة بأفلامها المنتقاة، المجموعة الكبيرة من الشخصيات السينمائية التي ستحضرها. في المقدّمة المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي، الذي أعلن عن ترحيبه واستعداده بالعودة مجدداً إلى مهرجان تابع دوراته منذ البداية.

إلى جواره سيحضر الممثل الأميركي ويليم دافو، والممثل الدنماركي ماس ميكلسن ومواطنه فيغو مورتنسن، والممثلة الأسكوتلندية تيلدا سويتن، والمخرج الروسي أندريه زفياغنتسيف، والمخرجة اليابانية ناوومي كاواسي، كما المخرج الهندي أنوراغ كاشياب.

كواسي كانت ترأست لجنة تحكيم الدورة الماضية من مهرجان «القاهرة»، أما لجنة تحكيم مهرجان مراكش فهي للمخرج والممثل الأسترالي الموهوب سيمون بيكر.

المذكورون أعلاه هم أعضاء لجنة التحكيم وهم - على عادة أعضاء لجان التحكيم - متباعدون جغرافياً وفكرياً وثقافياً، مما يجعل من المثير معرفة أي من الأفلام المتسابقة سيقع عليه تصويت الغالبية.

حسبما سبق يتطلع مهرجان مراكش لا إلى مواصلة طريقه في تبوأ التظاهرات السينمائية العربية من موقع الحريص على ذلك الجسر الثقافي بين الشرق والغرب، وبل تعزيزه مستقبلاً أيضاً.

في الواقع أن المهرجان خطا، منذ بداياته، في هذا الاتجاه لكنه مال إلى الاحتفاء بالسينما الفرنسية على الأخص والأوروبية على نحو عام، أكثر مما عالج موضوع الأفلام العربية ووفرتها.

بعض السبب لا يكمن في النيّة لإحداث هذا التباعد، لكنه عاد لأن مجمل الأفلام العربية التي كانت تنتج في العقدين الأول والثاني (2001-2020)، كانت محطّ تنافس مهرجانات دبي وأبو ظبي والدوحة والقاهرة (ومن ثَمّ الجونة لاحقاً) عليها. الجوائز الممنوعة من المجموعة الخليجية المذكورة كانت مغرية لمعظم المخرجين والمنتجين العرب، وتستحق الانتقال بأفلامهم صوبها، مما يجعل المهرجانات العربية الأخرى تتكل على ما تبقى منها أو ما هو متاح وصالح للعرض.

هذا لا ينفي أن الإدارة السابقة مضت أبعد مما يجب في تأمين حضور الجانب الغربي في محاولة تميّز كانت ناجحة في التطبيق، لكن على حساب فعاليات أخرى، وسينمات عديدة كانت تستحق أن تلحق بهذا الجهد الكبير.

الآن تبدو الصورة مختلفة. المهرجان يحتوي على عدد ملحوظ من الأفلام التي حققها مخرجون عرب، مما يُتيح للجمهور المغربي متابعتها، خصوصاً تلك التي شهدت عروضها العالمية الأولى في مهرجان «كان» و«فينيسيا».

عرب فازوا بجوائز مراكشية

2022: المخرجة مريم التوزاني عن «القفطان الأزرق» (المغرب)

2019: المخرج عبد المحسن الضبعان عن «آخر زيارة» (المملكة العربية السعودية)

2015: المخرج مرجان بو شعيا عن «فيلم كتير كبير» (لبنان)

2012: المخرج زياد الدويري عن «الهجوم» (لبنان، قطر)

2003: المخرجة نرجس الجار: «العيون الجافة» (المغرب)

2002: الممثلة كلارا خوري عن دورها في «زواج رنا» لهاني أبو أسعد (فلسطين)

2001: المخرجة يمينة بن قيقي عن «إن شاء الله يوم الأحد» (الجزائر)

2001: الممثلة الشعيبية العداوي عن دورها في «منى صابر» (المغرب)


مقالات ذات صلة

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حصدت ريهام إشادات نقدية وجماهيرية واسعة من خلال دورها في «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

ريهام عبد الغفور تخلع عباءة التراجيديا وتتجه للكوميديا في موسم العيد

خلعت الفنانة المصرية ريهام عبد الغفور عباءة التراجيديا التي تألقت فيها خلال دراما رمضان عبر مسلسل «حكاية نرجس»، لتقدم دوراً كوميدياً في فيلم «برشامة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج.

محمد رُضا (لندن)
سينما  هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»).

محمد رُضا (لندن)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.