شاشة الناقد: أنا يوسف يا أبي ****

محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
TT

شاشة الناقد: أنا يوسف يا أبي ****

محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).
محمد ملص (اليسار) من فيلم «أنا يوسف يا أبي» (دنيا فيلم).

أنا يوسف يا أبي ****

إخراج: محمد ملص | سوريا | 2023

* من يستمع لصوت فيروز وهي تغني «بلادي وحبك يا موجعي»، يستمع كذلك إلى صوت حفيف خافت للقلم فوق لوحة يتم رسمها. نرى لوحات مرسومة تمتزج بالأصوات وبلقطة لبعض الورود التي تهتز كما لو كانت فرحة بأغنية فيروز وصوتها الآتي من أيام أجمل.

بعد هذه المقدّمة تطرق يد باباً موصداً يفتحه الرسام يوسف عبدالكي. الطارق هو المخرج محمد ملص وفريق عمله الصغير. يسأل يوسف المخرج: «شو؟ بدكن تصوّروا؟». يجيبه المخرج «بدنا نرسم بورتريه إلك». وحين يقول ملص: «نرسم»، يلوح بيده كما لو كان يرسم شيئاً في الهواء.

قرب النهاية، تشارك الكاميرا (لوائل عز الدين ويحيى عز الدين) الفنان عبداللكي في الرسم. نرى يد الرسام وهي تؤسس للوحة بطبشور من الفحم الأسود. يده تتحرك في كل الاتجاهات فوق رقعة صغيرة محددة، وها هي الكاميرا تتحرك مع حركة اليد. فيلم محمد ملص التسجيلي «أنا يوسف، يا أبي» هو فيلم عن رسام ورسم أمام كاميرا تخلق لوحات بدورها.

هذا هو الفيلم الأول للمخرج ملص بعد غياب طويل. هناك فارق عشر سنوات ما بين «سلم إلى دمشق»، الذي شهد عروضاً في مهرجانات دبي وتورنتو ومونبلييه، وبين هذا الفيلم. هناك ظهور للمخرج في فيلم حميد بن عمرة «تايم لايف» (2019) والعديد من أصوات الصمت قبل ذلك وبعده.

حين يدخل ملص منزل الفنان عبدالكي ومرسمه، يضع المخرج الكاميرا في أماكن مناسبة لتوظيف البيت القديم وأبوابه وفنائه وغرفه. في الواجهة الفنان السوري، الذي ترك دمشق إلى باريس سنة 1973 وعاد إلى مدينته سنة 2007 وقبع فيها يرسم اللوحات التي تعني له التاريخ والحاضر والبشر.

يتحدّث عبدالكي عن أبيه الذي سجن عدة مرات وعن نشأته ثم غربته الفرنسية. هذا بعض التاريخ الشخصي، الذي لا بد منه، الذي يأتي مسترسلاً ومثيراً. لكن على النحو ذاته من الاسترسال وبكثير من الإدراك عن الفن والرسم والعلاقة بينه وبين الأشكال. عن اللوحات وما تحتويه وكيف تحتويه. وبعض أفضل ما يتحدث فيه هو الفارق بين المنظورين الشرقي (عربي وسواه) والغربي للفن. الأول جمالي والثاني علمي وكيف وجد هويّته في الجمع بين الاثنين.

إذ يُلقي الفيلم الضوء على ذلك الفنان ومفهومه للفن وذكرياته عن بعض حياته وعن أبيه. يعالج المخرج كل ذلك في اقتصاد مريح. لا استعراضاً للذات ولا الكاميرا تتجاوز حدودها ولا يتدخل التوليف للتأثير على الإيقاع المختار للفيلم. على ذلك، تبرع كل تلك العناصر في تشييد عمل إبداعي متآلف: الموضوع هو الفن والهدف هو الفن أيضاً.

ِعرض خاص

Oppenheimer***

إخراج: ‪كريستوفر نولان‬ | الولايات المتحدة | 2023

بينما كان المحيطون بروبرت ج. أوبنهايمر يتساءلون، حسب فيلم كريستوفر نولان الجديد «أوبنهايمر»، عن احتمالات الاكتشاف النووي الذي قام أوبنهايمر به، نطق هذا بالكلمة المرعبة The Bomb. وحين يتم إجراء التجربة الأولى يصف أوبنهايمر المشهد بقوله: «الآن أصبحت الموت» (Now I have become death). أمر مخيف بحد ذاته أن يدرك أحد أنه نجح في صنع أداة موت غير مسبوقة. أكثر إثارة للخوف أن تكون هذه الأداة بحجم القنبلة النووية.

في كل الحالات، فيلم نولان مدروس بغاية تقديم سيرة حياة عالم الفيزياء الشهير الذي لُقّب بـ«أبو القنبلة الذريّة»، الذي نراه في مطلع الفيلم وهو دائم التأمل بالكون المحيط رابطاً معطياته بعلم الفيزياء. هو الأسبق بين الطلاب في مجال استيعاب ما يتعلّمه، وهو الأكثر علماً ومعرفة عندما بدأ يعلّم. لا يهمه كثيراً أن تلامذته ينظرون إليه كما لو أنهم لا يفقهون الكثير من قوله، فهو يفهم ما يقول ونراه يرسم الخطوط ويكتب الشيفرات الفيزيائية بسرعة تنم عن تلك المعرفة كما لو كان وُلد بها.

فيلم نولان يتمتع بخاصّتين: دراسة شاملة عن الموضوع وشخصه مستلهمة من كتاب وضعه مارتن شاروين وكاي بعنوانAmerican Prometheus‪)‬) سنة 2005 اللذان سجّلا فيه معظم ما قام نولان بتحويله إلى فيلم مفصلي ومهم. الخاصّة الثانية هي أن المخرج اهتدى للممثل الذي سيقوم بدور شخصية العالِم وهو سيليان (وليس كيليان كما أورد البعض) مورفي. في هذه النقطة، لم يكن ينفع أن يقوم روبرت داوني جونيور أو مات دامون (وكلاهما يمثلان في هذا الفيلم) بتشخيص أوبنهايمر، فكما كان أوبنهايمر في الثلاثينات جديداً على بيئته ومحيطه كان على الممثل الذي سيقوم به أن يكون بدوره جديداً في بيئته ومحيطه، رغم أن مورفي لعب أدواراً عديدة من قبل. مما جعله مناسباً ليس حنكته كممثل فحسب ولا كيفية إدارته فقط، بل حقيقة أنه ليس بعد النجم الذي تستطيع أن تدرك حدوده في الأداء أو تتعوّد على نمط معهود.

أوبنهايمر، كما يؤديه مورفي بإرشاد واضح من المخرج، رجل خافت الصوت حين يتكلم. مخلص في نظرته للأمور. شغوف. ومختلف عن الصورة التقليدية للعلماء. قريب كشخص من معظم الناس. لكنه بعيد عنهم بعلمه. على هذه الحسنات، قد يكون كذلك إنساناً مخادعاً لا يمكن الركون إليه. علاقاته العاطفية فاشلة، إذ تزوّج وطلّق مرتين ونتعرف على هذا الجانب منه وهو يخون زوجته كيتي (إميلي بْلنت) مع الدكتورة جين تاتلوك (فلورنس بو). هناك شيء من الصبيانية المرتسمة على وجهه في حالاته العاطفية. إنه كما لو أن نولان لا يود من مشاهديه كره هذا الرجل الذي دفع باتجاه ولادة القنبلة النووية. لا يريد إدانته ولو أنه لا يعمد - بالطبع - إلى رسم صورة تجميلية لامعة له.

يندرج تحت هذا الوضع حقيقة أن الفيلم يوفر لأوبنهايمر صورتين على شيء من التناقض غير المقصود: هو معادٍ للفاشية وشيوعي الميول. ليس هناك ما يوضح هذا الموقف لكننا سنرى أوبنهايمر يدافع عن نفسه أمام المحكمة التي نظرت في أمر ميوله السياسية في الخمسينات (معبّر عنها بالتصوير الأبيض والأسود) مؤكداً أنه لم ينضم للحزب الشيوعي. الامتداد الآخر لهذا التناقض لا يتعلّق بإذا ما كان شيوعي الهوى أم لا، بل بحقيقة أن الشاب المعادي للفاشية اندفع قُدماً لصنع قنبلة لا يمكن لأحد استخدامها إلا تبعاً لموقف فاشي حاد. ليس من واجب الفيلم الإجابة عن هذا التناقض، لكنه كان سيحقق نقطة إيجابية كبيرة لو فعل.

موقف العالِم في الخمسينات إزاء إلقاء القنبلة النووية فوق هيروشيما وناكازاغي معبّر عنه بقدر من التبرير بأنه كان يرغب في تأسيس رابطة دولية لمنع تكرار الحل النووي. على أن هذا التبرير يأتي بالحوار في حين يكتفي الفيلم بوجه مورفي لكي يعبّر عن صدمته إزاء الدمار الهائل الذي سببته القنبلتان النوويتان فوق المدينتين اليابانيّتين. هل كان ماهراً في كل شيء علمي باستثناء توقعاته بحجم الكارثة؟ في الوقت ذاته، كان يدرك أن إلقاء القنبلة فوق اليابان كان لإخافة الروس.

اتضح الجزء الخاص بالرغبة في استخدام «النووي» لإخافة الروس في فيلم ستيف جيمس التسجيلي A Compassionate Spy حول الجاسوس الذي كان يعمل في المختبر النووي الذي كان أوبنهايمر يشرف عليه، الذي صرّح في الفيلم (من إنتاج 2022) بأن البيت الأبيض كان يعلم بأن اليابان طلبت مفاوضات سلام قبل إلقاء القنبلة عليها لكن البيت الأبيض أراد إرسال تحذير للعدو السوفياتي على صورة استعراض لما تملكه من قوّة.

يرد بعض ذلك بالسرعة ذاتها التي يمر فيها الفيلم منتقلاً بين شخصياته وأحداثه. أسلوب نولان هنا ربما استند إلى إدراكه بأنه يريد أن يعرض الأكثر في الفترة الزمنية المحددة. كذلك بالرغبة في عدم إثارة الملل بين مشاهديه كون المادة المطروحة بالغة الجدية وأي معالجة أخرى قد تميد بحساباته المادية. هذان الاحتمالان يمكن تخمينهما حسب دلالات موزعة لكن التأكيد عليهما أمر آخر علماً بأنه في أفلام نولان السابقة، كل من جدية الموضوع والجاذبية الترفيهية في طرحه يتلازمان بنجاح كما في هذا الفيلم.

دقة الجوانب التاريخية ليست هي الموضوع هنا. العنوان العريض لتاريخ أوبنهايمر ومواقفه ولتاريخ النازية والحرب العالمية الثانية واضطهاد اليهود ثم الحرب الباردة والمكارثية كلها أمور حقيقية. لكن بعض التفاصيل تأتي مثيرة للتعجب مثل إذا ما كان أوبنهايمر من النبوغ بحيث تعلّم فعلاً اللغة الهولندية في ستّة أسابيع ليس كمبادئ ومفردات فقط، بل لدرجة التعبير وإلقاء المحاضرات العلمية بها، كما يدّعي الكتاب وبعده الفيلم.

لا غبار على أن «أوبنهايمر» كفيلم مُنفّذ بمهارة في غالبية تفاصيله وعناصره. ولا غبار كذلك على أن موقف الفيلم من المكارثية معاد لها (وهناك مشهد الكارثة النووية مجسّداً بنظام Imax المذهل تأكيداً للصدمة)، لكن فيما عدا ذلك ليس هناك رغبة في اتخاذ موقف ضد أوبنهايمر نفسه.

على ذلك، لا يمكن النظر إلى الفيلم فنياً إلا بالتقدير الكبير الذي يستحقه نولان. العمل متمكن في معظم عناصره الفنية والإدارية، وخارق في منحاه كبيوغرافي لشخصية معقّدة في زمن ماضٍ معقد، تماماً كالزمن الحاضر.

عروض عالمية.

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز