مع التحول الرقمي... كيف تستعد البنية التحتية لاحتضان ذكاء يتعلّم ويتصرّف؟

«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
TT

مع التحول الرقمي... كيف تستعد البنية التحتية لاحتضان ذكاء يتعلّم ويتصرّف؟

«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على النماذج الثابتة أو الاستجابات المبرمجة، بل يبرز نموذج جديد يعيد تعريف كيفية تفاعل الآلات مع البيانات والبيئات والبشر. يُعرف هذا التطور باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وهو يمثّل أنظمة ذكية لا تكتفي بالتحليل، بل تتصرف وتتعلم وتتأقلم مع مرور الوقت.

في المملكة العربية السعودية، حيث يُعد الذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في «رؤية 2030» والتحول الرقمي، فإن تبنّي «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة. لكن مع هذه الإمكانيات الجديدة، يظهر تحدٍ جوهري. هل الأنظمة الحالية التي صُممت لمعالجة البيانات المؤقتة كافية؟

عزيز حيدر المدير العام لدى شركة «فاست داتا» في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا (فاست داتا)

«وكلاء ذكاء» مستقلون

تعتمد النماذج التقليدية للذكاء الاصطناعي على التنبؤ أو التصنيف أو التوليد بناءً على مدخلات ثابتة. وهي نماذج لا تحتفظ بالذاكرة وتعتمد على آلية استجابة للطلب، وتعتمد على بنى تحتية مصممة للاستدلال لا للتفاعل. أما «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» فيقدم طبقة جديدة من الاستمرارية والاستقلالية. يقول المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في شركة «فاست داتا» VAST Data، حيدر عزيز، خلال حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» لا يكتفي بالاستدلال، بل يتصرف. ويشرح أنه على عكس النماذج التقليدية التي ترد على الطلبات، فإن «الوكلاء» يحتفظون بالذاكرة، ويتعلمون بمرور الوقت ويعملون باستقلالية.

هذا التغير يُسقط فرضيات قديمة حول إمكانية فصل التخزين عن المعالجة أو التعامل مع البيانات على أنها مؤقتة. ويوضح عزيز أن هذه الفرضيات تنهار عندما يتعلّق الأمر بوكلاء يحتاجون إلى التذكر والتفكير والتصرف بشكل مستمر.

هل البنية التحتية الحالية صالحة؟

جوهر التحدي يكمن في مفهوم «الذاكرة والسياق». فـ«الوكلاء الأذكياء» يحتاجون إلى بيئات غنية بالسياق ودائمة الاتصال. أي تأخير بين وحدة المعالجة والتخزين وسير العمل يمكن أن يعرقل قدرتهم على اتخاذ القرار.

ويشير عزيز إلى أهمية عمل البنية التحتية بوصفها نظاماً موحداً وآمناً وسريع الاستجابة وغنياً بالسياق. ويقول: «لا يمكن تعديل الأنظمة القديمة أو السحابية المصممة للاستدلال السلبي لتلبي هذه المتطلبات».

وبالنسبة إلى المؤسسات السعودية التي تسعى إلى دمج الخدمات الذكية في مجالات؛ مثل: المدن الذكية، أو الخدمات اللوجيستية، أو الرعاية الرقمية، فإن البنية التحتية يجب أن تتحول من دعم «الذكاء» إلى «تمكين الفعل»، حسب وصفه.

يمثّل «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» نقلة نوعية من النماذج السلبية إلى أنظمة تتعلّم وتتصرّف بشكل مستقل (شاترستوك)

الذاكرة لم تعد ميزة... بل أساس

لم يعد بالإمكان التعامل مع الذاكرة بوصفها إضافة. إنها اليوم حجر الزاوية. فـ«الوكيل» الذي يعمل في بيئة حقيقية يجب أن يتذكر ويتعلّم ويستجيب في الوقت الفعلي. وهذا يتطلّب بنية تحتية تضع الذاكرة والبيانات في صلب تصميمها. وحسب عزيز، «الآن يتم التعامل مع الذاكرة والبيانات بصفتها مواطنين من الدرجة الأولى، وليست نتائج ثانوية».

وهذا ضروري بشكل خاص في مشاريع المدن الذكية في السعودية، حيث يجب أن يعمل «الوكلاء» في بيئات مختلطة، من الحساسات والأجهزة إلى مراكز البيانات، وكلها تحت مظلة ذاكرة موحدة ومتصلة بالسياق.

المعالجة اللحظية للعالم الحقيقي

«الذكاء الاصطناعي الوكيلي» لا يعمل في عزلة بل يتعامل مع العالم الحقيقي الغني بالبيانات غير المنظمة؛ مثل: النصوص، والفيديو، والصوت، ومستشعرات «إنترنت الأشياء». هذه ليست مجرد بيانات، بل هي البيئة التي يتحرك فيها الوكلاء. يرى عزيز أن «البيانات غير المنظمة ليست مجرد وقود لـ(الذكاء الاصطناعي الوكيلي)، بل هي البيئة التي يجب أن يدركها ويتفاعل معها».

وبالنسبة إلى القطاعات السعودية التي تعتمد على التحليل اللحظي، سواء في الأمن أو الأتمتة الصناعية أو التفاعل مع العملاء، فإن الحاجة باتت ملحّة إلى أنظمة تلغي التعقيد وتقدّم البيانات بالزمن الحقيقي، دون خطوات وسيطة أو تأخير.

من «طبقة» إلى «نظام حي»

إذا أردنا أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها «وكلاء مستقلين»، فإن البنية التحتية يجب أن تتطور من طبقات منفصلة إلى نظام حي ومترابط. وهو نظام يُوحِّد الحوسبة والتخزين والذاكرة والتنظيم بطريقة متناغمة.

يرى عزيز أن البنية التحتية المستقبلية ستتحرك نحو نماذج المنصات الذكية المستمرة، ويقول: «البيانات لن تُخزّن وتُعالج لاحقاً، بل ستُبث ويتم التفكير بها في الوقت الحقيقي... فكر فيها بوصفها نظاماً حياً، لا بصفتها مجموعة طبقات».

يُعد الأمن والحوكمة عنصرين أساسيين لا بد من تضمينهما منذ البداية عند تشغيل «وكلاء ذكاء مستقلين» (شاترستوك)

الحوكمة والمسؤولية مع الاستقلالية

مع الاستقلالية تأتي الحاجة إلى المساءلة. حين يتخذ «الوكلاء» قرارات في قطاعات؛ مثل: النقل أو الرعاية الصحية أو التمويل، تصبح الحوكمة أمراً جوهرياً. ويحذّر عزيز من أن «الأمن أمر أساسي، ويجب تضمين الحوكمة في مستوى البيانات والتنظيم منذ البداية... لا يمكنك إضافة الثقة لاحقاً». وبالنسبة إلى المملكة التي تستثمر في سيادة البيانات والثقة الرقمية، يُعدّ إنشاء بنية تحتية مبنية على أسس الامتثال والمراجعة والتصريح أولوية.

يتردد الكثير من المؤسسات في تبني هذا التحول خوفاً من فقدان استثماراتها في الأنظمة القديمة. لكن عزيز يطمئن: «لسنا بصدد مطالبة المؤسسات بهدم أنظمتها، بل يمكن الاحتفاظ بالتطبيقات وسير العمل ومصادر البيانات، وإضافة طبقة ذكية فوقها». هذا النهج التدريجي يُتيح للمؤسسات السعودية تطوير بنيتها التحتية دون تعطيل أعمالها اليومية، مع تحقيق قيمة مضافة فورية من قدرات «الذكاء الاصطناعي الوكيلي».

من التجريب إلى التفعيل

الكثير من المؤسسات لا تزال عالقة في مرحلة التجريب. والسبب غالباً هو غياب البنية التحتية الملائمة أو الخوف من القفز في المجهول. لكن عزيز يضع خريطة طريق واقعية، قائلاً: «ابدأ بحالة استخدام تمزج بين الإدراك واتخاذ القرار، مثل الدعم الفني المؤتمت أو التوجيه الذكي في سلاسل التوريد... ولا تنظر إلى البنية التحتية والذكاء الاصطناعي بوصفهما مسارَيْن منفصلَيْن».

«الذكاء الاصطناعي الوكيلي» ليس مشروعاً فردياً بل منظومة متكاملة من النماذج والأدوات ومنصات التشغيل التي يجب أن تتكامل معاً. ويصف عزيز المشهد الحالي: «إنه مثل أوركسترا... سيمفونية من الأدوات والطبقات التي يجب أن تعمل بانسجام».

والمملكة العربية السعودية، بتسارع نموها في الاقتصاد الرقمي، قادرة على لعب دور ريادي في هذا التحول من خلال دعم معايير مفتوحة وتكامل المنصات.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.