«منتدى مصر للإعلام» يحذر من الانزلاق نحو «عالم بلا صحافة مؤسسية»

رئيسته قالت لـ «الشرق الأوسط» إن حرب غزة «جلبت الكابوس»

نهى النحاس أثناء إلقاء كلمتها بالجلسة الافتتاحية للمنتدى (الشرق الأوسط)
نهى النحاس أثناء إلقاء كلمتها بالجلسة الافتتاحية للمنتدى (الشرق الأوسط)
TT

«منتدى مصر للإعلام» يحذر من الانزلاق نحو «عالم بلا صحافة مؤسسية»

نهى النحاس أثناء إلقاء كلمتها بالجلسة الافتتاحية للمنتدى (الشرق الأوسط)
نهى النحاس أثناء إلقاء كلمتها بالجلسة الافتتاحية للمنتدى (الشرق الأوسط)

النحاس: لكل منتدى عربي نكهته الخاصة لا سيما أن المنتدى الإعلامي انعكاس للمجتمع الذي يقام فيه ومرآة لقضاياه

جاء «منتدى مصر للإعلام»، الذي عُقد في القاهرة أخيراً، ليدق ناقوس الخطر، ويثير تساؤلات حول مستقبل العالم «حال تُرك بلا إعلام». ويصدق هذا الواقع مع تصاعد الانتقادات لأداء الإعلام المؤسسي في تغطية الحرب على غزة، بالتوازي مع اتساع مساحة دور منصات التواصل بوصفها مصادر للمعلومات، لا سيما وقت الحروب والأزمات.

في حوار مع «الشرق الأوسط» حذّرت نهى النحاس، رئيسة «منتدى مصر للإعلام»، من «خطورة الانزلاق نحو عالم بلا إعلام وصحافة مؤسسية». وقالت: «لا يمكن تحمل نتائج وجود مثل هذا العالم»، إلا أنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن «هذا الاحتمال يتعزّز كلما فقدت صناعة الإعلام اتجاهها على الصَعود المهني، أو أخفقت في تطوير نماذج أعمال قادرة على تحقيق الاستدامة».

كان هذا هو الدافع الرئيسي في اختيار عنوان النسخة الثانية من «منتدى مصر للإعلام»، ليكون «عالم بلا إعلام». ووفق النحاس: «وُلدت الفكرة قبل حرب غزة، بهدف مناقشة سؤال مركزي مفاده: ماذا لو تُرك الجمهور بلا إعلام مؤسسي يعتمد معايير التحقق وتدقيق المعلومات؟ ماذا لو تُرك الجمهور لمنصات التواصل ومنشورات غير موثوقة؟».

وحقاً، جاءت حرب غزة «لتعزز هذه الأسئلة، وتزيد حضورها مع ما شهده العالم من تراجع في الأداء المهني لمؤسسات إعلامية كبرى»، حسب النحاس التي ترى أن «حرب غزة جلبت كابوس سقوط الإعلام المؤسسي في فخ اللامهنية، تاركاً الساحة لمنصات التواصل ولمصادر غير موثوقة لتُشكّل الوعي الجمعي».

وأضافت رئيسة «منتدى مصر للإعلام» أنه «بينما تزداد حدة الحروب والنزاعات والجوائح والكوارث الطبيعية، تتعاظم الضغوط على الممارسات الإعلامية الاحترافية الجادة. ومع تزعزع ثقة قطاعات واسعة من الجمهور العالمي في أداء الإعلام المؤسسي، تخفق وسائط التواصل الاجتماعي، رغم ما تشهده من رواج وتأثير، في التمتع بقدر مناسب من المصداقية».

النحاس تنبّه إلى «ازدياد المخاطر بشأن مستقبل الإعلام ووجوده؛ بسبب تراجع الثقة المُطرد»، لافتة إلى معضلة أخرى تكشفها دراسات عدة صدرت أخيراً تتحدث عن «زيادة مؤشرات تجنب الأخبار منذ (كوفيد-19)». وحقاً، رصد تقرير معهد «رويترز» السنوي حول الإعلام الرقمي، الصادر في يونيو (حزيران) الماضي، «انخفاضاً مستمراً في التفاعل النشط مع الأخبار على منصات التواصل». وأكد ما سبق أنْ رصدَه في تقرير سابق من أن «أربعة من كل عشرة أشخاص صاروا يتجنبون الأخبار؛ لأنها تؤثر سلباً في مزاجهم»، كما أكدت تقارير عدة «تراجع معدلات الثقة في الإعلام».

ولذا، على مدار يومين بحث «منتدى مصر للإعلام» هذه المخاطر، في محاولة للتوصل إلى السبل التي يمكن من خلالها استعادة الثقة في وسائل الإعلام المهنية، وضمان استدامة أدائها، عبر الابتكار والحوكمة ومبادرات توليد العوائد.

جانب من فعاليات "منتدى مصر للإعلام" (الشرق الأوسط)

حلم سنوات عدة

حلم عقد منتدى عن الإعلام في مصر راود النحاس سنوات عدة تجاوزت العشر سنوات، لا سيما أنها كانت «تحرص» على حضور المنتديات الإعلامية في دول عدة حول العالم، تشارك في مناقشاتها، وتحضر جلساتها وورشها التدريبية. وهنا قالت: «كانت المنتديات الإعلامية تثري تكوينها المعرفي، وتدفعها للتساؤل عن سبب عدم وجود منتدى إعلامي في مصر، بتاريخها الكبير والممتد في مجال الإعلام والصحافة».

النحاس أكدت «أهمية» منتديات الإعلام العربية والأجنبية في تكوين المعارف المهنية، وتطوير العمل الصحافي والصحافيين أنفسهم. وقالت إنها «فرصة للاحتكاك والتعرف على الجديد في عالم الإعلام»، لا سيما لأولئك الذين لم تتح أمامهم فرصة السفر، للاطلاع على الجديد في المهنة، ولذلك سعت لإنشاء نسخة مصرية تناقش قضايا الإعلام الحالية، وتسهم في تدريب الشباب.

من ناحية ثانية، أشادت النحاس بالمنتديات العربية التي تصفها بـ«الناجحة»، وتقول إن «لكل منتدى عربي نكهته الخاصة، لا سيما أن المنتدى الإعلامي هو انعكاس للمجتمع الذي يقام فيه ومرآة لقضاياه ورؤيته لحلها، وإن تشابهت المهنة ومعاييرها وقواعدها، ما يضفي أهمية على وجود منتديات متعدّدة، لكلٍ شخصيته وهويته ودوره في إثراء المهنة وتطوير أداء العاملين بها».

من هذا المنطلق، لا تعتقد النحاس بوجود «فجوة» بين المنتديات العربية ونظيرتها الأجنبية، وإنْ أشارت إلى «زيادة مساحة المناقشات الحرة في المنتديات الغربية التي عادة ما تعكس الواقع السياسي لمجتمعاتها». وحقاً، فإن قضايا المهنة هي الهَمُّ الشاغل للنحاس ولـ«منتدى مصر للإعلام»، الذي يحرص على تقديم جرعات متنوعة من المناقشات وورش العمل بهدف «إنشاء جسر يجمع إعلام الشرق والغرب».

غير أن تركيز نهى النحاس على المهنة وقضاياها لا يعني الابتعاد عن الواقع السياسي في المنطقة، حيث فرضت الحرب الإسرائيلية على غزة حضورها في أجندة النسخة الثانية من «منتدى مصر للإعلام»، وأكدت أنه «حتى عند التطرق لقضية سياسية مثل الحرب على غزة، فالمناقشات كانت تتعلق بالمهنة وانعكاسات الحرب عليها». ومن ثم، قالت إن الحرب على غزة حدث مهم أثر في الجميع وألقى بظلاله على المهنة، وفرض تحديات وإشكاليات وقع فيها الإعلام وكان لا بد من مناقشتها، لا سيما أن «وسائل إعلام تموضعت، بوصفها نماذج ومدارس مهنية، سقطت في اختبار تغطية الحرب على غزة، وظهرت بوصفها وسائل غير مهنية».

حول تغطية غزة

هنا لا ترى النحاس أن المشكلة تكمن في انحياز مؤسسة أو وسيلة إعلام لطرف من طرفَي الصراع على حساب الآخر، بل في «عدم إعلانها لهذا الانحياز، وتقديمها أنماطاً غير مهنية ورؤية مشوّشة لما يحدث في غزة، وصلت حد تبرير انتهاكات حقوق الإنسان في بعض الأحيان»، محذرة من «اندماج الانتماءات السياسية في العمل الإعلامي لما لذلك من تأثير على مصداقية الوسيلة وثقة الجمهور فيها».

وحسب النحاس، لا يعني هذا «حظر وجود إعلام يعبّر عن آيديولوجية أو حزب سياسي معين»، فهذا «أمر مقبول ووارد»، لكن شريطة أن «تعلن المؤسسة انحيازاتها وانتماءاتها السياسية، لا أن تقدم نفسها نموذجاً مهنياً، ثم تعمد للدفاع عن طرف ضد آخر، وتشويه طرف لصالح آخر».

وبالفعل، شهدت الفترة الأخيرة انتقادات لمؤسسات إعلامية كبرى اتُّهمت بتخليها عن المعايير المهنية. إذ وصفت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) متظاهرين داعمين لفلسطين في لندن بأنهم «داعمون لحماس»، ثم ما لبثت أن اعتذرت عن ذلك. كذلك روجت وسائل إعلام غربية بينها «سي إن إن» شائعات «إقدام حركة حماس على ذبح أطفال»، وهذا الادّعاء كرره الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه، ما دفع البيت الأبيض لإصدار بيان أشار فيه لـ«تلك المعلومة غير دقيقة».

من هنا، ترى نهى النحاس أن المهنية هي السبيل لاستعادة الثقة، وتؤكد دوماً أن «كل شيء يبدأ وينتهي عند الجمهور»، الذي تعدّ أنه لا بد من دراسته وتحليل أنماطه الاستهلاكية وتفضيلاته لوضع استراتيجية عمل مهنية قادرة على جذبه واستعادة ثقته.

وتطرقت نهى النحاس إلى التاريخ الممتد للإعلام العربي. وهنا تتساءل عن سبب قلة فعاليته في التأثير على نطاق عالمي، بالقول: «للأسف هناك فراغ يتيح للإعلام الغربي أن يكون ساحة لعرض ومناقشة قضايا المنطقة»، إلا أنها لا تزال مؤمنة بأن الإعلام العربي «قادر على وضع معاييره الخاصة وتأسيس مدرسته المهنية اعتماداً على تاريخه الطويل، والأهم التزامه بالمعايير المهنية».

الإعداد للنسخة الثالثة

ومع إعلان نهاية النسخة الثانية من «منتدى مصر للإعلام» بدأت النحاس على الفور الإعداد للنسخة الثالثة، التي تعد بأن «تكون مختلفة شكلاً وموضوعاً، وتضم أنشطة ذات طابع خاص، مع إتاحة الفرصة لمشاركة طلبة من المنطقة العربية وأفريقيا».

أيضاً يسعى المنتدى لإطلاق جائزة باسمه في الدورة المقبلة، تقول النحاس «إن التخطيط لها بدأ في 2023، لكن رغبتها في الإعداد لها بشكل مبدع لابتكار اتجاهات جديدة، أجّلت الإعلان عنها». مع هذا وعدت بأن يشهد عام 2024 إطلاق جائزة «منتدى مصر للإعلام».

التدريب أيضاً يعدّ شاغلاً أساسياً للمنتدى، حيث تُقام ضمن فعالياته ورش تدريبية في مجالات عدة. وتوضح النحاس أن ما «قدمه المنتدى مجرد نبذة سريعة عن أهم التطورات في صناعة الإعلام تفتح آفاق الصحافيين للتبحر في المزيد». وأن «فلسفة التدريب أكثر عمقاً، ويجب أن تُبنى على استراتيجيات واضحة قائمة على فهم احتياجات السوق والجمهور وتحديد أهداف المؤسسات الإعلامية من التدريب». وتلفت النحاس إلى أنه في «إطار المنتدى تُعقد دورات تدريبية على مدار العام في مصر ودول عربية عدة، بالتعاون مع مؤسسات الإعلام بتلك الدول».

النحاس تتوخى أن «يكون منتدى مصر للإعلام نقطة تلاقٍ حقيقية بين إعلام الشرق والغرب، لعرض تجارب الجانبين وفتح حوار حقيقي بين الصحافيين». وتوضح أن «جزءاً من هذا الهدف تَحقَّق بالفعل في النسخة الثانية، حين تحاور الضيوف في أروقة المنتدى حول الحرب في غزة، فاتفقوا على بعض الأشياء واختلفوا على الآخر... لكن يبقى هدف المنتدى أن يتوسع في استضافة أفكار وتوجهات مختلفة، ويتسع للجميع ليكون بحق جسر تواصل بين صحافيي مصر والمنطقة والعالم، يرسخ أسس المهنية، ويرفع شأن الإعلام المؤسسي».


مقالات ذات صلة

التضخم يتسارع في مصر ويدفع أسراً لمزيد من التقشف

شمال افريقيا «سوق العتبة» الشعبي في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

التضخم يتسارع في مصر ويدفع أسراً لمزيد من التقشف

سجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي نحو 15.2 في المائة خلال مارس الماضي، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير.

رحاب عليوة (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من اجتماع الحكومة المصرية الخميس (مجلس الوزراء المصري)

مصر تخفف إجراءات «الإغلاق المبكر» حتى نهاية أبريل

قررت الحكومة المصرية تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» حتى نهاية أبريل الجاري، وهو ما أرجعه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إلى «تراجع أسعار الوقود عالمياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قبرص تعزز إمدادات مصر من الغاز الطبيعي باتفاق طويل الأمد (الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيغاس»)

قبرص تعزز إمدادات مصر من الغاز الطبيعي

تنتظر مصر إمدادات جديدة من الغاز الطبيعي عبر حقل «أفروديت» القبرصي بعد التوقيع على اتفاق تجاري لبيع كميات الغاز القابلة للاستخراج.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا انطلاق التدريب المصري - الباكستاني المشترك «رعد 2» في باكستان الخميس (المتحدث العسكري المصري)

مناورة عسكرية تعزز تقارباً مصرياً - باكستانياً برز خلال الأزمة الإيرانية

انطلقت، الخميس، فعاليات التدريب المصري - الباكستاني المشترك «رعد 2» بمشاركة عناصر من قوات المظلات المصرية والقوات الخاصة الباكستانية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا انتظام حركة الملاحة بقناة السويس بعد حادث حريق بإحدى السفن (هيئة القناة)

فقدان شخص وإصابة 3 في حريق بسفينة في قناة السويس

أصيب 3 أشخاص، من جراء حريق في إحدى السفن بقناة السويس، فيما لا تزال عمليات البحث جارية لإنقاذ شخص رابع ما زال مفقوداً، بحسب ما أعلنت هيئة القناة المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.