هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

توجهات وصعوبات تطوير نظم تضاهي الذكاء البشري

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟
TT

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

هل سيظهر «الذكاء العام الاصطناعي» قريباً؟

أبلغ سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، الرئيس دونالد ترمب خلال مكالمة هاتفية خاصة أن الذكاء العام الاصطناعي سوف يظهر قبل نهاية إدارته الحالية.

كما صرح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، المنافس الرئيسي لشركة «أوبن إيه آي»، مراراً وتكراراً، بأن ذلك قد يحدث في وقت أقرب من ذلك. وقال الملياردير التكنولوجي إيلون ماسك إنه قد يصبح واقعاً قبل نهاية العام.

ذكاء اصطناعي يضاهي البشري

ومثلهم مثل العديد من الأصوات الأخرى في وادي السيليكون وخارجه، يتوقع هؤلاء المديرون التنفيذيون أن وصول «الذكاء العام الاصطناعي» artificial general intelligence AGI بات وشيكاً. فمنذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما اعتنت مجموعة من الباحثين الهواة بوضع هذا المصطلح على غلاف كتاب يصف أنظمة الكمبيوتر المستقلة التي يأملون في بنائها يوما ما، أصبح الذكاء العام الاصطناعي بمثابة اختصار لتكنولوجيا مستقبلية تحقق ذكاء على مستوى الإنسان.

لا يوجد تعريف مستقر للذكاء العام الاصطناعي، وإنما هو مجرد فكرة جذابة: ذكاء اصطناعي يمكنه أن يضاهي قدرات العقل البشري المتعددة.

ولكن منذ وصول روبوتات الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» من «أوبن إيه آي»، والتحسين السريع لهذه الأنظمة الغريبة والقوية على مدى العامين الماضيين، صار العديد من خبراء التكنولوجيا أكثر جرأة في التنبؤ بمدى قرب وصول الذكاء العام الاصطناعي. حتى إن البعض يقول إنه بمجرد أن يطلقوا الذكاء العام الاصطناعي، سوف يتبع ذلك ابتكار أكثر قوة يسمى «الذكاء الخارق» «superintelligence».

تكهنات تسبق الواقع

وبينما تتنبأ هذه الأصوات الواثقة دوماً بالمستقبل القريب، فإن تكهناتها تسبق الواقع. وعلى الرغم من أن الشركات تدفع بالتكنولوجيا إلى الأمام بمعدل ملحوظ، فإن جيشاً من الأصوات الأكثر رصانة يسارع إلى تبديد أي مزاعم بأن الآلات من شأنها أن تضاهي الذكاء البشري في أي وقت قريب.

يقول نيك فروست، مؤسس شركة «كوهير» الناشئة للذكاء الاصطناعي، الذي عمل سابقاً باحثاً لدى «غوغل»، وتتلمذ على يد أكثر باحثي الذكاء الاصطناعي احتراماً خلال الخمسين سنة الماضية: «إن التكنولوجيا التي نبنيها اليوم ليست كافية لتحقيق ذلك. وما نقوم ببنائه الآن هو أدوات تستوعب الكلمات وتتنبأ بالكلمة التالية الأكثر احتمالاً، أو تستقبل وحدات البكسل (عنصر الصورة) وتتنبأ بالبكسل التالي الأكثر احتمالاً. وهذا مختلف تماماً عما نفعله أنا وأنت من البشر».

في استطلاع حديث أشرفت عليه «جمعية النهوض بالذكاء الاصطناعي»، وهي جمعية أكاديمية عمرها 40 عاماً، وتضم بعضاً من أكثر الباحثين بروزاً في هذا المجال، قال أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع إن الأساليب المستخدمة في بناء التكنولوجيا الحالية من غير المرجح أن تؤدي إلى الذكاء العام الاصطناعي المأمول.

وتختلف الآراء بشأن ذلك جزئياً، نظراً لأن العلماء لا يستطيعون حتى الاتفاق على طريقة لتعريف الذكاء البشري، ويتجادلون إلى ما لا نهاية حول مزايا وعيوب اختبارات الذكاء وغير ذلك من المعايير الأخرى. كما أن مقارنة أدمغتنا بالآلات هو أمر أكثر ذاتية وشخصانية. وهذا يعني أن تحديد الذكاء العام الاصطناعي هو في الأساس مسألة رأي.

استقراءات إحصائية وتفكير حالم

وليس لدى العلماء أي دليل قاطع على أن تقنيات اليوم قادرة حتى على أداء بعض أبسط المهام التي يمكن للدماغ البشري القيام بها، مثل إدراك المفارقات الساخرة أو الشعور بالتعاطف. وتستند مزاعم الوصول الوشيك للذكاء العام الاصطناعي إلى استقراءات إحصائية - وتفكير حالم ليس أكثر.

ووفقاً للاختبارات المعيارية المختلفة، تتحسن التقنيات الحالية بوتيرة ثابتة في بعض المجالات البارزة، مثل الرياضيات وبرمجة الكمبيوتر. لكن هذه الاختبارات لا تصف سوى جزء صغير مما يمكن للبشر القيام به.

يعرف البشر كيفية التعامل مع عالم فوضوي ومتغير باستمرار. من جهتها تكافح الآلات لإتقان ما هو غير متوقع - التحديات الصغيرة والكبيرة التي لا تشبه ما حدث في الماضي. يمكن للبشر أن يحلموا بأفكار لم يشهدها العالم من قبل. وعادة ما تكرر الآلات أو تعزز ما شاهدته من قبل.

ولهذا السبب يقول فروست وغيره من المشككين إن دفع الآلات إلى مستوى الذكاء البشري سوف يتطلب على الأقل فكرة واحدة عظيمة لم تخطر على بال علماء التكنولوجيا في العالم بعد. ولا توجد طريقة لمعرفة كم من الوقت سوف يستغرق ذلك.

يقول ستيفن بينكر، عالم الإدراك في جامعة هارفارد: «إن النظام الذي يتفوق على البشر في إحدى الطرق لن يكون بالضرورة أفضل من البشر في طرق أخرى. وبكل بساطة، لا يوجد شيء من هذا القبيل مثل نظام آلي كلي المعرفة والقدرة على حل كل المشاكل، بما في ذلك المشاكل التي لم نفكر فيها بعد. هناك إغراء للانخراط في نوع من التفكير السحري. ولكن هذه الأنظمة ليست معجزات. وإنما هي أدوات رائعة للغاية فحسب».

يمكن للذكاء الاصطناعي تحقيق ذلك

تُدار روبوتات الدردشة، مثل «تشات جي بي تي»، بواسطة ما يسميه العلماء الشبكات العصبية، وهي أنظمة رياضية قادرة على تحديد الأنماط في النصوص والصور والأصوات. ومن خلال تحديد الأنماط في كميات هائلة من مقالات ويكيبيديا والقصص الإخبارية وسجلات الدردشة، على سبيل المثال، يمكن لهذه الأنظمة أن تتعلم توليد نصوص تشبه ما يقدمه الإنسان من تلقاء نفسها، مثل القصائد وبرامج الكمبيوتر.

وتتقدم هذه الأنظمة بوتيرة أسرع بكثير من تقنيات الكمبيوتر في الماضي. ففي العقود السابقة، كان مهندسو البرمجيات يبنون التطبيقات بسطر واحد من التعليمات البرمجية في كل مرة، وهي عملية صغيرة خطوة بخطوة لا يمكن أن تنتج شيئاً قوياً مثل «تشات جي بي تي». ولأن الشبكات العصبية يمكن أن تتعلم من البيانات، فإنها تستطيع الوصول إلى آفاق جديدة وبسرعة عالية.

وبعد رؤية التحسن الذي طرأ على هذه الأنظمة على مدى العقد الماضي، يعتقد بعض خبراء التكنولوجيا أن التقدم سوف يواصل الاستمرار بالمعدل نفسه تقريباً وإلى حد كبير - وصولاً إلى الذكاء العام الاصطناعي وما بعده.

يقول جاريد كابلان، كبير المسؤولين العلميين في شركة «أنثروبيك»: «هناك كل هذه الاتجاهات التي تتلاشى فيها كل هذه القيود. إذ يختلف ذكاء الذكاء الاصطناعي تماماً عن الذكاء البشري. فالبشر يتعلمون بسهولة أكبر بكثير لمباشرة مهام جديدة. فهم لا يحتاجون إلى التدريب بقدر ما يحتاج الذكاء الاصطناعي إليه. ولكن في نهاية المطاف، ومع المزيد من الممارسة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصل إلى ذلك».

من بين باحثي الذكاء الاصطناعي، يشتهر كابلان بنشره بحثاً أكاديمياً رائداً يصف ما يُسمى الآن «قوانين القياس» (the Scaling Laws). وتنص هذه القوانين بصفة أساسية على أنه كلما زاد عدد البيانات التي يحللها نظام الذكاء الاصطناعي، كان أداؤه أفضل. وتماما وكما يتعلم الطالب المزيد من خلال قراءة المزيد من الكتب، يكتشف نظام الذكاء الاصطناعي المزيد من الأنماط في النص ويتعلم محاكاة الطريقة التي يضع بها الناس الكلمات بصورة أكثر دقة.

خلال الأشهر الأخيرة، استهلكت شركات مثل «أوبن إيه آي» و «أنثروبيك» أغلب النصوص الإنجليزية الموجودة على الإنترنت تقريباً، ما يعني أنها بحاجة إلى طريقة جديدة لتحسين روبوتات الدردشة الخاصة بها. لذا، فإن هذه الشركات تعتمد بشكل أكبر على تقنية يسميها العلماء «التعلم المُعزز». من خلال هذه العملية، التي يمكن أن تمتد على مدى أسابيع أو أشهر، يمكن للنظام أن يتعلم السلوك من خلال التجربة والخطأ. فمن خلال العمل عبر حل آلاف المسائل الرياضية، على سبيل المثال، يمكن أن يتعلم النظام أي الأساليب تؤدي إلى الإجابة الصحيحة وأيها لا يؤدي إليها.

وبفضل هذه التقنية، يعتقد باحثون مثل كابلان أن قوانين القياس (أو شيئاً من هذا القبيل) سوف تستمر. ويقول الباحثون إنه مع استمرار هذه التقنية في التعلم من خلال التجربة والخطأ في مجالات لا تعد ولا تحصى، فإنها سوف تتبع مسار آلة «ألفا غو - AlphaGo»، وهي آلة تم إنشاؤها في عام 2016 من قبل فريق من باحثي «غوغل».

تعلمت آلة «ألفا غو»، من خلال التعلم المعزز، إتقان لعبة «غو»، وهي لعبة لوحية صينية معقدة تُقارن بالشطرنج، من خلال لعب ملايين المباريات ضد نفسها. وفي ذلك الربيع، تغلبت على أحد أفضل اللاعبين في العالم، ما أذهل مجتمع الذكاء الاصطناعي والعالم بأسره. وقد افترض أغلب الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى 10 سنوات أخرى لتحقيق مثل هذا الإنجاز.

الفجوة بين البشر والآلات

لا جدال في أن آلات اليوم قد تفوقت بالفعل على العقل البشري في بعض النواحي، ولكن هذا صحيح منذ فترة طويلة. فالآلة الحاسبة يمكنها إجراء العمليات الحسابية الأساسية أسرع من الإنسان. ويمكن لروبوتات الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» أن تكتب بوتيرة أسرع، ويمكنها في أثناء الكتابة أن تستخلص على الفور نصوصاً أكثر مما يمكن لأي عقل بشري أن يقرأه أو يتذكره. كما تتفوق هذه الأنظمة على الأداء البشري في بعض الاختبارات التي تنطوي على رياضيات وبرمجة عالية المستوى.

ولكن لا يمكن اختزال البشر في هذه المعايير. إذ يقول جوش تينينباوم، أستاذ العلوم المعرفية الحاسوبية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «هناك أنواع كثيرة من الذكاء في العالم الطبيعي».

أحد الفروقات الواضحة هو أن الذكاء البشري مرتبط بالعالم المادي، فهو يمتد إلى ما وراء الكلمات والأرقام والأصوات والصور إلى عالم الطاولات والكراسي والمواقد والمقالي والمباني والسيارات وأي شيء آخر نواجهه مع مرور كل يوم. وجزء من الذكاء هو معرفة متى تقلب الفطائر المحلاة الموضوعة على صينية الخبز.

تباشر بعض الشركات بالفعل تدريب الروبوتات الشبيهة بالبشر بالطريقة نفسها التي تدرب بها شركات أخرى روبوتات الدردشة. لكن هذا الأمر أكثر صعوبة ويستغرق وقتاً أطول من بناء روبوتات الدردشة الآلية التي تتطلب تدريباً مكثفاً في المختبرات المادية والمستودعات والمنازل. كما أن الأبحاث الروبوتية متأخرة بسنوات عن أبحاث روبوتات الدردشة الآلية.

ومن ثم، فإن الفجوة بين الإنسان والآلة أوسع من ذلك. ففي المجالين المادي والرقمي، لا تزال الآلات تكافح لمضاهاة أجزاء الذكاء البشري التي يصعب تعريفها.

يقول ماتيو باسكينيللي، أستاذ فلسفة العلوم في جامعة كا فوسكاري في البندقية بإيطاليا: «يحتاج الذكاء الاصطناعي إلينا: كائنات حية، مستمرة في الإنتاج، وتغذي الآلة. إنه يحتاج إلى أصالة أفكارنا وحياتنا».

خيال مثير

بالنسبة لأناس داخل صناعة التكنولوجيا وخارجها، يمكن أن تكون مزاعم الذكاء العام الاصطناعي مثيرة. فقد حلم البشر بخلق ذكاء اصطناعي منذ أسطورة «الغوليم Golem: كائن أسطوري يُصور على هيئة بشرية من الطين» التي ظهرت منذ القرن الثاني عشر. هذا هو الخيال الذي يحرك أعمالاً مثل «فرانكشتاين» لماري شيلي، و«2001: ملحمة الفضاء» لستانلي كوبريك.

والآن بعد أن أصبح الكثيرون منا يستخدمون أنظمة الكمبيوتر القادرة على الكتابة وحتى التحدث مثلنا، فمن الطبيعي أن نفترض أن الآلات الذكية قد باتت قريبة الظهور. وهو ما كنا نتوقعه منذ قرون.

عندما أسست مجموعة من الأكاديميين مجال الذكاء الاصطناعي في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، كانوا متأكدين من أن الأمر لن يستغرق وقتاً طويلاً لبناء أجهزة كمبيوتر تعيد إنشاء الدماغ. وجادل البعض بأن الآلة سوف تهزم بطل العالم في الشطرنج وتكتشف نظريتها الرياضية الخاصة بها في غضون عقد من الزمن. ولكن لم يحدث أي من ذلك في الإطار الزمني المذكور نفسه. وبعضها لم يحدث بعد.

ويرى العديد من الأشخاص الذين يبنون تكنولوجيا اليوم أنهم يحققون نوعاً من المصير التكنولوجي المحدد، ويدفعون نحو لحظة علمية حتمية، مثل اختراع النار أو القنبلة الذرية. لكنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى سبب علمي يوحي بحدوث ذلك قريباً.

ولهذا السبب يقول العديد من العلماء الآخرين إن أحداً لن يصل إلى الذكاء العام الاصطناعي من دون فكرة جديدة - شيء ما يتجاوز الشبكات العصبية القوية التي تكتفي بالعثور على الأنماط في البيانات - وقد تظهر هذه الفكرة الجديدة غداً. ولكن حتى ذلك الحين، سوف تحتاج الصناعة إلى سنوات لتطويرها.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

خاص ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

توسع «كوالكوم» حضورها في السعودية بالتوازي مع انتقالها نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي عبر مراكز البيانات والأجهزة والسيارات والصناعة.

نسيم رمضان (هاواي - الولايات المتحدة)
خاص تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)

خاص كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تدفع «كوالكوم» نحو حوسبة وكيلية تنسق بين التطبيقات والخدمات لتنفيذ المهام عبر الهواتف والحواسيب والأجهزة القابلة للارتداء.

نسيم رمضان (هاواي- الولايات المتحدة)
تكنولوجيا يوسع «يوتيوب» استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (الشركة)

«يوتيوب» يوسع حضوره على التلفزيون ويضيف أدوات ذكاء اصطناعي لصناع المحتوى

يوسع «يوتيوب» أدوات الذكاء الاصطناعي للمونتاج والحماية وإدارة القنوات، مع تطوير البث والشراكات التجارية وتعزيز حضوره في المنطقة.

نسيم رمضان (هاواي)
خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

تطرح «كوالكوم» نموذجاً لذكاء شخصي يعمل عبر الهاتف والحاسوب والأجهزة القابلة للارتداء والسحابة وفق طبيعة كل مهمة.

نسيم رمضان (هاواي (الولايات المتحدة))
خاص التدخل البشري لا يزال ضرورياً في القرارات الحساسة والقطاعات المنظمة (أدوبي)

خاص التحدي المقبل: كيف نفهم قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل منحهم مزيداً من الصلاحيات؟

تبحث المؤسسات عن توازن بين استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، والمخاطر مع استمرار التدخل البشري، وأهمية الرؤية الكاملة للبيانات.

نسيم رمضان (دنفر - الولايات المتحدة)

«أوبن إيه آي» تقر بتسريب 53 صورة بالخطأ أرسلها مستخدمون عبر «تشات جي بي تي»

شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
TT

«أوبن إيه آي» تقر بتسريب 53 صورة بالخطأ أرسلها مستخدمون عبر «تشات جي بي تي»

شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)

أقرت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، بأن أدواتها للذكاء الاصطناعي نشرت على الإنترنت 53 صورة أرسلها مستخدمون عبر منصتها «تشات جي بي تي»، في تسريب جديد يطول هذه المرة بيانات مستخدمي الشركة نفسها.

كما كشفت الشركة العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي التي تتخذ مقراً في سان فرانسيسكو، أن أدواتها اخترقت مواقع تابعة لوكالات فيدرالية أميركية، مؤكدة بذلك معلومات أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» سابقاً، لكنها أشارت إلى أنها لم تجمع فيها سوى معلومات متاحة للعموم.

وأوضحت «أوبن إيه آي» أن الروابط للصور الـ53 لم تكن متاحة للعلن، ونُشرت عن طريق الخطأ على مواقع استضافة إلكترونية، وأشارت إلى أن معظمها أزيل بمساعدة مقدمي الخدمات المضيفين المعنيين، وأن العمل يجري على إزالة الصور المتبقية، وفق ما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت هذه الصور أُرسلت من حسابات وافق أصحابها على استخدام بياناتهم لتطوير نماذج الشركة. ومرت قبل استخدامها عبر مصفاة لخصوصية البيانات الشخصية، وأكدت الشركة أنه لم يعد بالإمكان ربط الصور بالمستخدمين الذين أرسلوها.

ولم توضح «أوبن إيه آي» ما إذا كانت هذه الصور تظهر أشخاصاً يمكن التعرف عليهم أو بيانات حساسة، ولم تكشف المزيد من التفاصيل رداً على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية.

ونُشرت الصور نتيجة سلوك «وكلاء للذكاء الاصطناعي»، وهي برمجيات مصممة بناءً على نماذج ذكاء اصطناعي وقادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المتتالية بصورة ذاتية.

وأوضحت الشركة أن أدوات ذكاء اصطناعي وكيلة يجري استخدامها في إطار أبحاثها، نقلت إلى خدمات خارجية بيانات تدريب لم تكن بمعظمها صادرة عن مستخدمين، ولفتت إلى أن عمليات النقل جرت بمعظمها قبل أن تعزز الأمن حول أبحاثها في أغسطس (آب).

وأكدت أنها تجري حالياً عملية مسح شاملة لأنشطة أدواتها الوكيلة السابقة، في عملية ستستغرق عدة أشهر.

وأقر الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الجمعة، بأنه «لم نكن بالسرعة التي كنا نتمناها» في عمليات المراجعة والكشف عن الحوادث، مبرراً ذلك بالحجم الهائل من البيانات الواجب تحليلها.

وقال متحدث باسم «أوبن إيه آي» لوكالة الصحافة الفرنسية إن «غالبية الأنشطة التي خضعت للتدقيق حتى الآن كانت من ضمن مهام البحث الاعتيادية، كالوصول إلى محتويات متاحة للعموم على الإنترنت للإجابة عن أسئلة».

وأضاف أن «بعض هذه الأنشطة شملت مواقع حكومية، إذ غالباً ما تلجأ نماذجنا إليها باعتبارها مصادر مرجعية للمعلومات العامة».

وبذلك أكدت الشركة أن نماذجها وصلت إلى معلومات عامة على مواقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، الجهة الناظمة للأسواق المالية، قبل أن تنشر جزءاً منها على صفحة أخرى على الإنترنت، مشددةً على أنها لم تجد أي أثر للنفاذ إلى معلومات غير متاحة للعموم.


رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
TT

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)

لم تبدأ رحلة «كوالكوم» إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مع إحدى شركات الحوسبة السحابية الكبرى في الولايات المتحدة، بل مع شركة سعودية؛ هذا ما كشفه كريستيانو آمون الرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم»، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «Snapdragon Summit 2026» في مدينة هاواي الأميركية، قائلاً إن شركة «هيوماين» كانت أول عميل للشركة عندما بدأت تطوير رؤيتها ومنتجاتها للدخول إلى سوق مراكز البيانات.

لكن العلاقة التي يصفها آمون لا تتوقف عند هذا المشروع؛ بل تمتد اليوم إلى أجهزة الكمبيوتر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الصناعي مع «أرامكو»، والهندسة المحلية والسيارات، بينما يرى فرصاً مستقبلية في الروبوتات ومجالات أخرى لم تدخلها الشركة تقليدياً بالعمق نفسه.

وذكر آمون أن المشروعات الحالية للشركة في السعودية «مجرد بداية»، مشيراً إلى «تقاطعات كثيرة» بين ما تحاول «كوالكوم» بناءه، وتوجه المملكة إلى تبني تقنيات جديدة والاستثمار مبكراً في الاتجاهات التي تعيد تشكيل أسواق الحوسبة.

الشراكة مع المملكة بلا حدود

يريد آمون أن يتجاوز الحضور السعودي للشركة مفهوم السوق الذي تبيع فيه التكنولوجيا إلى دور أوسع في بناء القدرات؛ فبعد افتتاح مركزها الهندسي في الرياض وتوسيع حضور البحث والتطوير، تجعل «كوالكوم» المملكة مركزاً يخدم المنطقة، مع البحث عن مهندسين في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمنصات الحاسوبية الحديثة.

وأضاف آمون أن نطاق الفرص لا يقتصر على المشروعات الحالية في مراكز البيانات وأجهزة الكمبيوتر والقطاع الصناعي، معتبراً أن الروبوتات والسيارات مجالان إضافيان، وأنه لا يرى «حداً» لفرص الشراكة مع المملكة.

وتأتي هذه الخطوات ضمن شبكة تعاون أوسع تشمل «هيوماين» و«أرامكو» و«كاوست» وشركاء سعوديين آخرين، بما يعكس انتقال علاقة الشركة بالمملكة إلى أكثر من طبقة من سلسلة القيمة التقنية؛ من البحث والهندسة إلى البنية التحتية والأجهزة والتطبيقات الصناعية.

كريستيانو آمون الرئيس التنفيذي لشركة «كوالكوم» (الشركة)

من اللغة إلى العالم المادي

أحد أكثر المجالات التي يعتقد آمون أنها ستقود المرحلة المقبلة هو ما يسميه «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»؛ فعلى عكس النماذج التي تركز بصورة أساسية على اللغة، تتعامل هذه الأنظمة مع العالم المادي عبر بيانات الحساسات والصور والإشارات الصادرة عن المعدات والبيئات الصناعية، ما يتيح استخدامها في المصانع والطاقة والروبوتات والمركبات.

ومن هنا يربط آمون التعاون مع «أرامكو» بـ«الذكاء الاصطناعي على الحافة»، حيث تُحلل البيانات بالقرب من المكان الذي تُنتج فيه بدلاً من الاعتماد الدائم على مركز بيانات بعيد. ويشير أيضاً إلى استخدامات مرتبطة بوزارة الداخلية السعودية والمدن الذكية والرؤية الحاسوبية، إضافة إلى تعاون مع «أرامكو» على شبكات جيل خامس خاصة للبيئات الصناعية.

ويرى أن وجود الذكاء محلياً يكتسب أهمية خاصة في العمليات الصناعية المنتشرة عبر مواقع نائية، حيث تصبح الاعتمادية وسرعة الاستجابة جزءاً من متطلبات النظام، وليس مجرد تحسين في الأداء.

واعتبر أن الأتمتة الصناعية والروبوتات ستكونان من أبرز محركات نمو «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، ما يضع القطاع الصناعي إلى جانب الأسواق الاستهلاكية ضمن مجالات النمو التي تستهدفها الشركة.

السيارة منصة حوسبة أخرى

يتقاطع هذا الاتجاه مع قطاع السيارات، الذي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجية «كوالكوم». ولفت آمون إلى «سير»؛ شركة السيارات الكهربائية السعودية التي تستخدم تقنيات من «كوالكوم»، ضمن رؤيته لتحول السيارة إلى «كمبيوتر متصل على عجلات».

فالحوسبة داخل المركبة لم تعد تقتصر على الترفيه أو الملاحة، بل تمتد إلى المقصورة الرقمية، والتحكم بوظائف السيارة، والمركبات المعرفة بالبرمجيات، وأنظمة مساعدة السائق والاستقلالية. وأوضح أن «كوالكوم» في طريقها لأن تصبح أكبر مزود لتقنيات أشباه الموصلات لصناعة السيارات، مشيراً إلى عملها مع شركات السيارات عبر فئات متعددة.

ويعتقد أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يناسبون السيارة بصورة خاصة؛ إذ يستطيع السائق التفاعل معهم صوتياً، بينما تستفيد الأنظمة من الكاميرات والحساسات والسياق اللحظي لفهم ما يجري داخل المركبة وحولها. وهكذا تصبح السيارة، في رؤية آمون، امتداداً للفكرة نفسها التي تجمع الهاتف والكمبيوتر والنظارات والسماعات: عدة أجهزة مختلفة، لكن الذكاء الشخصي يستطيع التحرك عبرها بحسب السياق.

لماذا تغيرت أهمية الشرق الأوسط؟

عندما سألت «الشرق الأوسط» عن سبب تحول الشرق الأوسط إلى منطقة أكثر أهمية لـ«كوالكوم» مما كان عليه قبل عدة أعوام، أشار آمون إلى رغبة السعودية في التحول إلى مراكز للتكنولوجيا والاستثمار بقطاعات المستقبل وتنويع الاقتصادات. وأكد أن ذلك يتقاطع مع مسار «كوالكوم» نفسها، التي كانت أعمالها أكثر تركيزاً على سوق الهواتف قبل أن تبدأ التوسع إلى أسواق جديدة.

وفي السعودية تحديداً، ربط آمون العلاقة باستعداد المملكة للمراهنة مبكراً على توجه «كوالكوم» الجديد. واستشهد مرة أخرى بكون «هيوماين» أول عميل للشركة في مشروع مراكز البيانات، معتبراً أن ذلك أثمر عن «رابطة ثقة» ورغبة في السير معاً في هذه الرحلة. وأضاف أن هذه العلاقة كانت من أسباب قرار الشركة زيادة الموارد والتركيز على المنطقة.

توسع الشركة مفهوم الحوسبة الشخصية ليشمل الهاتف والكمبيوتر والسماعات والنظارات والسيارة (الشركة)

عندما يبدأ الهاتف بالعمل من دونك

في قمة «سنابدراغون»، انتقل الجزء الآخر من النقاش من الأسواق إلى الجهاز نفسه. ويشرح آمون التحول إلى «هاتف الذكاء الاصطناعي» بفكرة بسيطة: في السابق، عندما لا يستخدم الشخص هاتفه، كان الجهاز ينتظر. أما في عصر الوكلاء، فقد يستمر الهاتف في العمل حتى عندما لا تكون الشاشة أمام المستخدم، لأن وكيلاً قد ينفذ مهمة أو يبحث أو يتفاعل مع تطبيقات نيابة عنه.

وهذا يعني أن الهاتف أصبح مطالباً بخدمة طرفين في الوقت نفسه؛ المستخدم، ووكلاء الذكاء الاصطناعي الذين فوضهم المستخدم لتنفيذ مهام. ويقول آمون إن هذا يفرض تغييرات جوهرية على تصميم المعالج وحجم القدرة الحاسوبية والذاكرة والطاقة المطلوبة.

ومن بين ما أعلنته الشركة هذا العام معالجات تصل سرعتها القصوى إلى 5 غيغاهرتز، وهي سرعة قال آمون إنها تتحقق مع الحفاظ على عمر بطارية يمتد طوال اليوم، إضافة إلى قدرة الفئة الأعلى على تشغيل نماذج تتجاوز 30 مليار معلمة على الجهاز.

وتشير «كوالكوم» إلى أن «Snapdragon 8 Elite Extreme Gen 6» يدعم نماذج من نوع «Mixture of Experts» بأكثر من 30 مليار معلمة، مع ذاكرة مشتركة أكبر بنسبة 50 في المائة. كما طرحت الشركة هذا العام منصتين في الفئة الممتازة للمرة الأولى بدلاً من الاكتفاء بخيار واحد.

لكن آمون لا يعتقد أن الحدود الحالية ستكون كافية طويلاً؛ فقد تحدث عن الحاجة مستقبلاً إلى وحدات مساعدة مخصصة للذكاء الاصطناعي وتقنيات أكثر تكاملاً بين الحوسبة والذاكرة، في ظل ارتفاع متطلبات الوكلاء بسرعة.

«هاتف الذكاء الاصطناعي»

اقتصادياً، يرى آمون أن هذه القدرات يمكن أن تخلق دورة ترقية جديدة للأجهزة؛ فبدلاً من شراء هاتف جديد فقط للحصول على كاميرا أفضل أو بطارية أطول أو أداء أعلى، قد يظهر دافع جديد حين تصبح قدرات الذكاء الاصطناعي المتاحة على الأجهزة الجديدة مختلفة بما يكفي عن الأجيال السابقة.

وقال إن الصناعة تنتظر الانتقال من الهواتف الذكية الحالية إلى «هواتف الذكاء الاصطناعي»، متوقعاً أن يخلق ذلك طلباً على فئات وتجارب جديدة. ويرى أن إيقاع سوق الهواتف، الذي اعتادت فيه «كوالكوم» تطوير جيل جديد كل عام، منحها قدرة على التعامل مع السرعة الحالية في تطور الذكاء الاصطناعي، ونقل هذا النمط من الابتكار إلى أسواق أخرى.

ذكاء شخصي لا يرتبط بجهاز واحد

يصل آمون إلى أبعد من الهاتف في تعريف مستقبل الحوسبة الشخصية؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت «كوالكوم» تريد أن يصبح «سنابدراغون» طبقة الحوسبة التي ينتقل عبرها ذكاء شخصي واحد بين أجهزة المستخدم، رد أن هذه «طريقة جيدة» لوصف الاتجاه. وتسمي الشركة ذلك «الذكاء المتصل في كل مكان»؛ فـ«سنابدراغون» موجود في الهاتف، والنظارات الذكية، والمقصورة الرقمية داخل السيارة، فيما تتوسع المنصة إلى فئات جديدة مثل المعلقات الذكية والمجوهرات والأجهزة الصوتية. وأردف آمون أن مفهوم التنقل في المستقبل لن يتعلق بجهاز واحد، بل بمجموعة أجهزة تتحول كلها إلى نقاط اتصال لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

الخصوصية والأمن والسيطرة على الذاكرة الشخصية أصبحت عناصر أساسية مع الحاجة إلى تحديد ما ينتقل إلى السحابة (الشركة)

الأجهزة الصوتية

يظهر هذا الاتجاه أيضاً في الأجهزة الصوتية؛ فقد كشفت «كوالكوم» خلال القمة عن منصة «Snapdragon Sound Elite Gen 2»، التي صُممت لدفع السماعات والأجهزة القابلة للارتداء نحو دور يتجاوز تشغيل الصوت إلى العمل واجهاتٍ دائمة للذكاء الاصطناعي الشخصي.

وتقول الشركة إن المنصة توفر ما يصل إلى ضعفي قدرات الذكاء الاصطناعي على الجهاز مقارنة بالجيل السابق، مع استهلاك طاقة أقل بما يصل إلى 40 في المائة، وتدعم الاتصال المباشر بالخدمات السحابية عبر «واي فاي» من دون الحاجة دائماً إلى تمرير الاتصال عبر الهاتف. وتشمل الاستخدامات المستهدفة المساعدات الذكية والترجمة والنسخ وفهم السياق، ضمن فئات تمتد من السماعات التقليدية إلى النظارات الصوتية والأجهزة القابلة للارتداء الجديدة.

وتظهر الفكرة نفسها في إعلان «Googlebook»، وهي فئة جديدة من الحواسيب المحمولة تعمل بمنصة «Snapdragon X Elite» ومصممة حول «Gemini Intelligence». وتذكر «كوالكوم» أن أجهزة من «ديل» و«إتش بي» ستكون من أوائل المنتجات في هذه الفئة، مع دعم تطبيقات «أندرويد» الأصلية وتكامل بين الحاسوب والهاتف وقدرات ذكاء اصطناعي على الجهاز.

معادلة الثقة وتقليل الاحتكاك

يحتاج الذكاء الشخصي الذي يتبع المستخدم عبر عدة أجهزة إلى معرفة الكثير عنه، وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية. ويضع آمون نجاح هذه التجربة بين عاملين مترابطين؛ هما الثقة وتقليل الاحتكاك.

فإذا لم يعرف الوكيل سياق المستخدم، فلن يكون مفيداً بما يكفي، وسيجد الشخص أنه من الأسهل تنفيذ المهمة بنفسه. وفي المقابل، لن يمنح المستخدم هذا السياق لوكيل لا يثق في طريقة وصوله إلى البيانات أو تخزينها أو استخدامها.

ويذكر آمون أن المستهلك يجب أن يمتلك خياراً في تحديد المعلومات التي يمكن إرسالها إلى خدمات سحابية، وتلك التي يريد إبقاءها على الجهاز، مع نظام صلاحيات يحدد ما يستطيع الوكيل الوصول إليه. وتعمل «كوالكوم»، بحسب آمون، على بناء هذه الآليات داخل المنصة، بحيث يستطيع المستخدم تحديد مكان تخزين البيانات ومنح الأذونات المناسبة. ويشدد على أن هذه الحاجة إلى الخصوصية والسيطرة، إلى جانب سرعة المعالجة، من الأسباب التي تجعل الذكاء الاصطناعي المحلي على الجهاز مهماً بالتوازي مع السحابة. ولم يقدم آمون الأمر باعتباره مشكلة حُلّت، وقال صراحة: «لا أعتقد أننا نملك كل الإجابات».

من الذاكرة الشخصية إلى السيادة

يقود ذلك إلى مفهوم أوسع للذكاء الاصطناعي السيادي. ولا يرى كريستيانو آمون السيادة مرتبطة فقط بالطريقة التي تدير بها الدول أنظمة الدفاع أو الخدمات المالية أو الوظائف الحكومية، بل يمكن أن تمتد أيضاً إلى بيانات المواطنين ومدى قدرتهم على التحكم في الأجزاء التي يرغبون في إتاحتها لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وبرأيه فإن هذه الأسئلة توفر فرصاً أكبر للنماذج السيادية التي تجمع قدرات محلية في مراكز البيانات مع ذكاء يعمل على الأجهزة، وهو السياق الذي يضع فيه أيضاً تعاون الشركة مع «هيوماين».

جهاز «HUMAIN Horizon Ultra» من شركة «هيوماين» الذي يعمل بمنصة «Snapdragon X2 Elite» (الشرق الأوسط)

عندما يتصرف الوكيل باسم المستخدم

تصبح المشكلة الأمنية أكثر تعقيداً عندما لا يكتفي الوكيل بمعرفة المعلومات، بل يبدأ باستخدام بيانات اعتماد المستخدم والتفاعل مع خدمات خارجية نيابة عنه. ويرى آمون أن هذا يستدعي مستويات جديدة من المصادقة المستمرة للتأكد من أن الوكيل يعمل فعلاً لصالح الشخص المخول، مع دور أكبر للقياسات الحيوية وتخزين بيانات الاعتماد والمعلومات الحساسة داخل مناطق آمنة. ويشمل ذلك أيضاً ما وصفه بـ«خريطة الذاكرة الشخصية» للمستخدم، التي تحتاج بدورها إلى حماية. ويشدد على أن جزءاً مهماً من هذه الضمانات يجب أن يكون مدعوماً على مستوى العتاد نفسه، لا أن يظل مجرد طبقة برمجية تضاف فوق النظام، وهو ما يربطه بالآليات الأمنية الموجودة داخل منصات «سنابدراغون».

الجهاز والسحابة ينموان معاً

رغم تركيز «كوالكوم» على الذكاء الاصطناعي المحلي، لا يتوقع آمون أن يحل الجهاز محل السحابة. ويضرب مثالاً بتطبيقات الهاتف الحالية: المستخدم لا يعرف غالباً، ولا يحتاج إلى معرفة، أي جزء من التطبيق يعمل على الجهاز وأي جزء يعمل في مركز البيانات.

ويتوقع أن يعمل الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها؛ بحيث تنتقل المهام بسلاسة بين الجهاز والسحابة وفق الخدمة المطلوبة، والأداء، والخصوصية، والصلاحيات التي حددها المستخدم.

وأضاف أنه يرغب في مستقبل يمنح المستخدم صلاحية واضحة على هذه الاختيارات، حتى لو أصبحت عملية توزيع الأحمال نفسها شفافة بالنسبة إليه. ويرفض آمون أيضاً فرضية أن زيادة الحوسبة على الأجهزة ستخفض الطلب على مراكز البيانات. ويقول إن الاثنين «ينموان معاً»؛ فهناك وظائف يجب أن تحدث محلياً، بينما تحتاج مهام أخرى إلى قدرات السحابة الأكبر. ومع ازدياد عدد الوكلاء وتكرار استخدامها طوال اليوم، قد يرتفع إجمالي الطلب على الحوسبة في الطرفين بدلاً من أن ينتقل الحمل ببساطة من مكان إلى آخر.

سقف الحوسبة لم يتحدد بعد

يفسر هذا أيضاً قرار «كوالكوم» تقديم منصتين في قمة فئة «Snapdragon 8 Elite» للمرة الأولى؛ فالهاتف الرائد التقليدي لا يزال مطالباً بتقديم كاميرا أفضل وأداء أعلى وبطارية أطول وتجارب ألعاب متقدمة، لكن بعض الاستخدامات الوكيلية بدأت تضيف مستوى جديداً من الطلب على الحوسبة.

وذكر آمون أن الصناعة تمر الآن بمرحلة انتقال من «الهواتف الذكية» إلى «هواتف الذكاء الاصطناعي»، ولا تعرف بعد أين يوجد الحد الأعلى للقدرة التي ستحتاج إليها التطبيقات الجديدة. وتابع أن شركات الذكاء الاصطناعي والمستخدمين «يريدون مزيداً من الحوسبة»، ولذلك ما زالت الشركة تختبر إلى أي مدى يمكن لهذا الطلب أن يمتد.

نجاج الرهان

لا يقيس الرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم» نجاح الرهان على عصر الوكلاء بسرعة معالج، أو بعدد النماذج التي يمكن تشغيلها؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عما سيعتبره دليلاً على نجاح الاستراتيجية في السنوات الثلاث المقبلة حدد 3 مؤشرات؛ الأول: انتقال الاستخدام اليومي من نموذج يتمحور حول التطبيقات إلى نموذج يعتمد فيه الناس بصورة أكبر على الوكلاء لإنجاز المهام. والثاني أن تتوزع تجربة الحوسبة الشخصية على مزيد من الأجهزة، مع انتشار النظارات والساعات والمعلقات وغيرها من فئات الذكاء الشخصي. أما الثالث فهو ظهور دورة ترقية واضحة يبدأ فيها المستهلك بالقول إنه يحتاج إلى «هاتف ذكاء اصطناعي» جديد، بالطريقة نفسها التي دفعت فيها التحولات التقنية السابقة المستخدمين إلى أجيال جديدة من الأجهزة.

لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد في النهاية على معادلة لم تُحسم بعد: كلما عرف الوكيل أكثر عن المستخدم، أصبح أكثر فائدة، وكلما مُنح صلاحيات أكبر، أصبحت الأسئلة حول الخصوصية والأمن والسيطرة أكثر حساسية. وبين الرغبة في جعل الذكاء الاصطناعي يعمل باستمرار في الخلفية، والحاجة إلى إبقاء القرار والبيانات تحت سيطرة المستخدم، يرى آمون أن الصناعة لا تزال في بداية تحديد الحدود التي سيقبل بها الناس فعلياً.


عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
TT

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)

طوّر باحثون في معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي بالولايات المتحدة عدسة لاصقة ذكية وناعمة قابلة لإعادة الاستخدام، يمكنها قياس مستويات السيروتونين مباشرة من الدموع.

وأوضح الباحثون أن هذه الخطوة قد تمهد لتطوير وسائل غير جراحية لمتابعة بعض التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر مع مرور الوقت، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية (Science Translational Medicine).

ويُعد التوتر استجابة طبيعية للضغوط والمواقف الصعبة، إذ يطلق سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تساعد الجسم على التعامل معها. لكن استمرار التوتر أو تكراره لفترات طويلة قد يرتبط بتغيرات في النوم والمزاج وصحة القلب والمناعة والتمثيل الغذائي. وتحتاج متابعة المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر عادةً إلى عينات أو فحوص مخبرية، ما يدفع الباحثين إلى تطوير وسائل أسهل وأقل تدخلاً.

ويؤدي جزيء السيروتونين أدواراً متعددة في الجسم، من بينها المشاركة في تنظيم المزاج وبعض العمليات المرتبطة بالاستجابة للتوتر، كما يوجد في الدموع؛ لذلك بحث الفريق إمكانية قياس تغير مستوياته باستخدام جهاز يُرتدى على سطح العين، ضمن مشروع أوسع لدراسة الدموع كمصدر للمعلومات الكيميائية الحيوية عن الجسم.

ودمج الباحثون مستشعراً رقيقاً ومرناً داخل عدسة لاصقة ناعمة تقليدية. ويعتمد المستشعر على مركب «الفيروسين» (Ferrocene)، الذي يتفاعل كيميائياً مع السيروتونين، مولداً إشارة كهربائية صغيرة يمكن قياسها وتحويلها إلى قراءة لتركيزه.

وأظهرت الاختبارات قدرة المستشعر على اكتشاف السيروتونين بتركيزات منخفضة للغاية، بما يكفي لرصد تغيرات صغيرة في مستوياته.

واختبر الفريق العدسة أولاً على فئران تجارب تعرضت لتوتر مزمن، فلاحظ انخفاض مستويات السيروتونين في الدموع، بالتزامن مع ارتفاع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط باستجابة الجسم للتوتر، في الدم والدموع.

وفي تجربة بشرية أولية شملت 10 متطوعين، جُمعت عينات من الدموع خلال اختبار موحد لإحداث حالة من التوتر. وأظهرت النتائج نمطاً مشابهاً؛ إذ انخفضت مستويات السيروتونين في أثناء المهمة، قبل أن تبدأ في العودة نحو مستويات خط الأساس بعد انتهائها.

ومن أبرز نتائج الدراسة أن العدسة حافظت على دقة القياسات خلال ما يصل إلى 400 استخدام على مدى عدة أيام، ما يشير إلى إمكانية تصميمها للاستخدام المتكرر.

لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تعني أن العدسة أصبحت أداة لتشخيص التوتر أو الاضطرابات النفسية، إذ كانت التجربة البشرية صغيرة ومحدودة، ولا يزال من الضروري إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد العلاقة بين السيروتونين في الدموع والتوتر والصحة النفسية، كما أن النظام الحالي لا يمثل جهازاً طبياً مستقلاً؛ فهو يعتمد على مكونات خارجية لجمع القياسات وتحليلها. ويعمل الفريق على تطوير نسخة أكثر تكاملاً مزودة بمكونات لاسلكية تتيح جمع البيانات ونقلها في الوقت الفعلي في أثناء ارتداء العدسة.