أكاديميات ومعاهد تقفز فوق أسوار كليات الإعلام اللبنانية

انتشارها والدورات الخاصة أثار جدلاً واسعاً

من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
TT

أكاديميات ومعاهد تقفز فوق أسوار كليات الإعلام اللبنانية

من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)

تبرز أخيراً على الساحة الإعلامية اللبنانية أكاديميات ومعاهد ودورات تدريبية خاصة، بينها ما يعود إلى محطات تلفزيونية وأخرى إلى منظمات غير حكومية (NGO). هؤلاء اللاعبون يقدّمون دورات تدريبية في كيفية ممارسة مهنة الصحافة، ويلقنون محبيها وضمن صفوف منظمة، تقنيات الإعلام الحديث. وبعيداً عن نظريات مناهج كليات الإعلام الجامعية، يزوّدون هواة المهنة بما يعدّونه مفاتيح النجاح.

البعض يركّز على تعليم التقديم الإذاعي والتلفزيوني، وأصول تحرير النشرات الإخبارية والتقارير وتقديمها. والبعض الآخر ينطلق من قواعد ممارسة المهنة بمصداقية وأصالة، فيركّز على كيفية «صناعة» الخبر الصحيح، وأدوات تسهيل التحرير، وصولاً إلى موضوع سلامة الصحافيين في ظل تغطيتهم الميدانية لمواضيع الحروب، ووسط كل هذا ثمة مَن يذكّر بأهمية الشفافية بوصفها عنصراً أساسياً في صناعة الخبر وتقديمه.

جاد شحرور (الشرق الاوسط)

حرب باردة

طفرة الأكاديميات والمعاهد والدورات الخاصة تكبر يوماً بعد يوم، ويجري الترويج لبعضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية. وكما سبق، فإنها تجتذب العاملين في هذه المهنة، وأيضاً مَن هم خارجها، ممّن يتوقون لدخولها عبر الشاشة أو الصحيفة.

من جانب آخر، لا تحظى هذه الظاهرة بإجماع إيجابي، بل تستفزّ أحياناً «الكادر» الإعلامي الرسمي، وفي مقدّمهم كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية؛ إذ إن الطريق طويل وشائك ويتطلّب سنوات من التخصص، وبالتالي، لا يمكن اختصاره في بضع دورات تمتد لأشهر قليلة. وبحسب أحد الأساتذة في كلية الإعلام فإن هذه المعاهد والدورات «تقفز فوق أسس التعليم الرسمي ونظرياته».

ويعتبر خرّيج كلية الإعلام طريقه أسهل من غيره، والدليل على ذلك هو «الكادر» التدريبي في هذه المعاهد. فهو يتألّف من أصحاب الشهادات في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وعليه من الضروري السير في طريق ممارسة المهنة من ألفها إلى يائها، ولا يجوز الانطلاق في المهنة من نهايتها... أي بالصفوف التدريبية.

من جانبهم، يرى المسؤولون عن تنظيم الدورات التدريبية الخاصة بأن مهمتهم أساسية. وأن هناك حاجة ماسة لفتح أبواب تدريب تسمح بتطوّر المهنة، في غياب عدد كبير من المواد التطبيقية في كليات الإعلام.

د وفاء ابو شقرا (الشرق الاوسط)

محاولة التفاف على دور كلية الإعلام

الدكتورة وفاء أبو شقرا، رئيسة مركز الأبحاث في كلية الإعلام بالجامعة اللبنانية والأستاذة الخبيرة، تعدّ الموضوع برمّته «مستفزّاً»؛ إذ ترى فيه «محاولة التفاف» على كلية الإعلام ودورها في مهنة الصحافة. وتوضح: «عندما ننتمي إلى مؤسسة إعلامية معيّنة تختلف معايير المهنة، ويصبح العامل فيها مقيداً بهويّتها السياسية والاجتماعية».

وتضيف أبو شقرا، في لقاء مع لـ«الشرق الأوسط» شارحة: «من وجهة نظري، أرى أن تلك المعاهد تقوم بمهمة ليست من اختصاصها. فهي تعتدي على دور كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية... ومن الأهمية بمكان الاطّلاع على السياسة التدريسية المتّبعة في تلك الدورات. فهل هي مطابقة للمعايير المطلوبة؟ في نظري ثمة محطات تلفزة يجب أن تقفل أبوابها؛ لأنها لا تحاكي المستوى الإعلامي المطلوب. وبالتالي، فإن المدرّبين أنفسهم فيها، يجب أن يخضعوا لدورات. باختصار، ما نراه اليوم في هذا الصدد هو بمثابة موضة كل يرتدي أزياءها على طريقته».

حسين الشريف (الشرق الاوسط)

مجلس إعلامي متخصص للتحكيم

في المقابل، يرى اختصاصيون وخبراء في مجال الصحافة أن تاريخ وسيلة إعلامية، هو الذي يحدّد إمكانية تنظيمها هذا النوع من الدورات. فعندما نذكر دورة تطلقها الـ«بي بي سي» (هيئة الإذاعة البريطانية)، أو أي وسيلة عريقة مثلها، نقرّ بأن من حقها القيام بهذه المهمة. ولذا لا بد من تأسيس «مجلس إعلامي» تمرّ من خلاله تراخيص الجودة قبل تنظيم الدورات التدريبية. أما ما نراه اليوم فهو أشبه بلعبة تجارية يروّج لها أصحاب هذه الدورات عبر شاشاتهم ومواقعهم الإلكترونية؛ لأن اكتساب مهارات المهنة لا يُبنى على الدولارات. ثم إن لدى كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية مجموعة من الخبراء المتخصصين الذين يشرفون على المواد التطبيقية في منهجها، وكل ما يحصل خلاف هذه القاعدة أمر غير سليم.

حان وقت التعاون

غدي بو موسى، مذيع الأخبار في قناة «الجديد»، لديه رأي في هذا الموضوع. وهو من باب حمله شهادات عليا في الإعلام وكونه أحد المدرّبين في «مركز (تلفزيون) الجديد الإعلامي» يقول: «هذه الدورات، من دون شك، لا تعوّض عن الاختصاص الجامعي في الإعلام، ولكن يمكنها بنظري أن تكمّل ما بدأ هناك. وهناك مواد تطبيقية كثيرة يحتاج إليها الإعلامي. في الإعلام المرئي مثلاً، لا تحضر في المنهج التطبيقي للجامعة. وعليه، يجب تنظيم منهاج علمي يوفّق بين الجهتين، ويصار إلى دمج النظري بالتطبيقي». ويتابع بو موسى: «من خلال خبرتي الدراسية والعملية لاحظت وجود هوة بين الشقين الأكاديمي والتدريبي، لذا لا بد من التعاون بين الطرفين لاكتمال الحلقة. ولا يجوز أن تبقى المهنة منقسمة على نفسها بين جيلين. الاختصاص الجامعي والدورات التطبيقية هما بالأهمية عينها... والصحافي بحاجة إلى هذه الدورات لصقل مهنته بالمعرفة اللازمة لممارستها على الأرض».

غدي بو موسى (الشرق الاوسط)

مهمة تعزيز المهارات

جدير بالإشارة أن الدورات التدريبية الإعلامية تنشط في الفترة الأخيرة ضمن برامج تطلقها منظمات غير حكومية (NGO). وغالبية المدرّبين فيها هم خريجو كليات الإعلام، وفي مقدمها الجامعة اللبنانية، ولقد ازداد انتشارها بُعيد عام 2019. قبل ذلك التاريخ، شهد القطاع تدهوراً وتراجعاً ملحوظين، لا سيما فيما يخصّ الأجور التي يتقاضها الصحافيون. وكان بين المواد التي تتضمّنها المناهج تلك المتعلقة بالتقارير الاقتصادية والمالية والحوكمة. وكذلك التي تتعلق بالصحافة البنّاءة، ولإيجاد حلول معمقة لمشاكل بيئية واقتصادية، وفتح حوارات قيمة بين المسؤول والمواطن.

في حين تهتم منظمات أخرى بتطوير المهنة وتحديثها لمواكبة العصر، وبينها المتعلقة بكيفية العمل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهي تأخذ بعين الاعتبار علاقة المهنة بالأخلاقيات، وتعلم معايير الخبر واختيار المصادر ذات مصداقية معروفة بعيداً عن الأخبار المغلوطة.

لكل دورة جمهورها!

جاد شحرور، المدرّب والمسؤول الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز) قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «هناك مسؤولية تقع على كليات الإعلام، وعلى معاهد التدريب عامة، وعلى أن أي شخص يتعاطى في القطاعين من متلقٍّ أو أستاذ، أن يمتلك خلفية تخصصية غنية». ويتابع: «ما لا يعرفه كثيرون هو أن الإعلام صناعة، وهذه الصناعة يلزمها الحرفية وتحتاج لسوق تتلقّفها. وفي القطاعين هناك من يذهب نحو مناهج وأهداف ومواضيع غير قيّمة. شخصياً، أرى ارتباطاً مباشراً بين القطاعين، فأحيانا الجامعات تزوّدنا بكل الأمثلة الرائعة حول المهنة... ولكن عندما يبدأ خريج الإعلام في العمل على الأرض يصدم بواقع عمل مغاير».

ويوضح شحرور: «في الجامعات مواد كثيرة مغيّبة عن منهجها. كما أن المعاهد تأتي أحياناً بديلاً عن كلية الإعلام بسبب ميزانيات الطالب التعليمية. ومرات بسبب غياب الفكر العملي (بيزنس) عن منهجها، وكيفية ربطه بالمحتوى الإعلامي». ويستطرد أن «دوراتنا مجانية وتجتذب طلاباً من جامعات مختلفة، وكذلك صحافيون يرغبون في تعزيز قدراتهم ومهاراتهم. بل أحياناً تشمل مديري تحرير ومؤسسات إعلامية. فلكل تدريب جمهوره تحت عنوان: من يستهدف؟ ولماذا؟».

التعاون مع الجامعات

ختاماً، تعدّ مؤسسة «مهارات» مؤسسة غير حكومية تُعنى بقضايا الإعلام وحرية الرأي العام والتعبير، وتنظم دورات تدريبية من خلال منظومة كاملة. ويقول حسين شريف، الصحافي والباحث في المؤسسة المذكورة: «هذه التدريبات تزوّد طلاب الصحافة بمهارات سوق العمل، ومن خلالها يحصل على فرص عمل أوسع. في الماضي كانت التدريبات تقتصر على أيام قليلة، إلا أننا طوّرناها عبر تسليم الطلاب مواضيع تدريبية تكون مواد تطبيقية وعملية في آن معاً. وتستغرق الدورة التدريبية 6 إلى 9 أشهر، وهي تتوج بشهادات من مؤسسة «مهارات».

ويردف: «نحن منفتحون على جميع الجامعات، وهناك تعاون دائم بيننا. نستعين بخبراتهم والعكس. بعض طلابنا يقدمون شهاداتنا للوسيلة الإعلامية التي ينضمون إليها كورشة عمل، ولدينا اتفاقيات تعاون مع منظمات ومؤسسات عربية وأجنبية، وتبادل هذه الخبرات يجري في صفوف عندنا أو في حرم الجامعات، ونشارك مرات في متابعة سن قوانين الإعلام، والتشريعات المتعلقة بالانتخابات النيابية ودور المرأة فيها. ولدينا دورات تتعلق بنشرات الأخبار وسلامة الصحافي وطبابته. جميع دوراتنا مجانية وتكون بمثابة فترة عمل واستكتاب وتدريب في آن، وتشمل القطاع التقني والإلكتروني والـ(سوشيال ميديا)».


مقالات ذات صلة

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

إعلام جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي،

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»،

إيمان مبروك (القاهرة)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون تونسيون وسط العاصمة (إ.ب.أ)

تونس: نقابة الصحافيين تدين استهداف الإعلاميين بعد الحكم بسجن صحافي عامين

أصدرت محكمة تونسية حكماً بسجن الصحافي غسان بن خليفة لمدة عامين، ​في أحدث إجراء قضائي ضد صحافيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
إعلام فون در لاين (تاس)

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة،

شوقي الريّس (بروكسل)
إعلام شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة،

إيمان مبروك (القاهرة)

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.