«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

شاشة بزاوية 360 درجة تروي قصة الدرعية

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
TT

«رحلة من نور» تنقل الدرعية إلى لندن عبر تجربة رقمية غامرة

تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)
تحوّلت «رحلة من نور» في «أوترنت» لندن إلى نموذج جديد للسرد الثقافي باستخدام التكنولوجيا الغامرة (Outernet)

في ظل التحوّل الرقمي الذي تشهده عدة مدن حول العالم، باتت القصص الثقافية تجد لنفسها أشكالاً جديدة تتجاوز المتاحف والمعالم التقليدية. ففي مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحوّل أحد أكثر الفضاءات الرقمية تطوراً في لندن مؤقتاً إلى بوابة مفتوحة على قلب السعودية التاريخي. تجربة «رحلة من نور»، التي نفذتها شركة «بيكسل آرت ووركس» (Pixel Artworks) بالتعاون مع شركة الدرعية، أعادت تخيّل الدرعية التي تعد مهد الدولة السعودية الأولى وموقع التراث العالمي لليونيسكو عبر بيئة غامرة متعددة الحواس بزاوية 360 درجة في «أوترنت لندن».

استقطبت التجربة مئات الآلاف من الزوار يومياً، لتؤكد أن السرد الرقمي لم يعد مجرد عرض بصري باهر، بل أداة معاصرة للتواصل الثقافي. ورغم انسجام المشروع مع أهداف رؤية السعودية 2030 في الحضور الثقافي العالمي، فإن أهميته تكمن في كيفية توظيف التكنولوجيا ليس لإعادة إنتاج الماضي، بل لترجمة التراث إلى تجربة حية يفهمها جمهور عالمي في الزمن الحاضر.

استخدمت التجربة بيئة رقمية بزاوية 360 درجة لإعادة تقديم الدرعية كوجهة حية ومعاصرة لا كموقع تاريخي فقط (Outernet)

فضاء رقمي ضخم

احتضنت التجربة شاشة «ليد» بارتفاع أربعة طوابق (14.5 أي نحو متر) امتدت على مساحة تتجاوز 1200 متر مربع بدقة تفوق «16K». تميّز المكان بهندسة دائرية بالكامل، تدمج بين الصورة والصوت عبر أكثر من 200 مكبر صوت بنظام صوتي محيطي، إلى جانب جدران زجاجية متحركة وأنظمة روائح مدمجة لتعزيز الأبعاد الحسية. وفي هذا السياق، تصبح التجربة الغامرة ممارسة هندسية بقدر ما هي إبداعية.

ويشرح أليكس أبثورب، المدير العام لشركة «بيكسل آرت ووركس» في الشرق الأوسط، أن التحدي الأول لم يكن بصرياً، بل كان تشغيلياً. ويذكر خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن «أوترنت لندن يعمل كمنصة إعلامية حية، مع تعدد تدفقات المحتوى وتغيّر الجداول باستمرار، لذلك كان تأمين وقت كافٍ للمراجعة والاختبار من أكبر التحديات». ويضيف أن «المشروع كان استحواذاً كاملاً على جميع المساحات ضمن جدول زمني ضيق، ما جعل وقت الاختبار في الموقع محدوداً جداً».

ولمعالجة ذلك، لجأ الفريق إلى بناء التجربة كاملة داخل بيئة الواقع الافتراضي (VR). يقول أبثورب: «قمنا بنقل تجربة الدرعية كاملة إلى الواقع الافتراضي، ما أتاح للفريق التجول داخلها ومراجعة المحتوى كما لو كانوا موجودين فعلياً، وذلك قبل التركيب بوقت طويل».

هذا النهج قلّل المخاطر التقنية، وسمح بالتحقق من القرارات الإبداعية مبكراً، وهو أسلوب بات شائعاً في المشاريع الغامرة الكبرى، حيث يكون الوصول الميداني محدوداً.

ساهم التعاون الوثيق مع فريق شركة الدرعية في ضمان الدقة الثقافية ونقل روح المكان بأدق تفاصيله (Outernet)

شاشة بزاوية 360 درجة

تفرض البنية الدائرية لمساحة «أوترنت» متطلبات صارمة على المحتوى، إذ يجب أن يعمل بسلاسة من جميع الزوايا دون تشويه أو انفصال سردي.

وهنا شكّلت الشراكة الطويلة الأمد بين «Pixel Artworks» و«أوترنت» عنصر قوة حاسماً. فالشركة شاركت منذ بدايات المشروع في تحديد المواصفات التقنية للمكان. ويذكر أبثورب أن «البنية التقنية الكاملة للمكان مبنية بتصميم ثلاثي الأبعاد يتيح مراجعة المحاذاة والمقاييس وخطوط الرؤية عبر كامل الشاشة قبل إطلاق المحتوى، حتى لو كان كل عنصر مصمماً بشكل مستقل».

هذا الأسلوب سمح بتوحيد التجربة بصرياً وسردياً، رغم تعقيد التنفيذ وتعدد مكوناته.

دور الرسوميات الآنية

من أبرز القرارات التقنية في المشروع اعتماد «Unreal Engine» لتقديم محتوى مرسوم وآني في آن واحد، بدل الاكتفاء بمحتوى مُسبق التصيير. ويشير أبثورب إلى أن السبب لم يكن تقنياً فقط، بل كان زمنياً بالدرجة الأولى. ويضيف: «في هذا الحجم، كانت عمليات التصيير التقليدية ستبطئ الإنتاج إلى حد كبير».

تمكن فريق «بيكسل آرت ووركس» من تقليص زمن المعالجة بشكل جذري «باستخدام الرسوميات الآنية عبر (Unreal) حيث خفّضت زمن التصيير من نحو 90 ثانية إلى بضع ثوانٍ لكل تعديل». كما كان هذا الخيار ضرورياً لدعم المكوّن التفاعلي في التجربة، الذي يتطلب استجابة فورية لا يمكن تحقيقها عبر محتوى ثابت.

لعبت التقنيات المتقدمة مثل «Unreal Engine » والرسوميات الآنية دوراً محورياً في تنفيذ التجربة على نطاق ضخم (Outernet)

تجربة حسية متوازنة

تمثل البيئات الغامرة خطراً دائماً يتمثل في الإشباع المفرط للحواس، خصوصاً في فضاء ضخم مثل «أوترنت». ويؤكد أبثورب أن السيطرة على هذا التوازن كانت أولوية، حيث إن «ضخامة أوترنت قد تكون طاغية بحد ذاتها، لذا كان علينا أن نكون مقصودين ودقيقين في كل عنصر آخر». وجرى التعامل مع التجربة كما لو كانت معرضاً فنياً مفتوحاً إذ تتحول الشاشات إلى «سماء» سردية، فيما تستضيف الأرض عروضاً حية مثل رقصة العرضة، والخط العربي، والموسيقى التقليدية، والمأكولات السعودية. ويعدّ أبثورب أن «العروض الحية والقهوة والخط والتصميم الأرضي تحوّل المكان، بينما تصبح الشاشات أشبه بسماء تحمل وعد الرحلة أو الاستقرار أو الاكتشاف». وقد اعتمدت الحركة على الهدوء مع انتقالات مستوحاة من تعاقب أوقات اليوم في الدرعية، فيما استُخدم العود بوصفه عنصراً عطرياً داعماً لا مسيطراً. يعدّ أبثورب أن تمثيل موقع تراث عالمي لليونيسكو يحمل مسؤولية كبيرة. لكن «رحلة من نور» لم تسع إلى إعادة بناء الدرعية كما كانت، بل كما هي اليوم. وينوه بأن «السرد بشكل أساسي ركز على الدرعية الحالية، ودعوة الزوار لاكتشاف ما يمكنهم تجربته الآن، ومستقبلها القريب».

تعكس التجربة توجّهاً عالمياً جديداً نحو استخدام التكنولوجيا ليس لعرض التراث فقط بل لتحويله إلى تجربة معيشة (Outernet)

الدقة الثقافية عبر التعاون المحلي

لحماية الأصالة، جرى العمل بشكل وثيق مع أعضاء من فريق شركة الدرعية، من بينهم مختصون من أبناء المنطقة نفسها. ويضيف أبثورب أن «أعضاء من شركة الدرعية وبعضهم من أبناء المنطقة، لعبوا دوراً أساسياً في نقل روح المكان، من نقوش الأبواب وأنماط العمارة النجدية، إلى ألوان الطين والإضاءة والنباتات». هذا العمق الثقافي جنّب التجربة الوقوع في الرمزية العامة أو التبسيط المخل.

التركيز على الحياة اليومية

بدلَ تقديم التراث بوصفه ذكرى بعيدة، تبنّت التجربة سرداً معاصراً وهو أن «العدسة الإبداعية ركزت على الدرعية المعاصرة بتفاصيل الحياة اليومية ودفء المجتمع وسحر اللحظات الصغيرة».

وهكذا، ظهرت الدرعية كحيّ ثقافي حيّ، لا كمشروع نظري أو حلم مستقبلي. استقطب «أوترنت» في لندن مارة عابرين وجمهوراً ثقافياً متخصصاً على حد سواء. وبالنسبة لكثير من زوار المدينة، شكّلت التجربة أول احتكاك مع الدرعية حيث «كان الهدف تقديم الدرعية كوجهة حقيقية قابلة للزيارة، لا كمشروع بعيد أو نظري». ويرى أبثورب أن الذكاء الاصطناعي بات يسرّع كل مراحل الإنتاج الإبداعي، لكنه يشير إلى أن التحول الأعمق سيأتي من الحوسبة المكانية.

بهذا المعنى، لا تمثّل «رحلة من نور» مجرد عرض رقمي مؤقت، بل تمثل مؤشراً على مستقبل يمكن فيه للتكنولوجيا إذا استُخدمت بحس ثقافي دقيق أن تنقل التراث من الحفظ إلى المشاركة، ومن الجغرافيا إلى التجربة المعيشة.


مقالات ذات صلة

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

العالم العربي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، هاتفياً مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، مستجدات التصعيد بالمنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، هاتفياً مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، مستجدات التصعيد بالمنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الخارجية السعودية)

السعودية وفرنسا تؤكدان ضرورة وقف تهديدات الأمن الإقليمي والدولي

أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة وقف جميع الأعمال التي تشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

خاص الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية (واس)

الدفاعات الجوية السعودية تُدمِّر «باليستياً» و65 «مسيّرة» في مناطق مختلفة

دمَّرت الدفاعات السعودية، الجمعة، صاروخاً باليستياً، و65 طائرة مسيَّرة، بينها 28 بعد دخولها المجال الجوي، والأخرى في منطقتَي الشرقية والوسطى، والخرج، والربع الخالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.