هل يغير «ديب سيك» قواعد اللعبة للشركات والحكومات والمبتكرين في الشرق الأوسط؟

يسعى الشرق الأوسط للانتقال من مستهلك إلى منتج للذكاء الاصطناعي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية (شاترستوك)
يسعى الشرق الأوسط للانتقال من مستهلك إلى منتج للذكاء الاصطناعي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية (شاترستوك)
TT

هل يغير «ديب سيك» قواعد اللعبة للشركات والحكومات والمبتكرين في الشرق الأوسط؟

يسعى الشرق الأوسط للانتقال من مستهلك إلى منتج للذكاء الاصطناعي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية (شاترستوك)
يسعى الشرق الأوسط للانتقال من مستهلك إلى منتج للذكاء الاصطناعي عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية (شاترستوك)

أصبح الذكاء الاصطناعي بسرعة بمثابة العمود الفقري للتحول الاقتصادي والصناعي عالمياً. في الشرق الأوسط، يشهد تبني الذكاء الاصطناعي نمواً سريعاً، حيث تستثمر المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات في بنية تحتية للذكاء الاصطناعي وأبحاث التطبيقات وتطويرها. طموحات المنطقة واضحة وجريئة تتمثل في الانتقال من مستهلك للذكاء الاصطناعي إلى منتج له، مستفيدة من المواهب المحلية، والبيانات السيادية، والبنية التحتية المتطورة.

في قلب هذا التطور ظهر مؤخراً نموذج ذكاء اصطناعي جديد يدعى «ديب سيك»، واعداً بكفاءة أعلى وفاعلية من حيث التكلفة وقابلية للتوسع مقارنة بنماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية واسعة النطاق. قدرات «ديب سيك» كثيرة بدءاً من تقنية «خليط الخبراء MoE» (وهي تقنية لتقسيم المهام بين شبكات عصبية صغيرة لتقليل استهلاك الذاكرة وتحسين الكفاء) إلى تقنية التعلم المعزز. إنها قادرة على إعادة تشكيل الصناعات وتعميم الوصول إلى الذكاء الاصطناعي وتعزيز القدرة التنافسية الإقليمية.

يقدم «ديب سيك» نموذج ذكاء اصطناعي جديداً بكفاءة أعلى وتكلفة أقل مقارنة بالنماذج التقليدية (غيتي)

ميزان قوى الذكاء الاصطناعي

بينما سيطرت نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة مثل «تشات جي بي تي» (GPT) على الأسواق العالمية، يقدم «ديب سيك» بديلاً جديداً قد يمكن للشركات في الشرق الأوسط التكيف معه وتخصيصه ونشره بكفاءة.

«ديب سيك-R1» مصمم لتحدي هياكل تكلفة الذكاء الاصطناعي التقليدية. يوضح خافيير ألفاريز، المدير الإداري الأول في الاستراتيجية والتحول لدی شركة «إف تي آي كونسلتنغ»، خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، أنه إذا ثبتت صحة ادعاءات كفاءة «ديب سيك»، فقد يخفض تكاليف البنية التحتية بشكل كبير ويعمم تبني الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط.

يقدم «ديب سيك-R1» نموذجاً جديداً للذكاء الاصطناعي من خلال الجمع بين «خليط الخبراء» (MoE) والتنبؤ متعدد الرموز (MTP) لقراءة ومعالجة كلمات عدة في وقت واحد؛ ما يضاعف سرعة الاستجابة. كذا التعلم المعزز (RL) الذي يتعلم من تفاعلات المستخدمين لتطوير الدقة باستمرار.

هذه التطورات تقلل بشكل كبير من الحواجز أمام تبني الذكاء الاصطناعي وتسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) في الشرق الأوسط بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة دون الحاجة إلى بنى تحتية.

التحول من مستهلك إلى منتج

أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات في الشرق الأوسط هو التكلفة العالية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. يتطلب تدريب نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) موارد حاسوبية ضخمة والتي كانت تقليدياً تحت سيطرة عمالقة التكنولوجيا العالمية.

أما الآن، يكسر «ديب سيك» حاجز التكلفة للذكاء الاصطناعي؛ ما يعطي الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة في الشرق الأوسط فرصة حقيقية للتنافس. يقول داميلولا أوجو، المدير الإداري الأول في الاستراتيجية والتحول لدی شركة «إف تي آي كونسلتنغ»، خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إنه إذا نجح «ديب سيك» في الوفاء بوعده بتخفيض تكاليف تدريب الذكاء الاصطناعي، فقد يسمح للشركات الناشئة بتطوير نماذج قوية دون الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية باهظة الثمن من «إنفيديا» و«أمازون للخدمات السحابية» أو «غوغل».

ويوضح داميلولا أوجو، أن مبادرة السعودية البالغة 40 مليار دولار ستعزز بالفعل نمو الذكاء الاصطناعي. لكن نماذج مثل «ديب سيك» يمكن أن «تسرع قابلية التوسع مما يضمن وصولاً واسعاً إلى حلول الذكاء الاصطناعي بجزء بسيط من التكاليف الحالية». ويضيف ألفاريز: «مع تزايد تمويل الذكاء الاصطناعي، نشهد تحولاً في القوة بعيداً عن النماذج الثقيلة البنية التحتية نحو الابتكار في طبقة التطبيقات، حيث تكون للشرق الأوسط فرصة حقيقية للقيادة».

خافيير ألفاريز المدير الإداري الأول في الاستراتيجية والتحول لدی شركة «إف تي آي كونسلتنغ»

«ديب سيك» وتشكيل الصناعات

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط أبعد من التكنولوجيا، فهو يقود التحول في الرعاية الصحية، التعليم، التمويل، والنقل.

تدمج المستشفيات في المنطقة بشكل متزايد تشخيصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي والجراحات الروبوتية. على سبيل المثال، تستخدم مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن السرطان وتخطيط العلاج. كذلك، تستثمر مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي في الجراحة الروبوتي؛ ما يحسّن الدقة ونتائج المرضى. أيضاً، تستخدم مستشفى جابر بالكويت الذكاء الاصطناعي لمراقبة القلب في الوقت الحقيقي والإجراءات التنظيرية. ويرى خبراء «إف تي آي كونسلتنغ»، أنه مع نماذج مثل «ديب سيك» يمكن لمؤسسات الرعاية الصحية تطوير أدوات تشخيص مدعومة بالذكاء الاصطناعي بشكل أسرع وبتكاليف أقل؛ ما يقلل الاعتماد على حلول الذكاء الاصطناعي المستوردة.

داميلولا أوجو المدير الإداري الأول في الاستراتيجية والتحول لدی شركة «إف تي آي كونسلتنغ»

معالجة حواجز تبني الذكاء الاصطناعي

على الرغم من الإمكانات، لا تزال هناك حواجز عدة في رحلة الشرق الأوسط نحو الذكاء الاصطناعي. تستثمر السعودية في مراكز بيانات جاهزة للذكاء الاصطناعي، مع شراكات تشمل «أرامكو» و«سيربراس سيستمر» و«إيه إم دي» (AMD). ومع ذلك، لا تزال الشركات الناشئة المحلية تواجه تحديات في الوصول إلى موارد الحوسبة عالية الأداء.

ويلاحظ أوجو خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن مراكز البيانات تنمو، لكن هناك حاجة إلى المزيد من الاستثمار في خدمات السحابة المخصصة للذكاء الاصطناعي التي تلبي الاحتياجات الإقليمية.وهناك مسألة النقص في المتخصصين المؤهلين في الذكاء الاصطناعي. ويرى ألفاريز أننا نشهد دفعة كبيرة نحو تعليم الذكاء الاصطناعي، لكن على المدى القصير، لا تزال المنطقة في حاجة إلى جذب المواهب العالمية في الذكاء الاصطناعي.

حقائق

20000 متخصص في الذكاء الاصطناعي

هو ما تهدف استراتيجية السعودية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى تدريبهم بحلول 2030

توطين البيانات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

يتم تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات غربية، بحسب الخبراء؛ ما يجعلها أقل فاعلية في التطبيقات العربية.

«ديب سيك»، مع «نهج الأوزان المفتوحة» يسمح للشركات بضبط نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام مجموعات البيانات الإقليمية الخاصة. ويصرح أوجو بأن لدى منطقة الشرق الأوسط فرصة لقيادة حوكمة الذكاء الاصطناعي من خلال ضمان تطوير أخلاقي يتناسب مع الثقافة واللوائح الإقليمية.

المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد مستهلك للذكاء الاصطناعي، بل رائدة فيه. مع تقديم «ديب سيك» بديلاً فعالاً من حيث التكلفة وقابلاً للتوسع، قد يصبح لدى المنطقة فرصة فريدة لقيادة الابتكار في الذكاء الاصطناعي عالمياً. يشدد خبيرا «إف تي آي كونسلتنغ» على أن الشرق الأوسط يضع نفسه منافساً جدياً في سباق الذكاء الاصطناعي. بدءاً من الأبحاث المدعومة من الحكومة إلى البنية التحتية المتطورة وتطوير المواهب.

ويضيف الخبيران: «قادة الذكاء الاصطناعي القادمون سيكونون أولئك الذين يستثمرون في المواهب والبنية التحتية والتطبيقات المحلية وأن الشرق الأوسط يفعل ذلك بالضبط». 

طموحات الشرق الأوسط في الذكاء الاصطناعي واضحة وجريئة وتتحقق بسرعة. فبينما تتجاوز السعودية وجيرانها مرحلة تبني الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الإبداع فيه، قد توفر نماذج مثل «ديب سيك» الأدوات اللازمة لبناء نظام بيئي سيادي للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

«سناب» لـ «الشرق الأوسط»: الإنفاق الرقمي في السعودية يدخل مرحلة التركيز على العائد

خاص تشير «سناب» إلى أن النضج الإعلاني يعتمد على ترابط الاستراتيجية والإبداع والتنشيط والبيانات والقياس ضمن منظومة واحدة (شاترستوك)

«سناب» لـ «الشرق الأوسط»: الإنفاق الرقمي في السعودية يدخل مرحلة التركيز على العائد

ينتقل الإعلان الرقمي السعودي نحو الفاعلية عبر ربط الاستراتيجية والإبداع والقياس بالنتائج، وتعزيز الملاءمة الثقافية، وتكامل القنوات، لتحقيق نمو مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تركز الاختبارات الجديدة على المحتوى المرتبط بالسياسة والأحداث الجارية والنصائح المالية والمعلومات الطبية (شاترستوك)

«تيك توك» توسّع أدوات كشف المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي

تُوسّع «تيك توك» أدوات كشف المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي وتُعزز التوعية والشفافية للحد من التضليل والحسابات المزعجة عبر منصتها.

نسيم رمضان (لندن)
علوم شكل تصويري للخلية الحية للإنسان المكونة من نواة تحيط بها السيتوبلازما داخل غشاء محيط بها

كيف نجح العلماء في خلق خلية من العَدَمْ؟

تتغذى، وتنمو، وتتكاثر، وتحمل معظم سمات الحياة، وقادرة على أداء أغلب الوظائف

كارل زيمر (نيويورك)
تكنولوجيا تصميم أنيق ومريح لجميع أحجام وأشكال الأذن

«سوني لينكبدز كليب أوبين» تُعيد تعريف الصوتيات الشخصية

تتحدى عزل الضوضاء التقليدي بدعم لتقنيات الذكاء الاصطناعي

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)