حكايات إنسانية للمخرج فِم فندرز حول العالم

خلافاته في هوليوود وعاطفته في طوكيو

Paris ,Texas هاري دين ستانتون في «باريس، تكساس« (رود موڤيز برودكشنز)
Paris ,Texas هاري دين ستانتون في «باريس، تكساس« (رود موڤيز برودكشنز)
TT

حكايات إنسانية للمخرج فِم فندرز حول العالم

Paris ,Texas هاري دين ستانتون في «باريس، تكساس« (رود موڤيز برودكشنز)
Paris ,Texas هاري دين ستانتون في «باريس، تكساس« (رود موڤيز برودكشنز)

الإقبال الحافل الذي حظي به المخرج الألماني فِم فندرز في مهرجان طوكيو السينمائي، الذي انتهت دورته الثالثة والستين يوم الأول من هذا الشهر، كانت مستحقة، كون فندرز أحد أفراد النخبة التي ما زالت توفر لهواة الفن السينمائي أعمالاً ترتفع بالمشاهد إلى آفاق مختلفة عما هو سائد في معظم الأحيان.

في الوقت ذاته، عمد المخرج الألماني في فيلمه الأخير «أيام تامّة» (Perfect Days) لتصوير حكاية يابانية بممثل ياباني وبتلقائية لا تغرّب فيها عن المجتمع الياباني وتفاصيله المُعاشة. «أيام تامّة» هو فيلم ياباني بلمسات مخرج أوروبي، وهو أفضل صنعاً من فيلم عبّاس كياروستمي «مثل واحد في الحب» (Like Someone in Love) الذي كان حققه سنة 2012 بتمويل فرنسي.

Wim Wenders ڤِم ڤندرز (آي أف سي).

بدايات

فِم فندرز (78 سنة) هو واحد من رعيل السبعينات عندما بزغت شمس جيل ألماني جديد من السينمائيين من بينهم رينر فرنر فاسبيندر وفولكر شلندروف وفرنر هرزوغ. ما سبق ذلك الجيل كان حضور خافت جداً للسينما اليابانية التي كانت منقسمة على جانبي الجدار الفاصل. فجأة، انتشرت أفلام هذه المجموعة التي اختلفت أساليبها باختلاف اهتماماتها. الطريق الذي شقّه فندرز كان أكثر الطرق هدوءاً في النبرة وشعرية في جمالياته.

ربما لهذا السبب أنجز فندرز النجاح الأعلى بين أترابه، ففي حين اتجه هرزوغ صوب السينما التسجيلية أساساً، وعمد فاسبيندر لتلك الأفلام الغارقة في ألمانيّتها واختار شنلدروف مواضيع مختلفة بأساليب متعددة، رمى فندرز شباكه حول أعمال مرهفة وغير حادّة وجيدة (رغم وجود أعمال له لا تحمل المستوى ذاته من الجودة كأفلامه الأخرى).

خلفية فندرز بدأت تلفزيونية وفي سلسلة من الأفلام القصيرة التي دامت حتى عام 1971 عندما أخرج «صيف في المدينة». هذا الفيلم دنماركي الإنتاج ودار حول رجل يخرج من السجن ليجد نفسه وقد بات جوّالاً في أنحاء حياة تختلف اليوم عما كانت عليه قبل دخوله السجن.

Perfect Days «أيام تامّة» (ماستر مايند).

تلا ذلك بضعة أعمال ألمانية الموضوع والإنتاج لكنه في العام سجل أول لفت انتباه إلى موهبته عندما أخرج «ملوك الطريق» سنة 1976 الذي كان، فعلياً، الفيلم الثالث في ثلاثية تقع قصصها على الطرق («رود موفيز») بعد «أليس في المدن» (1974) و«الحركة الخطأ» (The Wrong Move) سنة 1975.

في عام 1977 حقق فيلماً صوّره في برلين بعنوان «الصديق الأميركي» (The American Friend) عن رواية بوليسية لباتريشا هايسميث. قصّة الفيلم مثيرة بحد ذاتها لكن القصّة خلف الكاميرا لا تقل إثارة. على الشاشة هي حكاية قاتل مأجور (دنيس هوبر) يقنع صانع إطارات الصور الفوتوغرافية (برونو غانز) بالقيام بالاغتيالات التي من المفروض أن يقوم بها هو. يتمنّع الرجل البريء عن ارتكاب الجريمة لكنه في النهاية يصبح شريكاً فيها.

خلف الكاميرا تعارك الاثنان في الأيام الأولى من التصوير. كان هوبر قد تأخر عن الحضور كونه كان منشغلاً بتصوير فيلم فرنسيس فورد كوبولا «القيامة الآن». يقول فندرز عنه: «حين هبط من الطائرة كان لا يزال في ثياب المصوّر حسب دوره في فيلم كوبولا».

حينها (سنة 1977) كان هوبر مدمناً على الشرب والحشيش وكان يمضي الوقت قبل التصوير في هذيانه لكن، وبشهادة فندرز، حال يبدأ التصوير ينقلب إلى محترف واعٍ. رغم ذلك، شكا غانز من أن هوبر ليس مهنياً واحتقر طريقته في التحضير للمشهد وعدم مبالاته باتباع تكنيك حرفي صحيح. ثم ما لبثت الشكوى، في أحد الأيام، أن أصبحت عداوة، والعداوة تحوّلت إلى شجار لكم فيه غانز هوبر على خده فما كان من هوبر إلا أن لكمه على فمه. حسب المخرج أيضاً، ساد وئام حذر.

عجيب كيف أن لا شيء من هذه العداوة تتبدى على الشاشة. الفيلم من بين تلك الأفلام الجيدة في عداد ما حققه فندرز ومشغول بدراية وإتقان لا بأس بهما.

مشاكل مع كوبولا

بعد عام واحد، حط المخرج في هوليوود ليخرج هناك فيلم شبه سيرة حياة الكاتب البوليسي داشل هامِت. الفيلم كان من إنتاج كوبولا وبطولة الراحل، قبل حين قريب، فردريك فورست (أحد الممثلين الذين استعان بهم كوبولا في أفلامه).

بدأ التحضير للفيلم سنة 1978 ومر بفترة تحضير طويلة. العلاقة بين كوبولا وفندرز كانت أشبه بسفينة جانحة قد تصطدم بصخور الشاطئ في أي وقت، وقد حدث ذلك من يوم التصوير الأول عندما عاين كوبولا المشاهد التي تم تصويرها وأعلن أنه غير سعيد بها. لاحقاً ما طلب من فندرز إعادة تصوير الفيلم بأكمله. لأسباب لها علاقة بالعقد المبرم، كان لا بد للمخرج الألماني تنفيذ الطلب، ولاحقاً ما تبيّن أن الفيلم، الذي حمل اسم فندرز مخرجاً، لم يحتوِ إلَّا على ثلث المشاهد الأصلية التي قام فندرز بتصويرها. الباقي كان إعادة تصوير حسب رؤية كوبولا للفيلم.

في 1982، العام الذي خرج فيه «هامِت» لعروضه العالمية بعد «برميير» على شاشة مهرجان «كان»، أنجز فندرز فيلماً آخر كان كتبه خلال الفترة الفاصلة بين َ«صديق أميركي» و«هامِت» وهو «حال الأشياء» (The State of Thins). من الطريف أن الفيلم دار عن صعوبة العمل لمخرج أوروبي مع منتج أميركي ومع هوليوود كمؤسسة.

الفيلم الأميركي الثالث كان أفضل أفلام تلك الفترة وحققه فندرز حسب هواه وتبعاً لرؤيته الذاتية. كان انكب على كتابة سيناريو بعنوان «باريس، تكساس» ثم انطلق إلى صحراء الولاية بفريق من الفنيين الأوروبيين كونه أراد الاستغناء عن النظام الاستديوهاتي، الذي لم يكن يطيقه. عندما قام أحد الاتحادات الأميركية بلفت انتباه المخرج بأن بعض فنييه ليسوا من النقابة ولا يتمتعون بأذونات عمل انضم إليها كون ذلك سيتيح له استئجار خدمات من يريد.

هذا الفيلم دراما عائلية تقع أحداثها في مدينتين (هيوستن، وتكساس ولوس أنجليس، وكاليفورنيا) وفي صحراء تكساسية عند الحدود مع المكسيك. الحبكة ذات اهتمام إنساني اختار لها فندرز أماكن تصوير وبطريقة تعبير منحته جائزة مهرجان «كان» سنة 1984. قصّة رجل اسمه ترافيز (هاري دين ستانتن) يغيب عن الوعي. يجد الطبيب المعالج (المخرج الألماني برنارد ويكي) رقم شقيق مريضه وولت (دين ستوكوَل) فيتّصل به وهذا يحضر. الستارة هنا تفتح على خلفية أحداث عائلية وعاطفية توضح حال ترافيز الذي نشاهده، في مشهد لاحق، وهو يمشي في الصحراء بخطى واثقة ولو أنه لا يعرف وجهته.

تحيتان

بعد هذا الفيلم تابع فِم فندرز تحقيق أفلام انتقل لأجلها ما بين ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا واليابان التي حقق فيها فيلمين وليس فيلماً واحداً كما قد يتبادر للبعض. فهو ككان أخرج Tokyo‪-‬Ga سنة 1985 متّكلاً على إعجابه بأعمال المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو الذي تفنن في تصوير شخصياته الهادئة التي يطل منها على حياة المدن اليابانية في تعليقات اجتماعية حول اختلاف الأجيال وتواري ثقافة التقاليد السابقة.

فيلم فندرز دار حوله، وهو يبحث عن تلك المعالم في سينما أوزو. كان ذلك تعبيراً عن حب المخرج الألماني للمخرج الياباني وهو حب يشاركه فيه رهط كبير من أهل السينما والنقد. لكن في فيلمه الجديد «أيام تامّة» هو رسالة حب لشخص خيالي ومن خلاله رسالة يقوم بحفرها في ذات بطله في طوكيو لكن بسمات إنسانية عالمية.

فيلمه حول عامل تنظيف المراحيض العامّة في المدينة اسمه هيراياما (كوجي باكوشو)، يستيقظ كل صباح بانشراح. يركب سيارته البيك أب ويقود سيارته إلى حيث سيعمل. في طريقه يستمع لأغاني الصول ميوزيك والروك أند رول الكلاسيكية حتى وإن لم يفهم كلماتها. كلما صعد حافلته لينتقل من مكان لآخر وضع شريطاً واستمع وغنى. لن يؤثر عليه سلباً نوع عمله ولا وضعه الاجتماعي، الذي يبدو كما لو أنه لن يتغيّر. بذلك هناك تلك الصورة الإنسانية المختلفة. لا يطلب منك أن تتطوّع وتصبح هيراياما آخر، لكنه يقدّمه لك لكي تدرك أن الحياة قد تكون جميلة حتى وإن كان المرء في قاعها. ليست جميلة بذاتها، بل بذات ذلك الشخص الذي ينجح في تحويل عمله إلى جزء من الحياة وليس كل الحياة.

في «أيام تامّة» ليس هناك من تحية مباشرة لسينما ياسوجيرو أوزو، على ذلك يتوسّم المشاهد أن متابعة الحياة اليومية لرجل بسيط وسعيد هو من بعض ملامح المخرج الياباني من حيث رصده لعالم الناس العاديين ومنحهم الضوء الكافي للنظر في دواخلهم. الاختلاف هو أن بطل فِم فندرز إنسان قنوع سيبقى على هذه القناعة مستقبلاً الحياة كما هي.

جوائز نالها فندرز عن أفلامه

نال فِم فندرز أكثر من 90 جائزة من مؤسسات ومهرجانات وجمعيات نقدية. هذه مجرد عيّنات منها.

الاتحاد الأوروبي (2011) عن فيلمه Pina

برلين (2015): جائزة شرف عن مجمل أعماله

سان سابستيان (2017) عن فيلمه The Salt of the Earth

سيزار (2015): جائزة أفضل فيلم تسجيلي عن The Salt of the Earth

كان (2023): جائزة السعفة الذهبية عن Perfect Days

لوكارنو (2005): جائزة شرف عن مجمل أعماله.

فينيسيا (1982) الأسد الذهبي عن The State of Things


مقالات ذات صلة

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

سينما بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي صِراط وخاطئون ومعركة بعد أخرى.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

أثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»...

انتصار دردير (القاهرة)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.