5 خيارات للسيطرة على تهديدات الذكاء الاصطناعي للحق في الخصوصية

الحرفان الأولان من عبارة «الذكاء الاصطناعي» مع يد روبوت مصغرة في هذا الرسم التوضيحي الملتقط في 23 يونيو 2023 (رويترز)
الحرفان الأولان من عبارة «الذكاء الاصطناعي» مع يد روبوت مصغرة في هذا الرسم التوضيحي الملتقط في 23 يونيو 2023 (رويترز)
TT

5 خيارات للسيطرة على تهديدات الذكاء الاصطناعي للحق في الخصوصية

الحرفان الأولان من عبارة «الذكاء الاصطناعي» مع يد روبوت مصغرة في هذا الرسم التوضيحي الملتقط في 23 يونيو 2023 (رويترز)
الحرفان الأولان من عبارة «الذكاء الاصطناعي» مع يد روبوت مصغرة في هذا الرسم التوضيحي الملتقط في 23 يونيو 2023 (رويترز)

قبل نحو عامين، فرضت تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها على جدول أولويات صناع القرار في عديد من المجالات على مستوى العالم، بعد أن اتضح أن الجيل الجديد من هذه التكنولوجيا الرقمية ينطوي على فوائد جمة وتحديات ومخاطر كثيرة في الوقت نفسه. وبسبب خطورة وأهمية ما تمثله تطورات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، نشرت مؤسسة الأبحاث والتطوير الأميركية للدراسات الاستراتيجية «راند»، دراسة حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على قوانين حماية الخصوصية أعدّها 6 خبراء، هم: تيفاني صادق الأستاذة في كلية القانون بجامعة ميشيغان، وكارلين ستانلي كبير باحثين في السياسة بمؤسسة «راند»، والمحلل السياسي غريغوري سميث، والباحثة كريستينا مارسينك، والمحلل السياسي بول كورماري، وساليل جوناشيكار المدير المشارك في مركز أبحاث «راند أوروبا».

وتقول الدراسة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، إن الذكاء الاصطناعي يعد ببدء عصر من التطور التكنولوجي السريع الذي قد يؤثر في كل جوانب المجتمع تقريباً، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. وتحتاج الاستفادة من مزايا الذكاء الاصطناعي جمع ومعالجة وتفسير كميات كبيرة من البيانات، بما في ذلك البيانات الشخصية والحساسة، لذلك، ظهرت الأسئلة المتعلقة بكيفية حماية البيانات، والحق في الخصوصية في النقاش العام.

وتلعب حماية الخصوصية دوراً محورياً في محافظة الأفراد على معلوماتهم الشخصية، وفي حماية المؤسسات للمعلومات الحساسة للأفراد، ومنع استخدامها في عمليات الاحتيال أو الوصول غير المسموح به لبيانات الأفراد. ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة تفتقر لإطار تشريعي أو تنظيمي اتحادي شامل لتنظيم حقوق البيانات، والخصوصية وحمايتها.

وهناك عديد من المحاولات لصياغة قانون اتحادي شامل للخصوصية، بما في ذلك قانون حقوق الخصوصية الأميركي، الذي يستهدف تنظيم جمع ونقل واستخدام بيانات الأميركيين في أغلب الدوائر. ورغم أن بعض قضايا خصوصية البيانات يمكن معالجتها بالتشريعات، هناك فجوات في حماية البيانات؛ بسبب السمات الفريدة للذكاء الاصطناعي.

ومن أكثر الأمور المثيرة للقلق من منظور حماية البيانات في الذكاء الاصطناعي الغياب المحتمل لفهم كيفية قيام الخوارزميات باستخدام وجمع وتعديل البيانات، أو اتخاذ القرارات على أساس البيانات. هذا الغياب المحتمل للفهم يُعرف باسم «التعتيم الخوارزمي»، ويمكن أن ينتج عن الطبيعة المعقدة للخوارزميات أو الإخفاء المتعمد من خلال استخدام أي شركة لقانون حماية الأسرار التجارية لكي تحمي خوارزمياتها، أو استخدام تعليم الآلة لإنشاء خوارزمية، وفي هذه الحالة ربما لا يكون في مقدور مطوري الخوارزميات التنبؤ بكيفية أدائها. فالتعتيم الخوارزمي يمكن أن يجعل من الصعب أو المستحيل رؤية كيفية نقل البيانات المستخدمة في الوصول إلى بيانات جديدة أو القرارات الناتجة عن استخدام تلك البيانات، وهو ما يثير الأسئلة حول محدودية القدرة على فحص أو تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب دراسة مؤسسة «راند»، هناك مجموعة أخرى من الهواجس بشأن الخصوصية، التي تأخذ جوانب فريدة مرتبطة بالذكاء الصناعي أو تضخم هذه السمات الفريدة للذكاء الاصطناعي، ومنها إعادة استخدام البيانات، التي تشير إلى البيانات التي يتم استخدامها بعيداً عن الغرض المقصود أو المعلن لها، ودون علم ولا موافقة صاحبها. ففي سياق الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحدث إعادة استخدام البيانات، عندما يتم جمع بيانات السيرة الذاتية من أحد الأشخاص لتغذية خوارزمية يمكن أن تتعلم من هذه البيانات الأنماط المرتبطة ببيانات الشخص. على سبيل المثال، تضمنت حزمة التحفيز الاقتصادي في الولايات المتحدة في أثناء الأزمة المالية التي تفجرت في خريف 2008، تمويل عملية رقمنة سجلات الرعاية الصحية بهدف تسهيل نقل بيانات المرضى بين موفري الرعاية الصحية لمصلحة المرضى. ورغم ذلك يمكن أن تستخدم المستشفيات وشركات التأمين الخوارزميات الطبية لتحديد المخاطر الصحية لكل شخص، ومدى جدارته بالحصول على الرعاية الطبية، وهو غرض لم يكن مقصوداً في البداية عند جمع ورقمنة هذه البيانات.

ويتعلق هاجس ثانٍ بانتشار البيانات، الذي يحدث عندما يتم جمع البيانات بشأن الأفراد الذين لم يكونوا مقصودين في أثناء جمع البيانات. على سبيل المثال يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل صورة تم التقاطها لشخص ما لكنها تضم أشخاصاً آخرين غير مقصودين. وهناك مثال آخر وهو أقارب أي شخص يقوم بتحميل بياناته الجينية إلى أحد مراكز تجميع البيانات الجينية مثل «23 آند مي».

الهاجس الثالث هو استمرارية البيانات، ويشير إلى بقاء البيانات لفترة أطول مما كان متوقعاً في أثناء جمعها، وربما بما يتجاوز حياة الأشخاص الذين جمعوا البيانات أو الذين وافقوا على استخدامها، خصوصاً إذا تم دمج البيانات في خوارزمية ذكاء اصطناعي أو أُعيد تجميعها أو أُعيد استخدامها.

ورغم ذلك فإن دراسة مؤسسة «راند» تقترح مجموعة من الخيارات المحتملة لمعالجة المخاطر الفريدة للذكاء الاصطناعي على الخصوصية، ومنها الحد من جمع البيانات والاكتفاء بالحد الأدنى منها، وهو ما يشير إلى ضرورة أن يقتصر جمع البيانات الشخصية على تلك المطلوبة أو اللازمة بشكل مباشر لتحقيق أهداف محددة بدقة. وهذا المبدأ يتعارض مع النهج الذي تستخدمه كثير من الشركات اليوم، التي تجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات. وتحت مظلة تقليل جمع البيانات إلى أقصى درجة ممكنة، يجب فرض قيود قانونية على استخدام البيانات بالنسبة للهدف المحدد في أثناء جمعها.

الخيار الثاني هو تقييمات التأثير الخوارزمي على الاستخدام العام. حيث تهدف تقييمات التأثير الخوارزمي إلى إخضاع المؤسسات التي تستخدم أنظمة صناعة القرار الآلية للمحاسبة. وتواجه تقييمات التأثير الخوارزمي مشكلة التعتيم الخوارزمي من خلال كشفها عن الأضرار المحتملة الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار ودعوة المؤسسات لاتخاذ خطوات عملية للتخفيف من الأضرار المحددة. وسيفرض أي تقييم للتأثير الخوارزمي الكشف عن أنظمة صناعة القرار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي سواء القائمة أو المقترحة، بما في ذلك أغراضها ونطاقها، والتأثيرات المحتملة على المجتمعات قبل بدء استخدام مثل هذه الخوارزميات.

الخيار الثالث لمواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي على الخصوصية يتمثل في التدقيق الخوارزمي، الذي يعدّ تقييماً منظماً لأي نظام ذكاء اصطناعي لضمان توافقه مع الأهداف والمعايير والاشتراطات القانونية المحددة سلفاً. وفي إطار مثل هذا التدقيق، يتم فحص تصميم ومدخلات ومخرجات أي نظام، وحالات الاستخدام والأداء بشكل عام وبصورة مستمرة لتحديد أي فجوات أو ثغرات أو مخاطر. ويتضمن التدقيق الخوارزمي المناسب، وضع أهداف محددة وواضحة للتدقيق مثل التحقق من الأداء والدقة، بالإضافة إلى وضع معايير موحدة لتقييم أداء النظام. وفي سياق الخصوصية، يمكن للتدقيق أن يؤكد أن البيانات تستخدَم في الإطار الذي وافق عليه الأشخاص، وتحت مظلة اللوائح المعمول بها.

الخيار الرابع لمعالجة هواجس الخصوصية هو «الإفصاح الإلزامي»، الذي يقضي بضرورة قيام المؤسسة التي تستخدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بإبلاغ العامة بذلك. على سبيل المثال يلزم قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي الشركات بوضع علامة مميزة على أي محتوى منتج باستخدام الذكاء الاصطناعي. كما يشترط قانون الاتحاد الأوروبي الإفصاح عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتصنيف الأشخاص أو التعرف على مشاعرهم أو نواياهم باستخدام البيانات اليومترية الخاصة بهم. وفي العام الماضي تم طرح مشروع قانون مماثل في الولايات المتحدة.

وأخيراً، تتمثل الاعتبارات المتعلقة بصناع السياسة الخيار الخامس والأخير لمعالجة مخاطر الذكاء الاصطناعي على الخصوصية، حيث يجب عليهم تحقيق التوازن الصحيح بين التنظيم والابتكار. ولذلك فإن توسيع دائرة المشاركين في صياغة سياسات وقواعد استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تهدئة المخاوف من أن تؤدي القواعد والنظم إلى خنق الابتكار والتطوير والاستفادة من المزايا التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الإطار تبنّى قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي دعوة كل الأطراف المعنية بهذه الصناعة، خصوصاً مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي للمشاركة في وضع مدونة السلوك المنظمة لنماذج الذكاء الاصطناعي العامة. كما يتضمن قانون الاتحاد الأوروبي بنوداً لدعم الابتكار، خصوصاً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، ومنها الشركات الناشئة. على سبيل المثال، يوفر القانون ما تُسمى «صناديق الاختبار التنظيمية»، التي تعني إيجاد بيئة اختبار وتجربة خاضعة لرقابة صارمة من جانب الجهات التنظيمية. والهدف المحدد من «صندوق الاختبار التنظيمي» هو تعزيز ابتكارات الذكاء الاصطناعي من خلال توفير أطر لتطوير وتدريب وإثبات صحة واختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تضمن الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، وبالتالي تخفيف عدم اليقين القانوني بالنسبة لموفري هذه الأنظمة.


مقالات ذات صلة

ترمب يطلب ميزانية دفاع بقيمة 1.5 تريليون دولار لسنة 2027

الولايات المتحدة​ وكيل وزارة الحرب جولز هيرست (يسار) ومدير هياكل القوات الفريق ستيفن ويتني يعقدان مؤتمراً صحافياً لمناقشة طلب ميزانية وزارة الدفاع الأميركية للسنة المالية 2027 في البنتاغون في 21 أبريل 2026 في أرلينغتون بولاية فيرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)

ترمب يطلب ميزانية دفاع بقيمة 1.5 تريليون دولار لسنة 2027

كشفت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الثلاثاء، عن مزيد من التفاصيل بشأن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ميزانية الدفاع البالغة 1.5 تريليون دولار ﻟ2027.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» بالعاصمة واشنطن 16 أبريل 2026 (أ.ب)

هيغسيث: الجيش الأميركي لم يعد ملزماً بأخذ لقاح الإنفلونزا

قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن «البنتاغون» لن تلزم أفراد القوات المسلحة بعد الآن بالحصول على لقاح الإنفلونزا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير التوحيد الكوري الجنوبي تشونغ دونغ يونغ (أ.ف.ب)

تقارير: واشنطن تقيد تقاسم بيانات الأقمار الاصطناعية بشأن كوريا الشمالية مع سيول

فرضت الولايات المتحدة تقييداً جزئياً على تقاسم بيانات الأقمار الاصطناعية بشأن كوريا الشمالية مع سيول، بعدما اتهمت وزيراً كورياً جنوبياً بالكشف عن معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أميركا اللاتينية رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا وزوجته روزاريو موريو (أ.ب) p-circle

رئيس نيكاراغوا: ترمب مصاب بـ«اختلال عقلي»

اتهم رئيس نيكاراغوا، دانيال أورتيغا، نظيره الأميركي دونالد ترمب بأنه مصاب بـ«اختلال عقلي» لأنه أطلق حرباً ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه)
الولايات المتحدة​ منظر عام لمقر السفارة الأميركية في برازيليا بالبرازيل (رويترز)

أميركا تطلب من الملحق الأمني البرازيلي مغادرة البلاد

قالت سفارة الولايات المتحدة في البرازيل أمس الاثنين إن الحكومة الأميركية طلبت من الملحق الأمني البرازيلي مارسيلو إيفو دي كارفالو مغادرة البلاد.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.


«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
TT

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)
«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

تدخل «أبل» واحدة من أكثر مراحل الانتقال القيادي أهمية في تاريخها الحديث، لكن دلالة هذه الخطوة تتجاوز مجرد تبديل في المناصب. فقد أعلنت الشركة أن تيم كوك سيتولى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيتولى جون تيرنوس، الذي يشغل حالياً منصب النائب الأول لرئيس هندسة الأجهزة، منصب الرئيس التنفيذي للشركة. وسيبقى كوك في منصبه حتى نهاية الصيف للإشراف على عملية التسليم، فيما قالت «أبل» إن القرار يأتي ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد أقرها مجلس الإدارة بالإجماع.

بالنسبة إلى «أبل»، يطوي هذا الإعلان صفحة، ويفتح أخرى في توقيت حساس. فقد قاد كوك الشركة منذ عام 2011، وأشرف خلال هذه الفترة على نمو قيمتها السوقية من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية من 108 مليارات دولار في السنة المالية 2011 إلى أكثر من 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، وفق أرقام الشركة. وخلال ولايته، وسّعت «أبل» أعمالها في الخدمات، وعززت حضورها في قطاع التجزئة عالمياً، وتقدمت أكثر في الأجهزة القابلة للارتداء، كما أنجزت انتقالها إلى الشرائح المصممة داخلياً.

التحدي الأساسي أمام الرئيس التنفيذي الجديد يتمثل في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة عملية داخل منتجات الشركة (أبل)

تحدي المرحلة المقبلة

لكن المرحلة المقبلة التي تنتظر تيرنوس تختلف عن تلك التي ورثها كوك. فقد أشارت «رويترز» إلى أن «أبل» تُجري هذا التغيير في وقت أعاد فيه الذكاء الاصطناعي رسم المشهد التنافسي، وأثار تساؤلات جديدة لدى المستثمرين بشأن ما إذا كانت الشركة قد تحركت بالسرعة الكافية.

صحيح أن «أبل» كانت من أوائل من رسّخوا التفاعل الاستهلاكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر «سيري»، لكنها لم تقدم حتى الآن نجاحاً حاسماً في عصر الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الأجهزة، أو البرمجيات، بحجم ما تسعى إليه شركات منافسة، وأخرى ناشئة. كما لفتت «رويترز» إلى اتفاق الشركة في يناير (كانون الثاني) مع «غوغل» لاستخدام «جيمناي» لتحسين «سيري»، في إشارة إلى أن «أبل» لا تزال تحسم كيف ستوازن بين قدراتها الداخلية وشراكاتها الخارجية في رسم مستقبلها في هذا المجال.

وهنا تتضح أسباب اختيار «أبل» قائداً قادماً من هندسة الأجهزة، بدلاً من اللجوء إلى شخصية خارجية أو تنفيذية ذات خلفية مالية. فقد انضم تيرنوس إلى فريق تصميم المنتجات في «أبل» عام 2001، وأصبح نائباً لرئيس هندسة الأجهزة في 2013، ثم انضم إلى الفريق التنفيذي في 2021. وخلال هذه المسيرة تولى مسؤوليات مباشرة مرتبطة بتطوير «آيفون»، و«آيباد»، و«ماك»، و«أبل ووتش»، و«إيربودز»، فيما يوصف دوره بأنه كان محورياً في استعادة زخم «ماك»، ورفع حضوره العلني داخل الشركة في السنوات الأخيرة. ويبلغ تيرنوس من العمر 50 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً الذي كان عليه كوك عندما خلف ستيف جوبز عام 2011.

إعادة توزيع المناصب الهندسية داخل «أبل» تعكس استعدادها لمرحلة تتطلب أكثر من قوة الأجهزة وحدها (إ.ب.أ)

الهندسة في الواجهة

يشير هذا الاختيار أيضاً إلى أن «أبل» لا تزال ترى في تنفيذ المنتج بوابتها الأوضح لعبور تحديات المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالذكاء الاصطناعي بوصفه توجهاً عاماً، بل بكيفية تحويله إلى قيمة عملية داخل أجهزة الشركة الأساسية من دون الإخلال بالنهج الذي بنت عليه «أبل» هويتها، والقائم على التكامل، والخصوصية، والتحكم الدقيق في التصميم. ويرى مراقبون أن إدماج الذكاء الاصطناعي داخل «آيفون» قد يكون أصعب اختبار يواجهه تيرنوس. وفي الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام منافسين يتحركون بقوة في فئات متجاورة، من النظارات الذكية لدى «ميتا»، إلى طموحات «إنفيديا» في الحوسبة الشخصية.

وجاء توقيت إعلان ثانٍ من «أبل» في اليوم نفسه ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بخلافة رمزية فقط.

فقد أعلنت الشركة أيضاً تعيين جوني سروجي في منصب كبير مسؤولي الأجهزة، في خطوة تعكس تشديد الهيكل الإداري حول منظمة الهندسة مع انتقال تيرنوس إلى قمة الهرم التنفيذي. ويعطي القراران معاً انطباعاً بأن «أبل» تحاول الحفاظ على الاستمرارية الداخلية، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسها لمرحلة تنافسية أشد صعوبة، قد لا تكفي فيها وحدها قوة الأجهزة للحفاظ على التفوق.

لهذا تبدو هذه الخطوة أكبر من مجرد إعادة ترتيب إداري تقليدية. فبعد أن قاد كوك الشركة في مرحلة اتسمت بالاتساع، والانضباط التشغيلي، والنمو المالي، يرث تيرنوس «أبل» وهي لا تزال واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، لكنها مطالبة الآن بإثبات قدرتها على صياغة دورة الحوسبة المقبلة، لا الاكتفاء بالدفاع عن موقعها داخلها. وما إذا كان الفصل الجديد سيُقرأ لاحقاً بوصفه امتداداً منظماً لمسار الشركة، أم بداية إعادة تموضع أكثر صعوبة، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرة الرئيس التنفيذي الجديد على تحويل قوة الهندسة إلى استراتيجية أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي.


المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
TT

المكتب المتنقل... التقنية تحوّل سيارتك إلى مركز إنتاجية ذكي

يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة
يمكن معاينة الاجتماعات وجدول المواعيد بكل سهولة في السيارات الذكية الجديدة

لم يعد مفهوم العمل عن بُعد محصوراً في زوايا المنزل أو المقاهي الهادئة، بل انطلق ليعيد صياغة المقصورة الداخلية للسيارة كمساحة احترافية متكاملة. ومع تسارع وتيرة الحياة المهنية، تكيفت تقنيات السيارات الحديثة لتوفر حلولاً ذكية تكسر حواجز المكان والزمان؛ فلم تعد الرحلات اليومية أو الوقوف في الازدحام المروري عائقاً أمام الإنتاجية، بل تحولت إلى فرصة ذهبية لإنجاز المهام. ويمنح هذا العصر الجديد الموظف والقيادي مرونة فائقة، حيث تندمج أدوات التواصل الرقمي بسلاسة مع أنظمة القيادة، مما يمهد الطريق لمستقبل تصبح فيه سيارتك هي عنوان مكتبك المفضل والمزود بأحدث سبل الراحة والتقنية.

أصبحت السيارة مكتبا متنقلا بسبب تكامل العديد من التقنيات لخدمة المستخدم

بداية جديدة للعمل المتنقل

هذا التحول الجذري مدفوع بتكامل أنظمة التشغيل المتطورة في السيارات الذكية (مثل «آندرويد أوتو» Android Auto و«أبل كار بلاي» Apple CarPlay) مع أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي ووسائل الاتصال المرئي، مما يجعل المكتب المتنقل واقعاً لا مجرد خيال علمي. ونذكر فيما يلي أبرز ما يمكن القيام به من داخل السيارة:

> قاعة الاجتماعات على لوحة القيادة: في قلب هذا التحول، يأتي إدماج تطبيقات الاجتماعات الافتراضية مثل «اجتماعات غوغل» Google Meet و«زووم» Zoom مباشرة في واجهة الشاشة الكبيرة للسيارة، حيث أصبح بإمكان السائقين الآن الانضمام إلى الاجتماعات المرئية أو المكالمات الصوتية بضغطة زر واحدة على شاشة السيارة. ولا تقتصر هذه المزايا على الصوت فقط، بل بدأت الشركات تحسين تجربة العرض لتسمح للمستخدم متابعة شرائح العروض التقديمية وجداول الأعمال بوضوح تام، مع مراعاة معايير السلامة التي تضمن عدم تشتت الانتباه أثناء القيادة.

• مساعدك الذكي خلف المقود: لا يتوقف الأمر عند حدود الاجتماعات، بل دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي كعنصر أساسي في هذه التجربة. فمع التحديثات المرتقبة لأنظمة «أبل كار بلاي»، يُتوقع أن يصبح المساعد الصوتي قادراً على صياغة رسائل البريد الإلكتروني المعقدة وتلخيص الوثائق الطويلة وحتى تقديم أفكار إبداعية للمشاريع بينما تكون يدا المستخدم على عجلة القيادة. ويعني هذا التكامل أن الساعات التي يقضيها الموظف في الزحام المروري لم تعد وقتاً ضائعاً، بل أصبحت من أكثر الساعات إنتاجية في اليوم. كما تستطيع المساعدات الرقمية الحديثة تنظيم جداول المواعيد والتذكير بالمهام العاجلة وحتى طلب القهوة المفضلة وتنسيق الدفع دون أن يترك المستخدم مهام عمله.

• هندسة المقصورة كبيئة مكتبية: من الناحية اللوجيستية، صُممت مقصورات السيارات الحديثة لتكون بيئة مريحة للعمل الطويل، ذلك أن المقاعد التي كانت مخصصة للراحة أثناء السفر أصبحت الآن تدعم وضعيات جلوس صحية للعمل المطول، مع توفر طاولات قابلة للطي ومخارج طاقة متعددة لشحن الأجهزة. كما يمكن تعديل الإضاءة المحيطة داخل السيارة لتناسب وضع التركيز، مع ضمان نظام العزل الصوتي الفائق أن تظل ضوضاء الشارع بعيدة عن مسمع أطراف الاجتماع أو المكالمة، مما يوفر هدوءاً يضاهي مكاتب مراكز الأعمال.

• ثورة الاتصال والواقع المعزز: شهدت تقنية الاتصال كذلك ثورة، حيث أصبحت السيارات الحديثة تعمل كأبراج بث مصغرة بفضل تقنيات شبكات الجيل الخامس 5G المدمجة، ما يوفر سرعات إنترنت تضمن عدم انقطاع البث أثناء المؤتمرات المرئية. وهذه الاستقلالية تجعل السيارة مكاناً مثالياً للعمل في أي موقع، سواء كانت في موقف هادئ أو داخل المدينة. وللواقع المعزز Augmented Reality AR دور حيوي أيضاً؛ فالزجاج الأمامي للسيارة لم يعد مجرد نافذة للخارج، بل يمكن استخدامه شاشة عرض ضخمة للمسودات والرسومات البيانية عند التوقف عن القيادة. هذا النوع من التقنية يمنح المستخدم مساحة عمل بصرية تتجاوز حدود شاشات الكمبيوتر المحمول التقليدية.

يمكن بث محتوى الاجتماعات وعرض المسودات والرسومات البيانية على زجاج السيارة دون الحاجة لإزاحة النظر عن الطريق

الخصوصية والأمان

> الخصوصية والأمان: عند الحديث عن الخصوصية، توفر السيارة بيئة عمل منعزلة تماماً، وهو أمر يصعب تحقيقه في المكاتب المفتوحة. ويمكن للمستخدم إجراء مكالماته المهمة دون خوف من المتنصتين، كما أن الأنظمة الصوتية تستخدم تقنية إلغاء الضوضاء لتنقية صوت المستخدم وجعله يبدو وكأنه يتحدث من مكتبه الشخصي.

> القيادة الذاتية ومستقبل التعاون المشترك: مع تطور أنظمة القيادة الذاتية، تزداد إمكانات المكتب المتنقل؛ ففي اللحظة التي تتولى فيها السيارة مهام القيادة، يمكن للموظف تحويل مقعده لمواجهة شاشة عرض خلفية أو استخدام لوحة مفاتيح لاسلكية مدمجة. وتتوقف السيارة هنا عن كونها أداة تنقل لتصبح غرفة اجتماعات متحركة. ولا يقتصر الأمر على العمل الفردي، بل يمكن للسيارة أن تصبح مساحة للتعاون المشترك؛ فبفضل نظم مشاركة الشاشات، يمكن لشخصين داخل السيارة العمل على الملف نفسه في آن واحد، مما يعزز مفهوم العمل المرن ويقلل الحاجة للمساحات المكتبية الضخمة.

> رفع مستويات الأمان أثناء القيادة: حالياً، تقدم وظائف العمل المكتبي والذكاء الاصطناعي القدرة على التواصل مع الآخرين، ولكن مع إيقاف بعض المزايا التي تتطلب تفاعل المستخدم مع الآخرين، وذلك بهدف سلامة السائق. وتشمل المزايا عدم القدرة على صُنع اجتماع جديد وتحديد الأطراف المشاركة والتوقيت، وكذلك عدم القدرة على الضغط على زر رفع اليد للتحدث في الاجتماع وعدم توفير القدرة على المشاركة في الاستبيانات، إلى جانب عدم القدرة على قراءة إجابات «تشات جي بي تي» والاستعاضة عنها بنطق النتيجة.

> جودة الحياة والاستدامة المهنية: يسمح المكتب المتنقل للموظف باختيار إطلالة مكتبه يومياً، مما يقلل من ضغوط العمل الروتينية. وتعرف السيارة بفضل نظمها الذكية متى يحتاج المستخدم إلى استراحة، لتقوم بتعديل الأجواء والحرارة، ما يحافظ على الصحة البدنية والنفسية للموظف. الأمر المثير للاهتمام هو أن جميع تطبيقات السيارة والكمبيوتر المحمول تعتمد على إضافة المزيد من المزايا والخصائص بشكل مستمر، مما يضمن أن المكتب المتنقل سيتطور باستمرار. وما دمج تطبيقات «اجتماعات غوغل» وقدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلا الخطوة الأولى نحو مستقبل يصبح فيه مصطلح الذهاب إلى المكتب يعني ببساطة الجلوس في كرسي السائق ومباشرة الإنتاجية المهنية.

ويمكن استخدام مزايا المكتب المتنقل بشكل أكثر فاعلية في حال قيادة شخص آخر للسيارة، حيث يمكن الجلوس في الكرسي الخلفي والحصول على مساحة أكبر لراحة الأقدام وقراءة الأوراق والتفاعل مع الآخرين بتركيز كامل. ويمكن لهذه التقنيات المساعدة لدى السفر بين المدن بالسيارة أو الذهاب إلى المطار أو مكان بعيد نسبياً، دون حدوث أي توقف لسير الأعمال المهمة.