أنا يوسف يا أبي ****
إخراج: محمد ملص | سوريا | 2023
* من يستمع لصوت فيروز وهي تغني «بلادي وحبك يا موجعي»، يستمع كذلك إلى صوت حفيف خافت للقلم فوق لوحة يتم رسمها. نرى لوحات مرسومة تمتزج بالأصوات وبلقطة لبعض الورود التي تهتز كما لو كانت فرحة بأغنية فيروز وصوتها الآتي من أيام أجمل.
بعد هذه المقدّمة تطرق يد باباً موصداً يفتحه الرسام يوسف عبدالكي. الطارق هو المخرج محمد ملص وفريق عمله الصغير. يسأل يوسف المخرج: «شو؟ بدكن تصوّروا؟». يجيبه المخرج «بدنا نرسم بورتريه إلك». وحين يقول ملص: «نرسم»، يلوح بيده كما لو كان يرسم شيئاً في الهواء.
قرب النهاية، تشارك الكاميرا (لوائل عز الدين ويحيى عز الدين) الفنان عبداللكي في الرسم. نرى يد الرسام وهي تؤسس للوحة بطبشور من الفحم الأسود. يده تتحرك في كل الاتجاهات فوق رقعة صغيرة محددة، وها هي الكاميرا تتحرك مع حركة اليد. فيلم محمد ملص التسجيلي «أنا يوسف، يا أبي» هو فيلم عن رسام ورسم أمام كاميرا تخلق لوحات بدورها.
هذا هو الفيلم الأول للمخرج ملص بعد غياب طويل. هناك فارق عشر سنوات ما بين «سلم إلى دمشق»، الذي شهد عروضاً في مهرجانات دبي وتورنتو ومونبلييه، وبين هذا الفيلم. هناك ظهور للمخرج في فيلم حميد بن عمرة «تايم لايف» (2019) والعديد من أصوات الصمت قبل ذلك وبعده.
حين يدخل ملص منزل الفنان عبدالكي ومرسمه، يضع المخرج الكاميرا في أماكن مناسبة لتوظيف البيت القديم وأبوابه وفنائه وغرفه. في الواجهة الفنان السوري، الذي ترك دمشق إلى باريس سنة 1973 وعاد إلى مدينته سنة 2007 وقبع فيها يرسم اللوحات التي تعني له التاريخ والحاضر والبشر.
يتحدّث عبدالكي عن أبيه الذي سجن عدة مرات وعن نشأته ثم غربته الفرنسية. هذا بعض التاريخ الشخصي، الذي لا بد منه، الذي يأتي مسترسلاً ومثيراً. لكن على النحو ذاته من الاسترسال وبكثير من الإدراك عن الفن والرسم والعلاقة بينه وبين الأشكال. عن اللوحات وما تحتويه وكيف تحتويه. وبعض أفضل ما يتحدث فيه هو الفارق بين المنظورين الشرقي (عربي وسواه) والغربي للفن. الأول جمالي والثاني علمي وكيف وجد هويّته في الجمع بين الاثنين.
إذ يُلقي الفيلم الضوء على ذلك الفنان ومفهومه للفن وذكرياته عن بعض حياته وعن أبيه. يعالج المخرج كل ذلك في اقتصاد مريح. لا استعراضاً للذات ولا الكاميرا تتجاوز حدودها ولا يتدخل التوليف للتأثير على الإيقاع المختار للفيلم. على ذلك، تبرع كل تلك العناصر في تشييد عمل إبداعي متآلف: الموضوع هو الفن والهدف هو الفن أيضاً.
ِعرض خاص
Oppenheimer***
إخراج: كريستوفر نولان | الولايات المتحدة | 2023
بينما كان المحيطون بروبرت ج. أوبنهايمر يتساءلون، حسب فيلم كريستوفر نولان الجديد «أوبنهايمر»، عن احتمالات الاكتشاف النووي الذي قام أوبنهايمر به، نطق هذا بالكلمة المرعبة The Bomb. وحين يتم إجراء التجربة الأولى يصف أوبنهايمر المشهد بقوله: «الآن أصبحت الموت» (Now I have become death). أمر مخيف بحد ذاته أن يدرك أحد أنه نجح في صنع أداة موت غير مسبوقة. أكثر إثارة للخوف أن تكون هذه الأداة بحجم القنبلة النووية.

في كل الحالات، فيلم نولان مدروس بغاية تقديم سيرة حياة عالم الفيزياء الشهير الذي لُقّب بـ«أبو القنبلة الذريّة»، الذي نراه في مطلع الفيلم وهو دائم التأمل بالكون المحيط رابطاً معطياته بعلم الفيزياء. هو الأسبق بين الطلاب في مجال استيعاب ما يتعلّمه، وهو الأكثر علماً ومعرفة عندما بدأ يعلّم. لا يهمه كثيراً أن تلامذته ينظرون إليه كما لو أنهم لا يفقهون الكثير من قوله، فهو يفهم ما يقول ونراه يرسم الخطوط ويكتب الشيفرات الفيزيائية بسرعة تنم عن تلك المعرفة كما لو كان وُلد بها.
فيلم نولان يتمتع بخاصّتين: دراسة شاملة عن الموضوع وشخصه مستلهمة من كتاب وضعه مارتن شاروين وكاي بعنوانAmerican Prometheus)) سنة 2005 اللذان سجّلا فيه معظم ما قام نولان بتحويله إلى فيلم مفصلي ومهم. الخاصّة الثانية هي أن المخرج اهتدى للممثل الذي سيقوم بدور شخصية العالِم وهو سيليان (وليس كيليان كما أورد البعض) مورفي. في هذه النقطة، لم يكن ينفع أن يقوم روبرت داوني جونيور أو مات دامون (وكلاهما يمثلان في هذا الفيلم) بتشخيص أوبنهايمر، فكما كان أوبنهايمر في الثلاثينات جديداً على بيئته ومحيطه كان على الممثل الذي سيقوم به أن يكون بدوره جديداً في بيئته ومحيطه، رغم أن مورفي لعب أدواراً عديدة من قبل. مما جعله مناسباً ليس حنكته كممثل فحسب ولا كيفية إدارته فقط، بل حقيقة أنه ليس بعد النجم الذي تستطيع أن تدرك حدوده في الأداء أو تتعوّد على نمط معهود.
أوبنهايمر، كما يؤديه مورفي بإرشاد واضح من المخرج، رجل خافت الصوت حين يتكلم. مخلص في نظرته للأمور. شغوف. ومختلف عن الصورة التقليدية للعلماء. قريب كشخص من معظم الناس. لكنه بعيد عنهم بعلمه. على هذه الحسنات، قد يكون كذلك إنساناً مخادعاً لا يمكن الركون إليه. علاقاته العاطفية فاشلة، إذ تزوّج وطلّق مرتين ونتعرف على هذا الجانب منه وهو يخون زوجته كيتي (إميلي بْلنت) مع الدكتورة جين تاتلوك (فلورنس بو). هناك شيء من الصبيانية المرتسمة على وجهه في حالاته العاطفية. إنه كما لو أن نولان لا يود من مشاهديه كره هذا الرجل الذي دفع باتجاه ولادة القنبلة النووية. لا يريد إدانته ولو أنه لا يعمد - بالطبع - إلى رسم صورة تجميلية لامعة له.
يندرج تحت هذا الوضع حقيقة أن الفيلم يوفر لأوبنهايمر صورتين على شيء من التناقض غير المقصود: هو معادٍ للفاشية وشيوعي الميول. ليس هناك ما يوضح هذا الموقف لكننا سنرى أوبنهايمر يدافع عن نفسه أمام المحكمة التي نظرت في أمر ميوله السياسية في الخمسينات (معبّر عنها بالتصوير الأبيض والأسود) مؤكداً أنه لم ينضم للحزب الشيوعي. الامتداد الآخر لهذا التناقض لا يتعلّق بإذا ما كان شيوعي الهوى أم لا، بل بحقيقة أن الشاب المعادي للفاشية اندفع قُدماً لصنع قنبلة لا يمكن لأحد استخدامها إلا تبعاً لموقف فاشي حاد. ليس من واجب الفيلم الإجابة عن هذا التناقض، لكنه كان سيحقق نقطة إيجابية كبيرة لو فعل.
موقف العالِم في الخمسينات إزاء إلقاء القنبلة النووية فوق هيروشيما وناكازاغي معبّر عنه بقدر من التبرير بأنه كان يرغب في تأسيس رابطة دولية لمنع تكرار الحل النووي. على أن هذا التبرير يأتي بالحوار في حين يكتفي الفيلم بوجه مورفي لكي يعبّر عن صدمته إزاء الدمار الهائل الذي سببته القنبلتان النوويتان فوق المدينتين اليابانيّتين. هل كان ماهراً في كل شيء علمي باستثناء توقعاته بحجم الكارثة؟ في الوقت ذاته، كان يدرك أن إلقاء القنبلة فوق اليابان كان لإخافة الروس.
اتضح الجزء الخاص بالرغبة في استخدام «النووي» لإخافة الروس في فيلم ستيف جيمس التسجيلي A Compassionate Spy حول الجاسوس الذي كان يعمل في المختبر النووي الذي كان أوبنهايمر يشرف عليه، الذي صرّح في الفيلم (من إنتاج 2022) بأن البيت الأبيض كان يعلم بأن اليابان طلبت مفاوضات سلام قبل إلقاء القنبلة عليها لكن البيت الأبيض أراد إرسال تحذير للعدو السوفياتي على صورة استعراض لما تملكه من قوّة.
يرد بعض ذلك بالسرعة ذاتها التي يمر فيها الفيلم منتقلاً بين شخصياته وأحداثه. أسلوب نولان هنا ربما استند إلى إدراكه بأنه يريد أن يعرض الأكثر في الفترة الزمنية المحددة. كذلك بالرغبة في عدم إثارة الملل بين مشاهديه كون المادة المطروحة بالغة الجدية وأي معالجة أخرى قد تميد بحساباته المادية. هذان الاحتمالان يمكن تخمينهما حسب دلالات موزعة لكن التأكيد عليهما أمر آخر علماً بأنه في أفلام نولان السابقة، كل من جدية الموضوع والجاذبية الترفيهية في طرحه يتلازمان بنجاح كما في هذا الفيلم.
دقة الجوانب التاريخية ليست هي الموضوع هنا. العنوان العريض لتاريخ أوبنهايمر ومواقفه ولتاريخ النازية والحرب العالمية الثانية واضطهاد اليهود ثم الحرب الباردة والمكارثية كلها أمور حقيقية. لكن بعض التفاصيل تأتي مثيرة للتعجب مثل إذا ما كان أوبنهايمر من النبوغ بحيث تعلّم فعلاً اللغة الهولندية في ستّة أسابيع ليس كمبادئ ومفردات فقط، بل لدرجة التعبير وإلقاء المحاضرات العلمية بها، كما يدّعي الكتاب وبعده الفيلم.
لا غبار على أن «أوبنهايمر» كفيلم مُنفّذ بمهارة في غالبية تفاصيله وعناصره. ولا غبار كذلك على أن موقف الفيلم من المكارثية معاد لها (وهناك مشهد الكارثة النووية مجسّداً بنظام Imax المذهل تأكيداً للصدمة)، لكن فيما عدا ذلك ليس هناك رغبة في اتخاذ موقف ضد أوبنهايمر نفسه.
على ذلك، لا يمكن النظر إلى الفيلم فنياً إلا بالتقدير الكبير الذي يستحقه نولان. العمل متمكن في معظم عناصره الفنية والإدارية، وخارق في منحاه كبيوغرافي لشخصية معقّدة في زمن ماضٍ معقد، تماماً كالزمن الحاضر.
عروض عالمية.
ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****





