4 مليارات حادث سيبراني متوقع في أولمبياد باريس

فريق «استخبارات التهديدات» والذكاء الاصطناعي في طليعة أسلحة أول مركز أولمبي موحد للأمن الرقمي

ينتظر أن يشهد أولمبياد باريس عشرة أضعاف الحوادث السيبرانية التي استهدفت أولمبياد طوكيو (شاترستوك)
ينتظر أن يشهد أولمبياد باريس عشرة أضعاف الحوادث السيبرانية التي استهدفت أولمبياد طوكيو (شاترستوك)
TT

4 مليارات حادث سيبراني متوقع في أولمبياد باريس

ينتظر أن يشهد أولمبياد باريس عشرة أضعاف الحوادث السيبرانية التي استهدفت أولمبياد طوكيو (شاترستوك)
ينتظر أن يشهد أولمبياد باريس عشرة أضعاف الحوادث السيبرانية التي استهدفت أولمبياد طوكيو (شاترستوك)

في ذروة منافسات بطولة أوروبا لكرة القدم، منتصف الشهر الماضي، فوجئ ملايين البولنديين بعطل حرمهم من مشاهدة الشوط الأول من مباراة بلادهم أمام هولندا. بعدها بأسبوع، تكرر الأمر، وإن لوقت أقصر، خلال المواجهة مع النمسا.

اتضح أن الواقعتين اللتين استهدفتا شبكة التلفزيون الوطنية «تي في بي»، عبارة عن هجمتين سيبرانيتين من نوع يعرف بـ«الهجوم الموزع لحجب الخدمة» DDoS، وهو استهداف يغرق المواقع والخوادم بزيارات مصطنعة لتعطيل الوصول إلى خدماتها.

عشية دورة الألعاب الأولمبية في باريس، يتوقع المسؤولون عن تأمين هذا الحدث الرياضي العالمي سيبرانياً، أكثر من 4 مليارات حادث، استعدوا لمواجهتها بأول مركز موحد للأمن السيبراني في تاريخ الأولمبياد وبفرق «استخبارات» ونماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط»، يوضح إريك غريفيير، مدير الأعمال والتكنولوجيا في «سيسكو فرنسا» التي تتولى إدارة مركز الأمن السيبراني الموحد للأولمبياد، أن دورة ألعاب طوكيو عام 2021 شهدت حوالي 450 مليون حادث سيبراني. لكن «حجم الحوادث السيبرانية المتوقعة للألعاب الأولمبية الحالية أعلى بعشر مرات على الأقل، مما يستلزم نموذجًا أكثر كفاءة».

«قمرة قيادة» للكشف والاستجابة

حتى أولمبياد طوكيو، كان كل شريك تقني مسؤولاً عن تدابير الأمن السيبراني الخاصة به. إلا أن هذا العام يمثل المرة الأولى التي يشرف فيها شريك واحد للأمن السيبراني على الحدث بأكمله.

ويشير غريفيير إلى أن «وجود مركز تشغيلي واحد للأمن السيبراني يسمح بتنسيق أفضل واستجابة أكثر كفاءة للحوادث»، لافتاً إلى أن هذا القرار يعتمد على نماذج ناجحة في قطاعات أخرى، بما في ذلك القطاع المصرفي ودوري كرة القدم الأميركي حيث تتولى شركته أيضاً مسؤولية الأمن السيبراني.

مدير الأعمال والتكنولوجيا في «سيسكو فرنسا» إريك غريفيير متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (سيسكو)

يعد نظام الكشف والاستجابة الموسع XDRعنصراً محورياً في استراتيجية الشركة الأمنية. وينوه غريفيير إلى أن ذلك النظام يعمل بمثابة «قمرة قيادة شاملة» ويجمع البيانات من مختلف المصادر. كما يسهل التحقيقات من خلال ربط الأحداث، ويقوم بأتمتة الاستجابات للتهديدات المكتشفة. ويضمن هذا «رؤية شاملة لمشهد الأمن السيبراني ويتيح إدارة التهديدات بشكل استباقي»، حسب قوله. وتغطي مجموعة الأمن السيبراني الشاملة تلك جميع جوانب البنية التحتية الرقمية للألعاب الأولمبية، من أمان الشبكة والسحابة والتطبيقات إلى برامج حماية المستخدم النهائي.

ما دور الذكاء الاصطناعي؟

في مجال الأمن السيبراني، يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً في إدارة كميات هائلة من البيانات وتحديد التهديدات المحتملة. يقول غريفيير لـ«الشرق الأوسط» إنه «مع توقّع وقوع 4 مليارات حادث، فإن إزالة الضوضاء أمر بالغ الأهمية». ويضيف أن كل حل يستخدمه مركز الأمن السيبراني للأولمبياد يشتمل على شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي أو التعلم الآلي لأتمتة معالجة هذه الحوادث، مما يسمح للمحللين بالتركيز على التهديدات الحقيقية.

ومن أمثلة ذلك بيئة تحليلات الشبكة الآمنة التي تجمع وتحلل حركة المرور على الشبكة لتحديد الأنماط غير المتوقعة. ويشير غريفيير إلى أنه من خلال بناء نماذج للسلوك النموذجي، «يمكن اكتشاف الانحرافات التي قد تشير إلى هجوم محتمل». ويعتبر أنه بينما يمكن أن تولد نتائج إيجابية كاذبة، فإنها توفر طبقة أساسية من الأمان من خلال الإشارة إلى أي أنماط غريبة لمزيد من التحقيق.

يتعمق أليكسي لوكاسكي، المدير الإداري ومستشار أعمال الأمن السيبراني في شركة «بوزيتيف تكنولوجيز»، في الدور المعقد الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني. ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المهاجمين صقلوا مهاراتهم ويمكنهم من خلال الذكاء الاصطناعي أن يكونوا أكثر فعالية.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لإدارة كميات البيانات الهائلة وتحديد التهديدات المحتملة في مراقبة الأمن السيبراني (شاترستوك)

ويشير إلى انتشار مقطع فيديو مزيف يُزعم أنه من وكالة المخابرات المركزية الأميركية على الإنترنت قبل بدء الألعاب الأولمبية يحذر الأميركيين من استخدام مترو باريس بسبب خطر وقوع هجوم إرهابي. كما ظهر فيلم وثائقي مزيف منسوب إلى «نتفليكس» يظهر فيه الممثل الأميركي توم كروز يدين قيادة اللجنة الأولمبية الدولية.

ويعتبر لوكاسكي أن المعلومات المضللة هي التغيير الرئيسي في استغلال الذكاء الاصطناعي لأغراض ضارة خلال هذه الألعاب الأولمبية. ويحذر من أن ملايين الناس سيسافرون إلى باريس من دون معرفة المدينة أو المناطق المحيطة بها جيداً. وقد يواجهون محاولات التصيد الاحتيالي بجميع أشكاله، كالتطبيقات المزيفة، والمواقع المزيفة لبيع التذاكر، وحجز الفنادق، والمواصلات، إضافة إلى البث المزيف ونتائج الأحداث الرياضية المزيفة. هذه تهديدات تقليدية وستركز على أكبر حدث رياضي هذا العام لتجبر المستخدمين على التخلي عن بياناتهم الشخصية وأموالهم وخصوصيتهم.

«فريق استخبارات» التهديدات السيبرانية

عند السؤال عن أنواع التهديدات السيبرانية التي قد تواجهها الألعاب الأولمبية، يجيب غريفيير بأن المخاطر الأساسية قد تتمثل في انقطاع المسابقات والبث، ما يؤثر بشكل مباشر على نجاح الحدث وإيراداته. ويتابع أن التهديدات الأخرى قد تتراوح من سرقة البيانات ونشر برامج الفدية إلى التخريب. ويوضح أن «فريق استخبارات التهديدات (سيسكو تالوس) يراقب باستمرار الأنشطة التي قد تشير إلى تهديدات محتملة».

تلعب وحدة استخبارات التهديدات هذه دوراً محورياً في حماية الألعاب الأولمبية. وقد تم تكليف هذا الفريق بمراقبة التهديدات الإلكترونية العالمية وتوفير المعلومات الاستخباراتية في الوقت المناسب لاستباق الهجمات المحتملة.

ويلفت غريفيير إلى أن شركته تراقب منذ أوائل عام 2022، «كل خطأ يمكن أن يحدث»، ومن خلال دراسة كيفية عمل مجرمي الإنترنت «يمكن توقع تحركاتهم بشكل أفضل وتنفيذ تدابير مضادة فعالة، لضمان بقاء الفريق متقدماً بخطوة على التهديدات المحتملة، وتحديد أي نشاط مشبوه ومعالجته بسرعة».

أبعاد سياسية

ويحذر باولو باسيري، أخصائي الاستخبارات الإلكترونية في شركة «نيت سكوب»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من دور مجرمي الإنترنت خلال فترات الاهتمام الإعلامي العالمي بالأحداث الرياضية الدولية، ويؤكد على أهمية وجود أنظمة أمنية واسعة النطاق وشاملة.

انقطاع المسابقات والبث مخاطر أساسية تهدد الألعاب الأولمبية على الصعيد السيبراني (شاترستوك)

ويقول إن الأحداث الرياضية تشكل فرصة لمجرمي الإنترنت لتطبيق تقنياتهم على أكبر عدد ممكن من الناس وتعطيل المنظمات من أجل المطالبة بفدية أو إيصال رسالة. وبالتالي فإن قضية الأمن السيبراني تشكل مصدر قلق رئيسياً.

ويشير باسيري إلى برنامج Olympic Destroyer الضار الذي اتهمت الولايات المتحدة الاستخبارات الروسية بتطويره وكان مسؤولاً عن تعطيل أنظمة تكنولوجيا المعلومات في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2018 في كوريا الجنوبية. ويعتبر أن «خطر حدوث اضطرابات مماثلة أصبح اليوم أكثر أهمية بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي في أجزاء مختلفة من العالم».

دور الاستجابة للحوادث

في حالة وقوع حادث إلكتروني، يُعد وجود خطة قوية للاستجابة للحوادث أمرًا بالغ الأهمية. وقد نفذت «سيسكو» إطار عمل شامل للاستجابة للحوادث للتعامل مع التهديدات المحتملة. ويشرح غريفيير أن خطة الاستجابة للحوادث تتضمن طبقات متعددة من الدفاع، من الاكتشاف الأولي إلى العلاج، وأن فريقه يجري تدريبات ومحاكاة منتظمة لضمان استعداده للاستجابة لأي موقف.

تم تصميم هذه التدريبات لاختبار جاهزية فريق الأمن السيبراني والتأكد من اتباع جميع البروتوكولات بشكل صحيح بما في ذلك خروقات البيانات وهجمات برامج الفدية واختراقات الشبكة، لتقييم قدرات الاستجابة. ويساعد هذا في تحديد أي ثغرات في الدفاعات وتحسين استراتيجيات الاستجابة، بحسب وصفه.

لكن غريفيير يوضح أن التعاون الفعال بين اللجنة الأولمبية الدولية ومختلف شركاء التكنولوجيا «هو مفتاح نجاحنا» في مهمة التأمين، مشيراً إلى أنه «من خلال مشاركة المعلومات والعمل معًا، يمكننا حماية الحدث بشكل أفضل من التهديدات السيبرانية. إنه جهد جماعي، ويلعب الجميع دوراً حاسماً في ضمان أمن الألعاب الأولمبية».

مع إشعال الشعلة الأولمبية لروح المنافسة، سترسم الدروس المستفادة والابتكارات التي تم تطويرها للألعاب الأولمبية 2024، شكل ممارسات الأمن السيبراني للأحداث المستقبلية بهذا الحجم.


مقالات ذات صلة

«أولمبياد 2028»: «الأولمبية الدولية» تعيد العمل بالاختبارات الجينية لتحديد الأنوثة

رياضة عالمية الأهلية للمنافسة في الفئات النسائية باتت مقتصرة على الأشخاص من الجنس البيولوجي الأنثوي (د.ب.أ)

«أولمبياد 2028»: «الأولمبية الدولية» تعيد العمل بالاختبارات الجينية لتحديد الأنوثة

اشترطت اللجنة الأولمبية الدولية، الخميس، المشارَكة في منافسات السيدات في «أولمبياد لوس أنجليس 2028 » بإجراء اختبارات كروموسومية.

«الشرق الأوسط» (لوزان)
رياضة عالمية أولمبياد لوس أنجليس يكشف هويته البصرية (أ.ب)

أولمبياد لوس أنجليس يكشف هويته البصرية

كشف منظمو دورة الألعاب الأولمبية وذوي الاحتياجات الخاصة في لوس أنجليس 2028 الاثنين الهوية البصرية الرسمية للألعاب.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية اللجنة الأولمبية الدولية قالت إنها لم تتخذ قرارها بعد (رويترز)

دعوات للأولمبية الدولية للتخلي عن خططها لاختبارات تحديد الجنس للسيدات

دعت أكثر من 80 منظمة لحقوق الإنسان ومجموعات دعم الرياضة، اللجنة الأولمبية الدولية للتخلي عن خططها المعلنة لإجراء اختبارات جينية شاملة لتحديد الجنس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الإيرانية يكتا جمالي تستعد لتمثيل ألمانيا (اللجنة الأولمبية الدولية)

بطلة رفع أثقال إيرانية تستعد لتمثيل ألمانيا

تتطلع اللاجئة الإيرانية، يكتا جمالي، لتحقيق ميداليات لبلدها الثاني ألمانيا في بطولة أوروبا الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (لايمن)
رياضة عالمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

الوكالة العالمية للمنشطات تدرس منع ترمب من حضور أولمبياد لوس أنجليس

تدرس الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات إعادة صياغة قواعدها بهدف منع الرئيس دونالد ترمب ومسؤولي الحكومة الأميركية من حضور دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجليس.


السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.