«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

شاشة بزاوية 360 درجة تروي قصة الدرعية

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
TT

«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)

في ظل التحوّل الرقمي الذي تشهده عدة مدن حول العالم، باتت القصص الثقافية تجد لنفسها أشكالاً جديدة تتجاوز المتاحف والمعالم التقليدية. ففي مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحوّل أحد أكثر الفضاءات الرقمية تطوراً في لندن مؤقتاً إلى بوابة مفتوحة على قلب السعودية التاريخي. تجربة «رحلة من نور»، التي نفذتها شركة «بيكسل آرت ووركس» (Pixel Artworks) بالتعاون مع شركة الدرعية، أعادت تخيّل الدرعية التي تعد مهد الدولة السعودية الأولى وموقع التراث العالمي لليونيسكو عبر بيئة غامرة متعددة الحواس بزاوية 360 درجة في «أوترنت لندن».

استقطبت التجربة مئات الآلاف من الزوار يومياً، لتؤكد أن السرد الرقمي لم يعد مجرد عرض بصري باهر، بل أداة معاصرة للتواصل الثقافي. ورغم انسجام المشروع مع أهداف رؤية السعودية 2030 في الحضور الثقافي العالمي، فإن أهميته تكمن في كيفية توظيف التكنولوجيا ليس لإعادة إنتاج الماضي، بل لترجمة التراث إلى تجربة حية يفهمها جمهور عالمي في الزمن الحاضر.

استخدمت التجربة بيئة رقمية بزاوية 360 درجة لإعادة تقديم الدرعية كوجهة حية ومعاصرة لا كموقع تاريخي فقط (Outernet)

فضاء رقمي ضخم

احتضنت التجربة شاشة «ليد» بارتفاع أربعة طوابق (14.5 أي نحو متر) امتدت على مساحة تتجاوز 1200 متر مربع بدقة تفوق «16K». تميّز المكان بهندسة دائرية بالكامل، تدمج بين الصورة والصوت عبر أكثر من 200 مكبر صوت بنظام صوتي محيطي، إلى جانب جدران زجاجية متحركة وأنظمة روائح مدمجة لتعزيز الأبعاد الحسية. وفي هذا السياق، تصبح التجربة الغامرة ممارسة هندسية بقدر ما هي إبداعية.

ويشرح أليكس أبثورب، المدير العام لشركة «بيكسل آرت ووركس» في الشرق الأوسط، أن التحدي الأول لم يكن بصرياً، بل كان تشغيلياً. ويذكر خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن «أوترنت لندن يعمل كمنصة إعلامية حية، مع تعدد تدفقات المحتوى وتغيّر الجداول باستمرار، لذلك كان تأمين وقت كافٍ للمراجعة والاختبار من أكبر التحديات». ويضيف أن «المشروع كان استحواذاً كاملاً على جميع المساحات ضمن جدول زمني ضيق، ما جعل وقت الاختبار في الموقع محدوداً جداً».

ولمعالجة ذلك، لجأ الفريق إلى بناء التجربة كاملة داخل بيئة الواقع الافتراضي (VR). يقول أبثورب: «قمنا بنقل تجربة الدرعية كاملة إلى الواقع الافتراضي، ما أتاح للفريق التجول داخلها ومراجعة المحتوى كما لو كانوا موجودين فعلياً، وذلك قبل التركيب بوقت طويل».

هذا النهج قلّل المخاطر التقنية، وسمح بالتحقق من القرارات الإبداعية مبكراً، وهو أسلوب بات شائعاً في المشاريع الغامرة الكبرى، حيث يكون الوصول الميداني محدوداً.

ساهم التعاون الوثيق مع فريق شركة الدرعية في ضمان الدقة الثقافية ونقل روح المكان بأدق تفاصيله (Outernet)

شاشة بزاوية 360 درجة

تفرض البنية الدائرية لمساحة «أوترنت» متطلبات صارمة على المحتوى، إذ يجب أن يعمل بسلاسة من جميع الزوايا دون تشويه أو انفصال سردي.

وهنا شكّلت الشراكة الطويلة الأمد بين «Pixel Artworks» و«أوترنت» عنصر قوة حاسماً. فالشركة شاركت منذ بدايات المشروع في تحديد المواصفات التقنية للمكان. ويذكر أبثورب أن «البنية التقنية الكاملة للمكان مبنية بتصميم ثلاثي الأبعاد يتيح مراجعة المحاذاة والمقاييس وخطوط الرؤية عبر كامل الشاشة قبل إطلاق المحتوى، حتى لو كان كل عنصر مصمماً بشكل مستقل».

هذا الأسلوب سمح بتوحيد التجربة بصرياً وسردياً، رغم تعقيد التنفيذ وتعدد مكوناته.

دور الرسوميات الآنية

من أبرز القرارات التقنية في المشروع اعتماد «Unreal Engine» لتقديم محتوى مرسوم وآني في آن واحد، بدل الاكتفاء بمحتوى مُسبق التصيير. ويشير أبثورب إلى أن السبب لم يكن تقنياً فقط، بل كان زمنياً بالدرجة الأولى. ويضيف: «في هذا الحجم، كانت عمليات التصيير التقليدية ستبطئ الإنتاج إلى حد كبير».

تمكن فريق «بيكسل آرت ووركس» من تقليص زمن المعالجة بشكل جذري «باستخدام الرسوميات الآنية عبر (Unreal) حيث خفّضت زمن التصيير من نحو 90 ثانية إلى بضع ثوانٍ لكل تعديل». كما كان هذا الخيار ضرورياً لدعم المكوّن التفاعلي في التجربة، الذي يتطلب استجابة فورية لا يمكن تحقيقها عبر محتوى ثابت.

لعبت التقنيات المتقدمة مثل «Unreal Engine » والرسوميات الآنية دوراً محورياً في تنفيذ التجربة على نطاق ضخم (Outernet)

تجربة حسية متوازنة

تمثل البيئات الغامرة خطراً دائماً يتمثل في الإشباع المفرط للحواس، خصوصاً في فضاء ضخم مثل «أوترنت». ويؤكد أبثورب أن السيطرة على هذا التوازن كانت أولوية، حيث إن «ضخامة أوترنت قد تكون طاغية بحد ذاتها، لذا كان علينا أن نكون مقصودين ودقيقين في كل عنصر آخر». وجرى التعامل مع التجربة كما لو كانت معرضاً فنياً مفتوحاً إذ تتحول الشاشات إلى «سماء» سردية، فيما تستضيف الأرض عروضاً حية مثل رقصة العرضة، والخط العربي، والموسيقى التقليدية، والمأكولات السعودية. ويعدّ أبثورب أن «العروض الحية والقهوة والخط والتصميم الأرضي تحوّل المكان، بينما تصبح الشاشات أشبه بسماء تحمل وعد الرحلة أو الاستقرار أو الاكتشاف». وقد اعتمدت الحركة على الهدوء مع انتقالات مستوحاة من تعاقب أوقات اليوم في الدرعية، فيما استُخدم العود بوصفه عنصراً عطرياً داعماً لا مسيطراً. يعدّ أبثورب أن تمثيل موقع تراث عالمي لليونيسكو يحمل مسؤولية كبيرة. لكن «رحلة من نور» لم تسع إلى إعادة بناء الدرعية كما كانت، بل كما هي اليوم. وينوه بأن «السرد بشكل أساسي ركز على الدرعية الحالية، ودعوة الزوار لاكتشاف ما يمكنهم تجربته الآن، ومستقبلها القريب».

تعكس التجربة توجّهاً عالمياً جديداً نحو استخدام التكنولوجيا ليس لعرض التراث فقط بل لتحويله إلى تجربة معيشة (Outernet)

الدقة الثقافية عبر التعاون المحلي

لحماية الأصالة، جرى العمل بشكل وثيق مع أعضاء من فريق شركة الدرعية، من بينهم مختصون من أبناء المنطقة نفسها. ويضيف أبثورب أن «أعضاء من شركة الدرعية وبعضهم من أبناء المنطقة، لعبوا دوراً أساسياً في نقل روح المكان، من نقوش الأبواب وأنماط العمارة النجدية، إلى ألوان الطين والإضاءة والنباتات». هذا العمق الثقافي جنّب التجربة الوقوع في الرمزية العامة أو التبسيط المخل.

التركيز على الحياة اليومية

بدلَ تقديم التراث بوصفه ذكرى بعيدة، تبنّت التجربة سرداً معاصراً وهو أن «العدسة الإبداعية ركزت على الدرعية المعاصرة بتفاصيل الحياة اليومية ودفء المجتمع وسحر اللحظات الصغيرة».

وهكذا، ظهرت الدرعية كحيّ ثقافي حيّ، لا كمشروع نظري أو حلم مستقبلي. استقطب «أوترنت» في لندن مارة عابرين وجمهوراً ثقافياً متخصصاً على حد سواء. وبالنسبة لكثير من زوار المدينة، شكّلت التجربة أول احتكاك مع الدرعية حيث «كان الهدف تقديم الدرعية كوجهة حقيقية قابلة للزيارة، لا كمشروع بعيد أو نظري». ويرى أبثورب أن الذكاء الاصطناعي بات يسرّع كل مراحل الإنتاج الإبداعي، لكنه يشير إلى أن التحول الأعمق سيأتي من الحوسبة المكانية.

بهذا المعنى، لا تمثّل «رحلة من نور» مجرد عرض رقمي مؤقت، بل تمثل مؤشراً على مستقبل يمكن فيه للتكنولوجيا إذا استُخدمت بحس ثقافي دقيق أن تنقل التراث من الحفظ إلى المشاركة، ومن الجغرافيا إلى التجربة المعيشة.


مقالات ذات صلة

وزير الدفاع السعودي ونظيره المجري يبحثان تداعيات تطورات المنطقة

الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الدفاع السعودي ونظيره المجري يبحثان تداعيات تطورات المنطقة

بحث الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، مع نظيره المجري كريستوف سالاي  بوبروفينسكي، الأربعاء، التطورات الراهنة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تصاعُد الدخان من منطقة مطار الكويت الدولي بعد غارة جوية بطائرة مسيَّرة استهدفت مستودع وقود (أ.ب)

بيان عربي سداسي يُدين اعتداءات فصائل عراقية موالية لإيران

أدانت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن، الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وبدر عبد العاطي وأسعد الشيباني (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان يبحث مستجدات المنطقة مع عبد العاطي والشيباني

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة وتداعياتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السعودية: استمرار اعتداءات إيران سيكلفها ثمناً سياسياً واقتصادياً ويزيد عزلتها

السعودية: استمرار اعتداءات إيران سيكلفها ثمناً سياسياً واقتصادياً ويزيد عزلتها

جددت السعودية إدانتها الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت أراضيها وعدداً من دول «مجلس التعاون الخليجي»، إضافة إلى الأردن، مؤكدة أن هذه الدول ليست طرفاً في النزاع.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج تضمنت الإجراءات التمكين من المغادرة دون فرض رسوم أو غرامات (الجوازات السعودية)

السعودية تعالج أوضاع حاملي التأشيرات المتعذرة مغادرتهم جراء الأوضاع الراهنة

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، البدء في معالجة أوضاع حاملي تأشيرات الزيارة بأنواعها كافة، الذين تعذرت مغادرتهم بسبب الأوضاع الراهنة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.


«أوبن إيه آي» تقرر وقف تطبيقها «سورا» لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي

شعار شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لمنصة الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لمنصة الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» تقرر وقف تطبيقها «سورا» لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي

شعار شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لمنصة الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» المطوِّرة لمنصة الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» (رويترز)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، الثلاثاء، إغلاق تطبيقها «سورا» لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، بعد ستة أشهر فقط من إطلاق هذه البرمجية التي أثارت اهتماماً واسعاً.

وأعلنت الشركة عبر منصة «إكس» القرار قائلةً: «نودّع سورا»، مؤكدةً بذلك تركيزها على الأدوات الاحترافية تمهيداً لطرح أسهمها للاكتتاب العام في وقت لاحق من العام الجاري.

وأعلنت «ديزني»، إحدى كبرى شركات الإعلام والترفيه في العالم التي رخصت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي استخدام صور شخصياتها الكرتونية في تطبيق «سورا»، انسحابها من الشراكة، وفق مصدر معلومات أوردتها صحيفة «هوليوود ريبورتر» الاثنين، نقلاً عن مصدر مطّلع. كانت الشركة قد التزمت في مقابل هذه الشراكة باستثمار مليار دولار في «أوبن إيه آي».

ويمثل قرار وقف تطبيق «سورا» نهاية أحد أكثر منتجات الذكاء الاصطناعي الموجهة إلى المستهلكين استقطاباً للاهتمام الإعلامي العام الماضي، في وقت تعيد الشركة الأم لتطبيق روبوت الدردشة «تشات جي بي تي» تركيز جهودها على أدوات البرمجة والإنتاجية، وهو مجال تحقق فيه شركة «أنثروبيك» الأميركية المنافسة زخماً متزايداً.

شعار «تشات جي بي تي» وكلمة الذكاء الاصطناعي في رسم توضيحي (رويترز)

وأوضحت «أوبن إيه آي» أنها ستعلن قريباً عن الجدول الزمني لوقف تشغيل التطبيق الذي يتطلب موارد حاسوبية ضخمة، بالإضافة إلى الطرق التي تتيح للمستخدمين أن يحفظوا المحتوى الذي ولّدوه عبر «سورا».

يأتي هذا الإغلاق في وقت حرج بالنسبة إلى «أوبن إيه آي» التي يواجه نموذج أعمالها تدقيقاً متزايداً، إذ تتصاعد التكاليف بوتيرة أسرع بكثير من الإيرادات، رغم وجود نحو مليار مستخدم يومياً حول العالم.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن رئيس الشركة سام ألتمان، أبلغ الموظفين الثلاثاء، بهذا التوجه الجديد.

يأتي هذا الإعلان أيضاً بعد رسالة من فيدجي سيمو، رئيسة قسم التطبيقات في شركة «أوبن إيه آي» التي طلبت من فرقها في أوائل مارس (آذار) عدم تشتيت انتباههم بـ«المهام الجانبية» والتركيز على وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وأصبحت هذه الأدوات القادرة على ربط المهام بشكل مستقل على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالمستخدمين لكتابة التعليمات البرمجية وتحليل البيانات واتخاذ القرارات في تطبيقات مختلفة، محور اهتمام عمالقة التكنولوجية الأميركية «وادي السيليكون».

وقد عيّنت «أوبن إيه آي» في منتصف فبراير (شباط) المبرمج النمساوي بيتر شتاينبرغر، مبتكر «أوبن كلاو»، وهو برنامج لتطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي حقق نجاحاً كبيراً بين المتخصصين في مجال الحوسبة في جميع أنحاء العالم.

من جانبها، نشرت «أنثروبيك» الاثنين، ميزة الوكيل في نموذج «كلاود» الخاص بها، والذي بات قادراً على التحكم في جهاز الكمبيوتر الخاص بالمستخدم لأداء المهام بشكل مستقل.