هل دفعت حرب غزة وسائل إعلام لتجاهل المعايير المهنية؟

هل دفعت حرب غزة وسائل إعلام لتجاهل المعايير المهنية؟
TT

هل دفعت حرب غزة وسائل إعلام لتجاهل المعايير المهنية؟

هل دفعت حرب غزة وسائل إعلام لتجاهل المعايير المهنية؟

مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، برز الإعلام لاعباً رئيسياً في المعركة، يُسهم في توجيه الرأي العام؛ للتعاطف مع طرف على حساب الآخر، مع اتهامات لبعض وسائل الإعلام بالتخلي عن المعايير المهنية للدفاع عن وجهة نظر معينة. وفي حين يشدد خبراء على أهمية الالتزام بمعايير التوازن والدقة في التغطية، فإنهم أيضاً يشيرون إلى «صعوبة ذلك في الحروب والأزمات؛ لا سيما أن القائمين على الإعلام بشرٌ لهم انحيازاتهم الشخصية التي تضاف إلى الانتماءات السياسية لتلك الوسائل».

وحقاً، شهدت فترة الحرب مواقف عدة، بيّنت كيف تفاعل الإعلام العربي والغربي مع الحرب على غزة. فمع بداية الحرب روّجت بعض وسائل الإعلام الغربية، بينها شبكة «سي إن إن»، شائعة «إقدام حركة (حماس) على ذبح أطفال»، حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه أشار إلى ذلك في إحدى كلماته، ما دفع البيت الأبيض لإصدار بيان أكد فيه أن «هذه المعلومة لم تكن دقيقة». كذلك اعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن وصفها متظاهرين داعمين لفلسطين في لندن بأنهم «داعمون لحماس»، كما أنها أوقفت 6 من صحافييها عن العمل، وأحالتهم إلى التحقيق بتهمة «التحيّز ضد إسرائيل». وبصفة عامة، ركّزت التغطية الإعلامية الغربية على «إدانة حماس»، وكان هذا سؤالاً أساسياً في اللقاءات التي أجروها، لا سيما مع المسؤولين العرب والفلسطينيين.

انفلات المشاعر

وبينما تعاطف الإعلام الغربي مع إسرائيل، و«انفلتت» مشاعرهم كما حدث مع مذيع «سي إن إن» أندرسون كوبر، الذي كافح دموعه خلال لقاء مع مواطنة إسرائيلية تتكلّم عن أفراد عائلتها الأسرى لدى «حماس»، كان «انفلات المشاعر» عاملاً مشتركاً في وسائل إعلام عربية عدة، لكن هذه المرة تعاطفاً مع الفلسطينيين؛ إذ دخل مذيع قناة «الغد» محمد عبد الله في نوبة بكاء على الهواء إبان تغطية استهداف إسرائيل قافلة نازحين من غزة، وكذلك بكت الإعلامية المصرية لميس الحديدي خلال برنامجها «كلمة أخيرة» تعليقاً على قصف المستشفى المعمداني.

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، انتقد خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أداء بعض المؤسسات الإعلامية، وقال: «للأسف الشديد هناك عديد من القنوات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي تبثّ أخباراً زائفة ومضلّلة للرأي العام». وأردف: «بثّ عدد من وسائل الإعلام أخباراً وصوراً منحازة لطرف ضد الآخر بعضها متعمد، والبعض الآخر بسبب تلقي المعلومات من مصادر مغرضة».

وتابع عبد الله بأن «هذا الدور الذي تؤديه بعض القنوات الإخبارية في الغرب يشوّه الحقيقة، ولا يعكس دور الإعلام في توصيل الأخبار إلى الرأي العام بنزاهة، ومن دون انحياز إلى طرف على حساب الآخر»، لافتاً إلى أن «بعض وسائل الإعلام الغربية فقدت مكانتها بسبب هذا التضليل والانحياز البعيد عن النزاهة». ويفسر الدكتور عبد الله أسباب انحياز الإعلام الغربي في متابعة الحرب على غزة بأنه «نتيجة لاتجاهات هذا الإعلام وهويته السياسية... وما يتم عرضه على الشاشات في الغرب يظهر انحيازاً متعمداً بصرف النظر عن حقيقة ما يحدث على الأرض، إضافة إلى الاعتماد على مصادر غير دقيقة في نقل الأحداث، وعرض تحليلات سطحية لا تأخذ في الاعتبار تاريخ القضية الفلسطينية المعقد». ثم يقول: «هذه التغطية المنحازة تجاهلت أن ما يحدث في غزة من قتل للأطفال والمدنيين يُعدّ كارثة إنسانية وانتهاكاً لقوانين ومعاهدات دولية، يجب على المجتمع الدولي ومنظماته الفاعلة التدخل لإيقاف هذه الكوارث».

تهميش المعلقين

وبالفعل، حذفت محطة «سي بي إس» الأميركية مداخلة للباحثة القانونية الفلسطينية الأميركية ومحامية حقوق الإنسان، نورا عريقات، في برنامج «برايم تايم»، التي أُذيعت في 12 أكتوبر الحالي، من الحلقة عند نشرها على «الإنترنت». ونقل موقع «جويش كارنت» الأميركي عن مصادر في المحطة، أن «الاتصال بنورا عريقات حصل لأن المحطة لم تستضف أياً من الضيوف الفلسطينيين منذ بدء أحداث غزة، لكن جرى حذفها في النهاية بسبب انتقاد نورا عريقات لتأطير المذيع تصرفات إسرائيل، وبأنها كانت عدائية للغاية». إلا أن نورا عريقات أفادت بأن المذيع وصف هجمات «حماس» بـ«الهمجية»، وأنها «طالبت باستخدام المصطلح نفسه لوصف ما تقوم به إسرائيل»، حسب «جويش كارنت».

ولفت الموقع إلى «تعرّض المعلقين الفلسطينيين إلى التهميش من شبكات إخبارية كبرى». وذكر أنه في يوم 13 أكتوبر الحالي تواصل أحد معدّي نسخة نهاية الأسبوع من برنامج «سي إن إن» الصباحي، مع يوسف منير، وهو كاتب ومحلّل سياسي أميركي من أصل فلسطيني، ودعاه للظهور على شاشة التلفزيون في صباح اليوم التالي. وبعد موافقة منير، وتحديد موعد المقابلة، تلقى مكالمة هاتفية من مُعد البرنامج الذي سأله عن نقاط الحديث المقررة. وعندما قال إنه يأمل في «رفع مستوى الوعي حول الفظائع الجماعية» التي تواصل إسرائيل ارتكابها في هجماتها على قطاع غزة، تلقى اتصالاً آخر بإلغاء الفقرة. والأمر ذاته تكرر مع عمر بدار، وهو محلل سياسي أميركي من أصل فلسطيني، وشبكة «سي إن إن» أيضاً، حسب «جويش كارنت».

تغطية إعلامية

بدوره، لفت وقار رضوي، الصحافي الكندي المتخصص في شؤون أخلاقيات الإعلام لـ«الشرق الأوسط»، إلى وجود تحيز متعمد من وسائل الإعلام الغربية في متابعة الحرب في غزة «بهدف دعم وجهة نظر جانبهم من العالم». ويصف رضوي التغطية الإعلامية للحرب بأنها «سيئة للغاية»، مشيراً إلى «قليل من الجهد المبذول من قبل وسائل الإعلام لوضع سياق لأسباب الصراع، فالحرب لا تحدث في فراغ، ولا بد من دراسة الحقائق التاريخية والطويلة الأمد على الأرض، وفهمها بوصفها العوامل الرئيسية المساهمة فيما يحدث الآن».

وهنا يؤكد رضوي أنه «من غير الأخلاقي بالنسبة للإعلام الاعتقاد ونشر الاعتقاد بوجود شعب وحشي وهمجي بطبيعته، بسبب دينه أو ثقافته أو غير ذلك... ويجب على وسائل الإعلام أن تسعى بموضوعية إلى فهم الوضع في غزة وبقية فلسطين، بدلاً من استضافة خبراء سياسيين لم تسبق لهم زيارة غزة، ويريدون فقط تضخيم جانبهم من القصة». ومن ثم يشدد على أن «ما يقدمه الإعلام الغربي حالياً هو حقيقة مشوهة، عندما يقال إنه من باب الهمجية البحتة فقط يهاجم أحد الطرفين الطرف الآخر. لقد ضاع السياق الدقيق أمام الدعاية والرقابة والنقد».

هذا الترويج لوجهة نظر طرف دون الآخر، ليس وليد اليوم، فقد رصدته المؤرخة مها نصار في عدد مجلة «972» عام 2020. وقالت إنه «منذ عام 1979 كان هناك 46 مقالة افتتاحية فقط من أصل 2490 مقالة في (نيويورك تايمز) تناقش فلسطين، كتبها فلسطينيون، و32 مقالة من أصل 3249 مقالة في (واشنطن بوست)».

تغطية الحروب

وبشأن إمكانية الموضوعية والحياد في تغطية الحروب والأزمات، قال رضوي: «لا يمكن لوسائل الإعلام أن تكون موضوعية في مثل هذه المواقف، إلا إذا جعلت هدفها أن تكون كذلك... ونظراً لأن معظم وسائل الإعلام لديها أجندات وانحيازات محددة، فإنها توظف فقط أولئك الذين سيقدمون تقارير تعكس هذه الانحيازات».

وفي ظل هذه الانحيازات، دعا يسبر هوغبيرغ، المدير التنفيذي لمؤسسة «آى إم إس» الدنماركية، وهي مؤسسة متخصصة في تقديم الدعم الإعلامي، في مقال نشره موقع المؤسسة في 17 أكتوبر الحالي، إلى «التزام الدقة والحياد والتوازن في متابعة ما يحدث في غزة». وقال إن «وسائل الإعلام كانت دائماً لاعباً رئيسياً في تشكيل الروايات حول النزاعات المسلحة، وإن الحرب الجارية في غزة تؤكد هذه الحقيقة مرة أخرى». ثم أشار إلى «المخاطر التي يواجهها الصحافيون في جميع أنحاء غزة حالياً، التي تهدد دورهم في توثيق الحقائق الحاسمة وتسليط الضوء على التكلفة البشرية للحرب». وحقاً، وفقاً للجنة حماية الصحافيين، فقد 15 صحافياً، من بينهم 11 فلسطينياً، حياتهم منذ 7 أكتوبر الحالي، مع «وجود مزيد من الجرحى أو المفقودين أو المحتجزين، وهو رقم سيستمر في الارتفاع في الأيام والأسابيع المقبلة»، بحسب هوغبيرغ.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».